مكيدة لعبد الله بن وهب على الموالي

فجاء عبد الله بن وهب وكان على الميسرة، إلى ابن شميط وقد أخلاه، فقال له:
« إنّ الموالي والعبيد إلى خور عند المصدوقة، وأنّ معهم رجالا كثيرا على الخيل وأنت تمشى، فمرهم لينزلوا معك، فإنّ لهم بك أسوة، وإني أتخوّف إن طردوا ساعة فطوعنوا وضوربوا، أن يطيروا على متونها، ويسلموك، وإنّك إن أرجلتهم لم يجدوا من الصبر بدّا. » وإنما غشّ الموالي والعبيد لما كان لقي منهم بالكوفة، فأحبّ - إن كانت عليهم الدبرة - ألّا يكونوا فرسانا بل رجّالة، فلا ينجو منهم أحد. ولم يتّهمه ابن شميط، وظنّ أنه إنما أراد بذلك نصيحته ليصبروا ويقاتلوا فقال:
« يا معشر الموالي، انزلوا معي، فقاتلوا. » فنزلوا معه ثم مشوا بين يديه وبين يدي رايته.
وجاء مصعب بن الزبير وقد جعل عبّاد بن الحصين على الخيل، وأقبل عبّاد حتى دنا من ابن شميط وأصحابه فقال:
« إنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسوله وإلى بيعة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير. » فقال الآخرون:
« إنّا ندعوكم إلى كتاب الله، وسنّة رسوله وإلى بيعة الأمير المختار، وإلى أن يجعل الأمر شورى في آل الرسول، فمن زعم من الناس أنّ أحدا ينبغي أن يتولّى عليهم برئنا منهم وجاهدناه. » فانصرف عبّاد إلى مصعب فأخبره فقال له:
« إرجع، فاحمل عليهم. » فحمل علي بن شميط، فلم يزل منهم أحد. ثم انصرف إلى موقفه، وحمل المهلّب على ابن كامل، فجال أصحابه بعضهم في بعض، فنزل ابن كامل، وانصرف عنه المهلّب، ثم وقف ساعة، وقال لأصحابه:
« احملوا حملة صادقة، فقد أطمعوكم. » يعنى جولتهم التي جالوها. فحمل عليهم حملة منكرة، فولّوا، وصبر ابن كامل في رجال همدان، فأخذ المهلّب يسمع اتّصال القوم:
« أنا الغلام الشاكريّ، أنا الغلام الشباميّ، أنا الغلام الثوريّ. » وحمل عمر بن عبد الله بن معمر على عبد الله بن أنس، فقاتل ساعة ثم انصرف عنه، وحمل الناس جميعا على ابن شميط، فقاتل حتى قتل، وتنادى أصحابه:
« يا معشر بجيلة وخثعم، الصبر الصبر. » فناداهم المهلّب:
« الفرار الفرار، فهو اليوم أنجى لكم، علام تقتلون أنفسكم مع هذه العبدان، أضلّ الله سعيكم. » ثم نظر إلى أصحابه فقال:
« والله ما أدري استحرار القتل إلّا في أصحابي وقومي. » ومالت الخيل على رجّالة ابن شميط فانهزمت وأخذت في الصحراء، فبعث مصعب بن الزبير عبّاد بن الحصين على الخيل وقال:
« أيّما أسير أخذته فاضرب عنقه. » وسرّح محمد بن الأشعث في خيل عظيمة من خيل أهل الكوفة ممن كان المختار طردهم، فقال:
« دونكم ثأركم. » فلم يكن على المنهزمين قوم أشدّ عليهم منهم، كانوا لا يعفون عن أسير إنما هو القتل، فلم ينج من ذلك الجيش إلّا طائفة من أصحاب الخيل، وأما رجالتهم، فأبيدوا.
فتحدّث عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي، قال: والله إني لجالس عند المختار حين أتاه هزيمة القوم، فأصغى إليّ برأسه وقال لي:
« قتلت والله العبيد قتلة ما سمعت بمثلها قطّ. » ثم قال:
« وقتل ابن شميط وابن كامل، وفلان وفلان.. » فسمى قوما من العرب ورجالا كان الواحد منهم خيرا من أمّة من الناس. » قال: فقلت:
« إنّا لله، هذه والله مصيبة. » فقال لي:
« ما من الموت بدّ، وما من ميتة أموتها أحبّ إليّ من مثل ميتة ابن شميط، حبّذا مصارع الكرام. » قال: فعلمت أنّ الرجل قد حدّث نفسه إن لم يصب حاجته، أن يقاتل حتى يموت. وأقبل مصعب حتى قطع من تلقاء واسط القصب، ولم تكن واسط هذه بنيت بعد، وأخذ في كسكر، ثم حمل الرجال وأثقالهم وضعفاء الناس في السفن، فأخذوا في نهر يقال له: نهر خرشيذ، ثم خرجوا من ذلك النهر إلى الفرات. وكان أهل البصرة يخرجون فيجرّون سفنهم ويقولون:
عوّدنا المصعب جرّ القلس ** والزّنبريّات الطّوال القعس
ولمّا بلغ المختار أنهم قد أقبلوا إليه في البرّ والبحر، سار حتى نزل السيلحين، ونظر إلى مجتمع الأنهار: نهر الحيرة، ونهر السيلحين، ونهر القادسيّة، ونهر يوسف، فسكر الفرات على مجتمع الأنهار، فذهب ماء الفرات كلّه في هذه الأنهار، وبقيت سفن أهل البصرة في الطين.
فلما رأوا ذلك، خرجوا من السفن يمشون، وأقبلت خيلهم تركض حتى أتوا ذلك السكر، فكسروه.
غلط المختار في ذلك

فكان غلط المختار في ذلك، أنه حيث سكر الماء وقطعه عن القوم، وجب أن يخلّف على السكر جيشا قويّا. فصمد القوم لما كسروا السكر صمد الكوفة، فلما رأى المختار ذلك أقبل إليهم حتى نزل حرورا، وحال بينهم وبين الكوفة، وقد كان حصّن قصره والمسجد، وأدخل في قصره عدّة الحصار، واستعمل على الكوفة عبد الله بن شدّاد.
وجاء مصعب في جيشه، وخرج إليه المختار، وقد جعل على ميمنته سليم بن يزيد الكندي، وعلى ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني ثم الثوري، وكان على شرطته عبد الله بن قراد الخثعمي، وعلى الخيل عمر بن عبد الله النهديّ، على الرجال مالك بن عمرو النهديّ.
وجعل مصعب على ميمنته المهلّب بن أبي صفرة، وعلى ميسرته عمر بن عبد الله بن معمر التيميّ، وعلى الخيل عبّاد بن الحصين الحبطيّ وعلى الرجال مقاتل بن مسمع الكنديّ، ونزل هو يمشى، وجعل على الكوفة محمد بن الأشعث.
فجاء محمد حتى نزل بين مصعب والمختار مقربا ميامنا، فلما رأى ذلك المختار بعث إلى كلّ خمس من أخماس البصرة رجلا من أصحابه في خيل، ووقف في بقيّة أصحابه، وزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وحمل سعيد بن منقذ وعبد الرحمن بن شريح على بكر بن وائل، وعبد القيس، وهم في الميسرة عليهم عبد الله بن معمر، فقاتلهم ربيعة قتالا شديدا وصبروا لهم، وأخذ سعيد بن منقذ وعبد الرحمن بن شريح لا يقلعان، إذا حمل أحدهما فانصرف، حمل الآخر، وربما حملا جميعا.
فبعث مصعب إلى المهلّب:
« ما تنتظر أن تحمل من بإزائك؟ ألا ترى ما يلقى هذان الخمسان اليوم؟
احمل بأصحابك. » فقال المهلّب:
« إني لعمري ما كنت لأجزر الأزد وتميما خشية أهل الكوفة حتى أرى فرصتى. » وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة أن:
« احمل على من يليك. »
فحمل عليهم، فكشفهم حتى انتهوا إلى مصعب. فجثا مصعب على ركبتيه، ولم يكن فرّارا، فرمى بأسهمه، ونزل الناس، فقاتلوا ساعة، ثم تحاجزوا.
فبعث مصعب إلى المهلّب وهو في خمسين من الأخماس جامّين كثيرى العدد والفرسان:
« لا أبا لك ما تنتظر أن تحمل على القوم؟ » فمكث غير بعيد. ثم إنه قال لأصحابه:
« قد قاتل القوم منذ اليوم وأنتم وقوف، وقد أحسنوا، وبقي ما عليكم، احملوا واصبروا واستعينوا بالله. » فحملوا حملة عظيمة، فحطّموا أصحاب المختار حطمة منكرة فكشفوهم.
وقال عبد الله بن عمرو النهديّ، وكان من أصحاب صفّين:
« اللهمّ إني على ما كنت عليه ليلة الخميس بصفّين، اللهمّ إني أبرأ إليك من فعل هؤلاء المنهزمين. » وجالد بسيفه حتى قتل.
وأتى مالك بن عمرو النهدي بفرسه، وكان على الرجّالة، فركبه وانقصف أصحاب المختار انقصافة شديدة كأنّهم أجمة فيها حريق.
فقال مالك حين ركب:
« ما أصنع بالركوب؟ والله لأن أقتل هاهنا أحبّ إليّ من أن أقتل في بيتي. أين أهل البصائر؟ » فثاب إليه نحو من خمسين رجلا.