« قم فانظر. » قال: فقمت فنظرت فقلت له:
« قد هزمهم الله. » فقال:
« قم يا زياد فانظر. » فقام فنظر فقال:
« الحقّ - أصلحك الله - يقينا، قد هزموا. » فخرّ ساجدا.
قال: فلمّا رجعت شتمني أبي وقال:
« أردت أن تهلكني وأهل بيتي. » قال: فانهزم الناس، وأقبل عبد الرحمن إلى الكوفة، وتبعه أهل القوّة من أصحاب الخيل من أهل البصرة.
ولمّا مضى عبد الرحمن إلى الكوفة وثب أهل البصرة إلى عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فبايعوه، فقاتل بهم خمس ليال أشدّ قتال رءاه الناس. ثم انصرف فلحق بابن الأشعث، وقتل الحريش بن هلال وجماعة من الأشراف والوجوه.
قال أبو الزبير: كنت قد أصابتنى جراحة وخرج أهل الكوفة يستقبلون ابن الأشعث حين أقبل، فاستقبلوه عنده قنطرة زبارا. فقال لي:
« إن رأيت أن تعدل عن الطريق فلا يرى الناس جراحتك فإني لا أحبّ أن يستقبلهم الجرحى. » ففعلت، ودخل الناس، فلمّا دخل الكوفة مال إليه الناس كلّهم ودخلوا إليه فبايعوه، وسقط إليه أهل البصرة، وتقوّضت إليه المسالح والثغور، وجاءه في من جاءه من أهل البصرة عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وكنّا ذكرنا أنّه قاتل الحجّاج بالبصرة بعد خروج ابن الأشعث. فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فقال:
« قاتل الله عديّ الرحمن، قد فرّ وقاتل غلام من غلمان قريش بعده ثلاثا. » وأقبل الحجّاج من البصرة، فسار في البرّ حتى مرّ بالقادسيّة والعذيب، وبعث إليه عبد الرحمن بن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من خيل البصرة، فمنعوه من نزول القادسيّة. ثم سايره حتى ارتفعوا على وادي السباع، ثم تسايرا حتى نزل الحجّاج دير قرّة، ونزل عبد الرحمن دير الجماجم. ثم جاء ابن الأشعث فنزل دير الجماجم. فكان الحجّاج بعد ذلك يقول:
« ما كان عبد الرحمن يزجر الطير، حيث رءانى نزلت دير قرّة ونزل دير الجماجم. » واجتمع القرّاء من أهل المصرين وأهل الثغور والمسالح وجماعة أهل الكوفة والبصرة على حرب الحجّاج والذي جمعهم على حربه بغضهم له وإجماعهم على عدوانه وظلمه، وهم إذ ذاك مائة ألف مقاتل ممّن يأخذ العطاء ومعهم مثلهم مواليهم. وجاءت الحجّاج أمداده من قبل عبد الملك. فكان الحجّاج مخندقا في عسكره والناس يخرجون في كلّ يوم فيقتتلون، فلا يزال أحدهما يدنى خندقه نحو صاحبه، فإذا رءاه الآخر أدنى خندقه أيضا من صاحبه واشتدّ القتال.
ذكر وقعة دير الجماجم

لمّا بلغ أهل الشام ورؤوس قريش قبل عبد الملك مخالفة أهل العراق الحجّاج اجتمعوا إليه، وقالوا:
« إن كان إنّما يرضى أهل العراق أن تنزع عنهم الحجّاج فإنّ نزع الحجّاج أهون من حرب أهل العراق فانزعه عنهم تخلص لك طاعتهم وتحقن به دماءنا ودماءهم. » بعث عبد الملك ابنه عبد الله بن عبد الملك وأخاه محمد بن مروان في خيل إلى أرض العراق، وأمرهما أن يعرضا على أهلها نزع الحجّاج عنهم وأن يجرى عليهم أعطياتهم كما يجرى على أهل الشام وأن ينزل ابن محمد بن الأشعث أيّ بلد شاء من العراق يكون عليه واليا ما كان حيّا وكان عبد الملك واليا. فإن هم قبلوا ذلك فاعزل عنهم الحجّاج ومحمد بن مروان أمير العراق، وإن أبوا أن يقبلوا فالحجّاج أمير جماعة أهل الشام ووليّ القتال، ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته.
فلم يأت الحجّاج قطّ أمر كان أشدّ عليه ولا أغيظ له ولا أوجع لقلبه من هذا الأمر مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم. فكتب إلى عبد الملك:
« يا أمير المؤمنين، والله لئن أعطيت أهل العراق نزعى عنهم لا يلبثون إلّا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلّا جرأة عليك. ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على ابن عفّان؟ فلما سألهم: ما الذي تريدون؟ قالوا: نزع سعيد بن العاص. فلما نزعه، لم تتمّ لهم السنة حتى ساروا إليه، فقتلوه. إنّ الحديد بالحديد يقرع. وخار الله لك في ما ارتأيت والسلام. » فأبى عبد الملك إلّا عرض هذه الخصال على أهل العراق طلبا للعافية من الحرب. فلما اجتمعا مع الحجّاج خرج عبد الله بن عبد الملك فنادى أهل العراق وقال:
« أنا عبد الله بن أمير المؤمنين وهو يعطيكم كذا وكذا. » وذكر الخصال التي ذكرناها.
وقال محمد بن مروان:
« أنا رسول أمير المؤمنين إليكم وهو يعرض عليكم كذا وكذا. » وذكر هذه الخصال. فقالوا:
« نرجع العشيّة وننظر. » فرجعوا واجتمعوا عند ابن الأشعث، فلم يبق قائد ولا رأس ولا فارس إلّا أتاه.
ذكر رأي رءاه عبد الرحمن عند هذه الحال

لمّا اجتمع هؤلاء كلّهم عند ابن الأشعث حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
« أمّا بعد، أعطيتم اليوم أمرا انتهازكم إيّاه اليوم فرصة، ولا آمن أن يكون على
ذي الرأي غدا حسرة. وإنّكم اليوم على النصف، وإن كانوا اعتدّوا عليكم بالزاوية فأنتم تعتدّون عليهم بيوم تستر. فاقبلوا ما عرض عليكم وأنتم أعزّاء أقوياء، والقوم لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون. فلا والله لا زلتم عليهم جرّاء وعندهم أعزّاء أبدا، إن قبلتم. » فوثب إليه الناس من كلّ جانب، فقالوا:
« إنّ الله قد أهلكهم، فأصبحوا في الأزل والضنك والمجاعة والقلّة والذلّة، ونحن ذوو العدد الكثير والسعر الرفيع والمادة القريبة. لا والله، لا نقبل. » فأعادوا خلعه ثانيا. وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم، أجمع من خلعهم إيّاه بفارس.
فرجع محمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك إلى الحجّاج، فقالا:
« شأنك بعسكرك وجندك، فقد أمرنا أن نسمع لك ونطيع. » فقال الحجّاج:
« قد قلت لكما أنّه لا يراد بهذا الخلاف غيركما. » ثم قال:
« إنّما أقاتل لكما وسلطاني سلطانكما. » فكانوا إذا لقياه سلّما عليه بالإمرة، وكان أيضا يسلّم عليهما بالإمرة، وخلّياه والحرب، فتولّاها وبرزوا للقتال.