« إنّ له لشأنا. » ورجع فجلس، وجاء الناس حتى بلغوا فسطاطه، فخرج عنه من كان حوله فقتل وقتل معه من بنى مسلم أحد عشر رجلا سبعة منهم لصلب مسلم، وأربعة من بنى أبنائهم، فصلبهم وكيع، وهم: قتيبة، وعبد الرحمن وعبيد الله، وعبد الله الفقير، وصالح، ويسار، ومحمد بنو مسلم، وكثير بن قتيبة، ومفلّس بن عبد الرحمن، ورجلان آخران، ولم ينج من صلب مسلم غير عمرو، وكان عامل الجوزجان، وضرار أخوه استنقذ أخواله، وكانت أمّه الغرّاء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة. وسقطت على قتيبة يوم قتل جارية له خوارزميّة، فوضعت بعد ليزيد بن المهلّب، فأخذها، فهي أمّ خليدة.
ولمّا قتل قتيبة صعد وكيع المنابر، فعلم منه أنّه يأتى بآبدة وهوجة.
فصعد معه عمارة بن خئيّه، فتكلّم فأكثر، فقال وكيع:
« دعنا من هذرك وقذرك. » وتكلّم وكيع فقال:
« مثلي ومثل قتيبة، ما قال الأوّل:
من ينك العير ينك نيّاكا
من أيّ يوميك من الموت تفرّ ** أيوم لم يقدر، أم يوم قدر
«.. أراد قتيبة أن يقتلني وأنا قتّال، والله لأقتلنّ ثم لأقتلنّ، ثم لأصلبنّ. إني لوالغ دماء، إلّا أنّ مرزبانكم هذا ابن الزانية قد أغلى أسعاركم، والله ليصيرنّ القفيز في السوق غدا بأربعة، أو لأصلبنّه. صلّوا على نبيكم . » ثم نزل.
وطلب وكيع رأس قتيبة وخاتمه، فقيل له:
« إنّ الأزد أخذته. » فخرج وكيع وهو يقول:
« دهدرّين سعد القين! والله الذي لا إله غيره لا أبرح حتى أوتى بالرأس، أو يذهب برأسى معه. » ودعا بخشب، فقال:
« إنّ هذه الخيل لا بدّ لها من فرسان يتهدّد بالصلب. » فقال له حصين:
« يا أبا مطرّف، توتى به فاسكن. » وذهب حصين إلى الأزد، وهو سيّدهم، فقال:
« أحمقى أنتم؟ بايعناه وأعطيناه المقادة وعرّض نفسه، ثم تأخذون الرأس! أخرجوه، لعنه الله من رأس! »
فجاؤوه به، فوهب لمن جاء به ثلاثة آلاف درهم. وبعث بالرأس مع رجال من القبائل وعليهم سليط، ولم يبعث من بنى تميم أحدا.
ووفّى لحيّان النبطي بما كان وعده به.
فقال رجل من عجم خراسان:
« يا معشر العرب! قتلتم قتيبة، والله لو كان منّا ثم مات فينا لجعلناه شهيدا وحفظنا تابوته إلى الحشر نستفتح به إذا غزونا. » وقال الإصبهبذ يوما لرجل:
« يا معشر العرب! قتلتم قتيبة ويزيد وهما سيّد العرب. » قال:
« نعم، فأيّهما كان أهيب في صدوركم وأعظم قدرا عندكم؟ » فقال له الإصبهبذ:
« لو كان قتيبة بالمغرب بأقصى جحر به مكبّلا بالحديد ويزيد معنا في بلادنا وال علينا، لكان قتيبة أهيب في صدورنا وأعظم من يزيد. » ورثى الشعراء قتيبة، فأكثروا.
وولّى سليمان يزيد بن المهلّب العراق مكان الحجّاج حربها وخراجها وصلاتها
.
ذكر رأي رءاه يزيد لنفسه عاد مكروها عليه

فكرّ يزيد في نفسه فقال:
« إنّ العراق قد أخربها الحجّاج، وأنا اليوم رجاء أهل العراق، ومتى قدمتها وأخذت الناس بالخراج وعذّبتهم عليه صرت مثل الحجّاج وأعيد عليهم مثل تلك السجون التي قد عافاهم الله منه أو متى لم آت سليمان بمثل ما جاء به الحجّاج لم يقبل مني. » فأتى يزيد سليمان وقال له:
« أدلّك على رجل بصير بالخراج تولّيه إيّاه فتكون أنت الذي تأخذه به؟ » قال:
« نعم. » قال صالح بن عبد الرحمن: قال:
« قد قبلنا رأيك. » وولّاه. فأقبل يزيد إلى العراق وتقدّم صالح فنزل واسطا. فلمّا قدم يزيد خرج الناس يتلقّونه. وقيل لصالح:
« هذا يزيد وقد خرج الناس يتلقّونه. » فلم يخرج حتى قرب يزيد من المدينة، فخرج صالح عليه درّاعة وبين يديه أربعمائة من أهل الشام، فلقى يزيد فسايره، فلمّا دخل المدينة، قال له صالح:
« قد فرّغت لك هذه الدار. » وأشار إلى دار. فنزلها يزيد واحتمل ذلك، ثم ضيّق صالح على يزيد فلم يملكه شيئا.
واتخذ يزيد ألف خوان يطعم الناس عليها، فأخذها صالح. فقال له يزيد:
« أكتب عليّ ثمنها. » واشترى متاعا كثيرا وصكّ صكاكا إلى صالح لباعتها فلم ينفذ. فرجعوا إلى يزيد، فغضب وقال:
« هذا عملي بنفسي. » فلم يلبث [ أن جاء ] صالح، فأوسع له يزيد، فجلس وقال ليزيد:
« ما هذه الصكاك التي لا يقوم لها الخراج. قد أنفذت لك منذ أيّام صكا بمائة ألف درهم وعجّلت لك أرزاقك، ثم سألت مالا للجند، فأعطيتك، فهذا لا يقوم له شيء ولا يرضى به أمير المؤمنين وتؤخذ به. » فقال له يزيد:
« يا با الوليد، أجز هذه الصكاك هذه المرّة. » قال:
« فإني أجيزها، فلا تكثرنّ عليّ. » قال:
« لا. » وضجر يزيد بصالح، فكان لا يصل معه إلى شيء. فدعا عبد الله بن الأهتم، فقال له:
« إني أريدك لأمر قد أهمّنى فأحبّ أن تكفينيه ولك مائة ألف. » قال:
« مرني بما شئت. » قال:
« أنا في ما ترى من الضيق، قد أضجرنى ذلك، وبلغني أنّ أمير المؤمنين ذكر خراسان لعبد الملك أخي، فاخرج واحتل حتى يسمّيها لي. » قال:
« أفعل، سرّحنى إلى أمير المؤمنين في بعض الأمور فإني أرجو أن آتيك بعهدك عليها. »
ما احتال به الأهتم حتى قلد يزيد خراسان

فكتب معه يزيد كتابين إلى سليمان وذكر في أحدهما أمر العراق وأثنى فيه على ابن الأهتم وعلمه بها. ثم وجّهه على البريد وأعطاه ثلاثين ألفا، فسار سبعا.
ثم قدم على سليمان فباسطه سليمان وحادثه وقال له:
« إنّ يزيد بن المهلّب كتب إليّ يذكّر علمك بالعراق وبخراسان، فكيف علمك بها؟ » قال:
« يا أمير المؤمنين، بها ولدت وبها نشأت، فلي بها خبر وعلم. » قال:
« ما أحوج أمير المؤمنين إلى مثلك، فأخبرني عن خراسان. » قال:
« أمير المؤمنين أعلم بمن يريد أن يولّى، فإن ذكر أحدا أخبرته برأى فيه: هل يصلح أم لا. » فسمّى سليمان رجلا من قريش. فقال:
« يا أمير المؤمنين، ليس من رجال خراسان. » قال:
« فعبد الملك بن المهلّب. » قال: