يزيد بن عبد الملك يولى مسلمة على الكوفة والبصرة وخراسان بعد قتل يزيد بن المهلب

ولمّا فراغ مسلمة بن عبد الملك من حرب يزيد بن المهلّب، جمع له يزيد بن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة.
وفي هذه السنة وجّه مسلمة بن عبد الملك سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص إلى خراسان، وهو الذي يلقّب بسعيد خدينة، وإنّما استعمله مسلمة لأنّه كان ختنه على ابنته، وقدّم سعيد خدينة قبل شخوصه سورة بن أبجر من بنى دارم، فقدّمها قبله بشهر أو نحوه، واستعمل شعبة بن ظهير النهشليّ على سمرقند، فخرج إليها في خمسة وعشرين رجلا من أهل بيته. فأخذ على آمل اموية، وأتى بخارى، فصبّحه وصحبه منها مائتا رجل، فقدم السغد وقد كان أهلها ارتدّوا في ولاية عبد الرحمن بن نعيم، ثم عادوا إلى الصلح.
فخطب شعبة أهل السغد ووبّخ سكّانها من العرب وغيرهم بالجبن، وقال:
« ما أرى فيكم جريحا ولا أسمع فيكم أنّة. » فاعتذروا بأن جبّنوا عاملهم علباء بن حبيب العبديّ وكان على الحرب. قدم سعيد. فأخذ عمّال عبد الرحمن بن عبد الله الذين ولوا أيّام عمر بن عبد العزيز فحبسهم. فكلّمه فيهم قوم فضمّنهم وأطلق عنهم، ثم رفع إليه على عمّال يزيد بن المهلّب وهم ثمانية. فأرسل إليهم وحبسهم في القهندز بمرو، فقيل له:
« إنّ هؤلاء لا يودّون إلّا أن يبسط عليهم. » وكان فيهم جهم بن زهر. فأرسل إليه ثم ضربه في ما بعد. وعزل شعبة بن ظهير عن سمرقند، وولّى حربها عثمان بن عبد الله بن مطرّف، وكان الناس يضعّفون سعيدا ولقّبوه خدينة. فطمع فيه الترك، فجمع له خاقان الترك ووجّههم إلى السغد وكان عليهم كورصول، وأقبلوا حتى نزلوا بقصر الباهليّ.
سبب طمع الترك في سعيد خدينة

وقيل: إنّ سبب طمع الترك أنّ بعض عظماء الدهاقين رأى في ذلك القصر امرأة من باهلة فهويها، فأرسل إليها فخطبها، فأبت فاستجاش ورجا أن يسبوا فيأخذ المرأة قهرا. فأقبل كورصول في من معه من الترك حتى حضر بالقصر، وفيه مائة أهل بيت بذراريّهم، وعلى سمرقند عثمان بن عبد الله، وخافوا من الترك، وأشفقوا أن يبطئ عنهم المدد. فصالحوا الترك على أربعين ألفا وأعطوهم من الرجال سبعة عشر نفسا رهينة، وندب عثمان بن عبد الله بن مطرّف الشخّير الناس، فانتدب المسيّب بن بشر الرياحيّ وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل، فقال شعبة بن ظهير:
« لو كان هاهنا خيول خراسان بأميرهم ما وصلوا إلى إغاثتهم. » وكان في من انتدب شعبة بن ظهير وجماعة من الرؤساء، فقال لهم المسيّب بن بشر لمّا عسكروا:
« إنّكم تقدمون على حلبة الترك وهي حلبة خاقان، والعوض إن صبرتم الجنّة، والعقاب إن فررتم النار، فمن أراد الصبر فليقدم. » فانصرف عنه ألف وثلاثمائة، وسار في الباقين. فلمّا سار قليلا أقبل على الناس وقال مثل مقالته الأولى، فاعتزل ألف. ثم قال بعد ما سار فرسخا مثل ذلك فاعتزل ألف آخر، وسار في سبعمائة، حتى إذا كان على فرسخين من القوم نزل.
فأتاهم من ترك خاقان ملك قيّ، فقال:
« إنّه لم يبق هاهنا دهقان إلّا وقد تابع الترك غيري وأنا في ثلاثمائة مقاتل، فهم معك. وعندي الخبر أنّ القوم قد كانوا صالحوا على أربعين ألفا وأعطوهم سبعة عشر رجلا يكونون في أيديهم رهنا. فلمّا بلغهم مسيركم إليهم قتل الترك من كان أيديهم من الرهائن. » قال: وكان فيهم نهشل بن يزيد الباهلي فنجا، والأشهب بن عبد الله الحنظلي، وميعادهم أن يقاتلوهم غدا أو يفتحوا القصر.
فبعث المسيّب رجلين من العرب ورجلا من العجم من ساعته - وكان ليلا - على خيولهم، وقال:
« إذا قربتم فشدّوا دوابّكم بالشجر واعلموا علم القوم. » فأقبلوا في ليلة مظلمة وقد أجرت الترك الماء في نواحي القصر. فليس يصل إليه أحد ودنوا من القصر فصاح بهم الربيئة، فقال:
« لا تصح وادع لنا عبد الملك بن دثار. » فدعوه فقالا له:
« أرسلنا المسيّب وقد أتاكم الغوث. » قال:
« أين هو؟ » قالا:
« على فرسخين، فهل عندكم امتناع إلى أن يلحق؟ » قال:
« قد أجمعنا على تسليح نسائنا وتقديمهم للموت أمامنا حتى نموت جميعا غدا. » فرجعا إلى المسيّب، فأخبراه. فقال المسيّب للذين معه:
« إني سائر إلى هذا العدوّ. فمن بايعنى على الموت، وإلّا فليذهب. » فلم يفارقه أحد وبايعوه على الموت. فلمّا أصبح سار وقد زاد الماء الذي أجروه إلى المدينة تحصينا. فلمّا كان بينه وبينهم نصف فرسخ رأى أن ينزل ويبيّتهم. فلمّا أمسى أمر الناس، فشدّوا على خيولهم وركب فحثّهم على الصبر ورغّبهم في ما يصير إليه أهل الجهاد والاحتساب والصبر وما لهم في الدنيا من الغنيمة والشرف إن ظفروا، وما لهم في الآخرة من الثواب والنعيم الأبديّ إن قتلوا.
ثم قال لهم:
« اكعموا دوابّكم وقودوها، فإذا دنوتم من القوم فاركبوا وشدّوا شدّة صادقة وكبّروا. وليكن شعاركم: « يا محمّد »، ولا تتّبعوا مولّيا فتتفرّقوا، وعليكم بالدوابّ فاعقروها، فإنّ دوابّ القوم إذا عقرت أشدّ عليهم منكم.
واعلموا أن القليل الصابر خير من الكثير الفشل، وليست لكم قلّة. إنّ سبعمائة سيف لا تضرب بها في عسكر إلّا أوهنوه وإن كثر أهله. » وعبّأهم ميمنة وميسرة، وساروا حتى إذا كانوا على غلوتين كبّروا، وذلك في السحر، وثار الترك وخالطهم المسلمون وانهزموا، فعقر المسلمون الدوابّ. عاد الترك وصابروا، فجال المسلمون وانهزموا، حتى إذا صاروا إلى المسيّب وتبعهم الترك فضربوا عجز دابّة المسيّب. فترجّل قوم من المسلمين منهم البختريّ، ومحمد بن قيس الغنوي وزياد الإصبهاني، ومعاوية بن الحجّاج وثابت قطنة، وكان على ميسرة المسيّب. فأمّا البختريّ فقاتل حتى قطعت يمينه فأخذ السيف بشماله فقطعت، فجعل يذبّ ببدنه حتى استشهد. واستشهد أيضا محمّد بن قيس، وشلّت يد الحجّاج الطائيّ. ثم لم يصبر الترك وانهزموا. وضرب ثابت قطنة عظيما من عظمائهم، فقتله ونادى منادى المسيّب:
« لا تتبعوهم، فإنّهم لا يدرون من الرعب أتبعتموهم أم لا، واقصدوا القصر، ولا تحملوا للقوم شيئا من المتاع إلّا المال، واقصدوا من ضعف عن المشي فاحملوه ولا تحملوا من أطاق على المشي. » وقال المسيّب:
« من حمل امرأة أو صبيّا أو ضعيفا حسبة فأجره على الله. ومن أبي فله أربعون درهما. وإن كان في القصر أحد من أهل عهدكم فاحملوه. » قال: فقصدوا جميعا القصر، فحملوا من كان فيه. وانتهى رجل من بنى فقيم إلى امرأة، فقالت:
« أغثنى أغاثك الله. » فوقف وقال:
« دونك عجز الفرس! » فوثبت، فإذا هي على عجز الفرس، وإذا هي أفرس من رجل يعجب لها من رءاها. وتناول الفقيميّ بيد ابنها غلاما صغيرا، فوضعه بين يديه وأتوا ملك قيّ ترك خاقان. فأنزلهم قصره، وأتاهم بطعام وقال:
« الحقوا بسمرقند. » ثم قال:
« هل بقي أحد؟ » قالوا:
« نعم، هلال الجديديّ. » فقال:
« لا أسلمه. » فأتاه به، وبه بضع وثمانون ضربة. فاحتمله فبرأ، إلى أن أصيب يوم الشعب مع الجند، ورجع الترك من الغد، فلم يروا في القصر أحدا ورأوا قتلاهم. فقالوا:
« لم يكن الذين جاءوا بالأمس من الإنس. »
فقال بعض من شهد ليلة قصر الباهلي: كنّا في القصر. فلمّا التقوا ظننّا أنّ القيامة قامت لهول ما سمعنا من هماهم القوم ووقع الحديد.
غزو سعيد الترك

وفي هذه السنة قطع سعيد خدينة نهر بلخ، وغزا الترك، وكانوا قد نقضوا العهد وأعانوا الترك. وذلك بعد ما كلّم الناس سعيدا مرارا وقالوا له:
« تركت الغزو. فقد كثر الترك، وكفر أهل السغد. » فلمّا عبر سعيد وقصد السغد لقيه الترك وطائفة من السغد. فهزمهم المسلمون.
وقال سعيد:
« لا تتبعوهم، فإنّ السغد بستان أمير المؤمنين. » فلمّا كان الغد خرجت مسلحة المسلمين - والمسلحة يومئذ من تميم - فما شعروا إلّا بالترك معهم خرجوا عليهم من غيضة، وعلى خيل بنى تميم شعبة بن ظهير، فقتل شعبة. وذاك أنّه أعجل عن الركوب، فقاتلهم راجلا إلى أن قتل، وقتل نحو من خمسين رجلا، وانهزم المسلحة وأتى الناس الصريخ.
فقال عبد الرحمن بن المهلّب العدويّ: كنت أوّل من أتاهم لمّا أتانا الخبر وتحتي فرس جواد، فإذا عبد الله بن زهير إلى جنب شجرة كأنّه قنفذ من النشّاب وقد قتل. ثم لحق الناس وحملوا على العدوّ حتى كفّوهم. وجاء الأمير والجماعة، فانهزم العدوّ.
ذكر كلمة صارت سبب حتف

كان سعيد عبر النهر مرّتين، فلم يجاوز سمرقند. وكنّا حكينا أنّه لمّا هزم المسلمون الترك وأهل السغد ألحّوا في طلبهم. فنادى منادى سعيد:
« لا تطلبوهم، فإنّ السغد بستان أمير المؤمنين. » وقال سعيد:
« قد هزمتموهم. أفتريدون بوارهم وأنتم يا أهل العراق قد قاتلتم أمير المؤمنين غير مرّة، فعفا عنكم ولم يستأصلكم ورجع. » وكان سعيد إذا بعث سريّة فأصابوا وغنموا وسبوا ردّ السبي ووبخ السريّة.
فقال له يوما حيّان النبطيّ وهو بإزاء العدوّ من أهل السغد:
« أيها الأمير، ناجز العدوّ. » فقال:
« لا، هذه بلاد أمير المؤمنين. » فلمّا انهزم أهل السغد تبعهم حيّان، فقال له سورة بن أبجر:
« انصرف كما أمر الأمير. » فقال:
« أدع عقيرة الله وأنصرف! » فقال له:
« يا نبطيّ! » قال:
« أنبط الله وجهك. » وكان حيّان يكنّى في الحرب: أبا الهيّاج، وإيّاه عنى الشاعر:
إنّ أبا الهيّاج أريحيّ ** للرّيح في أثوابه دويّ
فحقد عليه سورة [ وقال: ] « أنبط الله وجهك. »
ثم خلا بسعيد فقال:
« إنّ هذا العبد أعدى الناس للعرب. قد عصى أمرك، وهو الذي أفسد خراسان على قتيبة وهو واثب بل مفسد عليك خراسان، ثم يتحصّن في بعض هذه القلاع. » قال:
« يا سورة! لا تسمعنّ. »