« أغدرتم ورجعتم عمّا قلتم؟ » فقال له هانئ:
« ليس بغدر ما كان فيه حقن الدّماء. » وحمل أبا الصّيداء إلى الأشرس، وحبس ثابت قطنة عنده. فلمّا حمل أبو الصّيداء اجتمع أصحابه، وولّوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا، فقال لهم:
« كفّوا، حتى أكتب إلى الأشرس فيأتينا رأيه. » فكتبوا إلى أشرس، فكتب الأشرس:
« ضعوا عليهم الجزية. » فرجع أصحاب أبي الصّيداء منكسرين وضعف أمرهم، ولم يقدموا على محاربة السّلطان، وتتبّع العمّال الرؤساء منهم وحملوا إلى مرو، وبقي ثابت قطنة محبوسا، وألحّ هانئ والعمّال في الخراج وجباية الأموال والجزية، حتى استخفّوا بعظماء العجم، وسلّطوا عليهم من أقامهم، وحرّق ثيابهم، وألقى مناطقهم في أعناقهم، وأخذوا الجزية من الضّعفاء. فكفرت السّغد وبخارى، واستجاشوا التّرك فلم يزل ثابت قطنة في حبس المجشّر حتى قدم نصر بن سيّار واليا على المجشّر، فحمل ثابتا إلى أشرس مع إبراهيم بن عبد الله الليثي، فحبسه، وكان نصر بن سيّار ألطفه وأحسن إليه، فمدحه ثابت وهو محبوس عند أشرس، فقال:
ما هاج شوقك من نؤى وأحجار ** ومن رسوم عفاها صوب أمطار
لم يبق منها ومن أعلام عرصتها ** إلّا صبيح، وإلّا موقد النّار
وماثل في ديار الحيّ بعدهم ** مثل الرّبيئة في أهدامه العاري
ديار ليلى قفار، لا أنيس بها ** دون الحجون وأين الحجن من دارى
بدّلت منها، وقد شطّ المزار بها ** وادي المخافة لا يسرى بها السّارى
بين السّماوة في حزم مشرّقة ** ومعنق دوننا آذيّة جارى
نقارع التّرك ما تنفك نائحة ** منّا ومنهم على ذي نجدة شار
إن كان ظنّى بنصر صادقا أبدا ** فما أدبّر من نقضي وإمرارى
لا يصرف الجند حتى يستفيء بهم ** نهبا عظيما ويوفى ملك جبّار
حتى تروهم ودون السّرح بارقة ** فيها لواء كظلّ الأجدل الضّارى
لا يمنع الضّيم إلّا ذو محافظة ** من الخضارم سبّاق بأوتار
إني وإن كنت من جذم الّذى نشرت ** منه الفروع وزندي الثّاقب الواري
لذاكر منك أمرا قد سبقت به ** من كان قبلك يا نصر بن سيّار
ناضلت عني نضال الحرّ إذ قصرت ** عني لعشيرة واستبطأت أنصاري
وصار كلّ صديق كنت آمله ** ألبا عليّ، ورثّ الحبل من جارى
وما تلبّست بالأمر الّذى وقعوا ** به عليّ ولا دنّست أطمارى
ولا عصيت إماما كان طاعته ** حقّا عليّ، ولا فارقت من عار
ولمّا ارتدّ أهل السّغد وأهل بخارى لأجل الجزية، واستجاشوا التّرك، خرج إليهم أشرس، فنزل آمل، وأقام ثلاثة أشهر، وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم فعبر النّهر في عشرة آلاف واقبل التّرك مع أهل بخارى والسّغد فحصروا قطن بن قتيبة في خندقه، وجعل خاقان ينتخب كلّ يوم فارسا فيعبر، وقطعت قطعة من التّرك النهر فقال قوم:
« أقحموا دوابّكم عريا. » فعبروا، وأغاروا على سرح النّاس، فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو، ووجّهه مع عبد الله بن بسطام في خيل، فاتّبعوا التّرك، فقاتلوهم بآمل حتى استنقذوا ما بأيديهم. ثم قطع التّرك النّهر راجعين، ثم عبر أشرس بالنّاس إلى قطن بن قتيبة، ووجّه أشرس رجلا يقال له: مسعود، أحد بنى حيّان في سريّة، فلقيهم العدوّ، فقاتلهم، فهزم مسعود وأصيب رجال من المسلمين، وأقبل العدوّ. فلمّا صاروا بقرب، لقيهم المسلمون، فقاتلوهم، فجال المسلمون، فقتل في تلك الجولة خلق من المسلمين. ثم كرّ المسلمون، وصبروا، فانهزم المشركون، ومضى أشرس بالنّاس حتى نزل بيكند، وقطع عنهم العدوّ الماء، فأقام أشرس والمسلمون في عسكرهم يومهم وليلتهم، فأضحوا وقد نفد ماؤهم، فاحتفروا فلم ينبطوا وعطشوا، فارتحلوا إلى المدينة الّتى منها قطعوا الماء عنهم، وعلى مقدّمة المسلمين قطن بن قتيبة، فلقيهم العدوّ، فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة وعجز النّاس عن القتال، وكاد قوم يوسرون من الجهد، فحضّ الحارث بن سريج النّاس. فقال:
« أيّها النّاس، القتل بالسّيف أكرم في الدّنيا وأعظم أجرا عند الله من الموت عطشا. » وتقدّم الحارث بن سريج وقطن بن قتيبة وجماعة من بنى تميم وقيس، فقاتلوا حتى أزالوا التّرك عن الماء، وابتدره النّاس، فاستقوا ورووا. فمرّ ثابت قطنة بعبد الملك بن دثار الباهلي، فقال:
« يا عبد الملك، هل لك في الجهاد؟ » قال:
« أنظرني ريث ما أغتسل وأتحنّط. » فوقف له، حتى خرج ومضى. فقال ثابت لأصحابه:
« أنا أعلم بقتال هؤلاء منكم. » وحضّهم، فحملوا على العدوّ، واشتدّ القتال، فقتل ثابت وعبد الملك في عدّة من المسلمين فضمّ قطن بن قتيبة وإسحاق بن حسّان خيلا من بنى تميم تبايعوا على الموت، فأقدموا على العدوّ، فقاتلوهم حتى كشفوهم وركبهم المسلمون يقتلونهم حتى حجزهم الليل وتفرّق العدوّ. فأتى أشرس بخارى فحاصر أهلها.
وتحدّث قوم شهدوا قتال التّرك لمّا التقوا على الماء وقاتلوا عليه، قالوا:
سمعنا ثابتا يقول:
« اللهمّ إني كنت ضيف ابن بسطام البارحة، فاجعلني ضيفك الليلة، والله لا ينظر إليّ بنو أميّة مشدودا في الحديد. » فحمل، وحمل أصحابه، فكذب أصحابه وثبت هو، فرمى برذونه فشبّ، وضربه فأقدم وضرب فارتثّ، فقال وهو صريع:
« اللهم إني أصبحت ضيفا لابن بسطام، وقد أمسيت ضيفك، فاجعل قراي من ثوابك الجنّة. »
ولحق غورك في تلك الوقعة بالتّرك. فيقال: إنّه وقع وسط خيل، فلم يجد بدّا من اللحاق بهم. ويقال: إنّ أشرس كان أرسل إلى غورك يطلب منه طاسا كان عنده. فقال غورك لرسول أشرس:
« إنّه لم يبق معي شيء أتدهّن به غير هذا الطّاس. فاصفح عنه. » فأرسل إليه:
« اشرب في قرعة، وابعث إليّ بالطّاس. » فكان ذلك سبب فراقه.
فيقال: إنّ أشرس نزل قريبا من مدينة بخارى، ثم تحوّل منه إلى كمرجة، وكانت كمرجة من أشرف آجام خراسان وأعظمها. فمرّ بهم سبّابة مولى قيس وقال:
« إني قصدتكم للنّصيحة. إنّ خاقان مارّ بكم غد، فأرى لكم أن تظهروا عدّتكم ليرى حدّا واحتشادا فينقطع طمعه منكم. » فقال لهم رجل:
« استوثقوا منه، فإنّه جاءكم ليفت في أعضادكم. » قالوا:
« لا تفعل هذا مولانا، وقد عرفناه بالنّصيحة. » فلم يقبلوا منه، وفعلوا ما أمرهم به المولى. وصبّحهم خاقان، فلمّا حاذى بهم ارتفع إلى طريق بخارى، كأنّه يريدها، فانحدر بجنوده من وراء تلّ بينه وبينهم. فنزلوا وتأهّبوا وهم لا يشعرون بهم. فما فاجأهم أن طلعوا على التّلّ، فإذا جبل حديد فيهم أهل فرغانة والطّاربند وأفشينة ونسف وطوائف من أهل بخارا. فسقط في أيدى النّاس.
فقال لهم كليب بن قبان الذّهلى:
« هم يريدون مزاحفتكم، فسرّحوا دوّابكم المجفّفة في طريق النّهر، كأنّكم تريدون أن تسقوها، فإذا حدرتموها فخذوا طريق الباب، وتسرّبوا الأوّل فالأوّل. » فلمّا رءاهم التّرك يتسرّبون، شدّوا عليهم في مضيق، وكانوا أعلم بالطّريق من التّرك، فسبقوهم إلى الباب، فلحقوهم عنده، وقتلوا رجلا من العرب كان على حاميتهم يقال له المهلّب، وقاتلوهم، فغلبوهم على الباب الخارج من الخندق ودخلوه، فاقتتلوا، وجاء رجل بحزمه قصب قد أشعلها، فرمى بها في وجوههم، فتنحّوا، وأجلوا عن قتلى وجراحات. وأمسى القوم.
فانصرف التّرك وأحرق العرب القنطرة.
وجاءهم خسرو بن يزدجرد في ثلاثين رجلا. فقال:
« يا معشر العرب، لم تقتلون أنفسكم وأنا الّذى جئت بخاقان ليردّ عليّ مملكة آبائى؟ وأنا آخذ لكم الأمان. » فشتموه، فانصرف.
فجاءهم بازغرى في مائتين، وكان داهية، من وراء النّهر، وكان خاقان لا يخالفه، ومعه رجلان من قرابة خاقان، ومعه أفراس من رابطة أشرس، فقال:
« آمنونا حتى ندنو منكم، وأعرض عليكم ما أرسلنى به إليكم خاقان. » فآمنوه، فدنا من المدينة، فأشرفوا عليه، ومعه أسرى من العرب، وقال بازغرى:
« يا معشر العرب، احدروا إليّ رجلا منكم أكلّمه برسالة خاقان. » فحدروا حبيبا مولى مهرة من أهل درقتين، فكلّموه، فلم يفهم. فقال:
« احدروا إليّ رجلا يعقل عني. » فحدروا يزيد بن سعيد الهلالي، وكان يشدو شيئا من التركية. فقال له:
« هذه خيل الرّابطة، ووجوه العرب، معه أسرى. » وقال لهم:
« إنّ خاقان أرسلنى إليكم وهو يقول لكم: إني أجعل من كان عطاءه منكم ثلاثمائة، ستّمائة، ومن كان عطاؤه ستّمائة أجعله ألفا، وهو مجمع بعد هذا على الإحسان إليكم. » فقال له يزيد:
« هذا أمر لا يلتئم، كيف يكون العرب وهم ذئاب، مع التّرك وهم شاء لا يكون بيننا وبينهم صلح. » فغضب بازغرى.
فقال التّركيان اللذان معه: