









« إنكم معشر العرب أربعة جوانب، فليس يغيث بعضكم بعضا، كلّ ربع لا يقدر أن يزول عن مكانه مقدّمة وهم: القلب ومجنّبتان وساقة، فإن جمع خاقان خيله ورجاله، ثم صدم جانبا منكم وهم ساقه كان بواركم، وبالحريّ أن يفعل، وأنا أتوقّع ذلك في يومي، فشدّوا السّاقة بخيل. » فوجّه الجنيد بخيل بنى تميم والمجفّفة، وجاءت التّرك، فمالت على السّاقة وقد دنا المسلمون من الطّواويس، فاقتتلوا واشتدّ الأمر بينهم، فحمل سلم بن أحوز على عظيم من عظماء التّرك، فقتله، فتطيّر التّرك وانصرفوا من الطّواويس، ومضى المسلمون فأتوا بخارى يوم المهرجان، فتلقّاهم أهل بخارى بالدّراهم البخاريّة، ففرّق فيهم عشرة عشرة.
وكان الجنيد يذكر خالد بن عبد الله ويقع فيه ويقول:
« ربذة بن الرّبذ، صنبور بن صنبور، قلّ بن قلّ، هيفة بن الهيف. » وقدمت الجنود على الجنيد مع عمرو بن مسلم الباهلي في أهل البصرة، ومع عبد الرّحمن بن نعيم الغامدى في أهل الكوفة وهو بالصّغانيان، وابتدأ الشّعراء يمدحون نصر بن سيّار ويذكرون بلاءه، ويذمّون الجنيد، فتركنا ذكرها.
ودخلت سنة ثلاث عشرة ومائة
وفي هذه السّنة هلك عبد الوهّاب بن بخت وهو مع البطّال بأرض الرّوم.
غزا معه في هذه السّنة، فانهزم النّاس عن البطّال، فانكشفوا، فجعل عبد الوهّاب يكرّ فرسه ويقول:
« ما رأيت فرسا أجبن منه، سفك الله دمى إن لم أسفك دمك. » ثم ألقى البيضة عن رأسه وصاح:
« أنا عبد الوهّاب بن بخت، إلى أين أيّها النّاس؟ أمن الجنّة تفرّون؟ » ثم تقدّم في نحور العدوّ، فمرّ برجل وهو يقول:
« وا عطشاه! » فقال:
« تقدّم، الرّيّ أمامك. » قال: فخالط القوم، وقتل وقتل فرسه.
وفي هذه السّنة صار من دعاة ولد العباس جماعة إلى خراسان، فأخذ الجنيد رجلا منهم، فقتله، ثم قال:
« من أصبت منهم فدمه هدر. »
ودخلت سنة أربع عشرة ومائة
وفيها ولى عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي خراسان، وتوفّى الجنيد قبل أن يصل إليها.
وكان سبب ولاية عاصم أنّ الجنيد تزوّج الفاضلة بنت يزيد بن المهلّب، فغضب هشام على الجنيد، وكان بين عاصم وبينه عداوة شديدة، فولّاه خراسان وقال:
« إن أدركته وبه رمق فأرهق نفسه. » وأنّما قال ذلك، لأنّ الجنيد كان قد استسقى بطنه، فمات الجنيد قبل وصول عاصم.
فقال أبو الجويرية:
هلك الجود والجنيد جميعا ** فعلى الجود والجنيد السّلام
أصبحا ثاويين في بطن مرو ** ما تغنّى على الغصون الحمام
كنتما نهزة الكرام، فلمّا ** متّ مات النّدى ومات الكرام
وفي هذه السّنة خلع الحارث بن سريج، وكانت الحرب بينه وبين عاصم بن عبد الله. وذلك أنّ عاصما لمّا قدم خراسان، أقبل الحارث بن سريج حتى قدم بلخ، وعليها نصر بن سيّار، والبختي بن ضبيعة المرّى ولّاهما الجنيد.
فلمّا انتهى إلى قنطرة عطاء، وهي على نهر بلخ على فرسخين من المدينة، تلقّاه نصر بن سيّار في عشرة آلاف، والحارث بن سريج في أربعة آلاف.
فدعاهما الحارث إلى الكتاب والسنّة والبيعة للرّضا.
فقال قطن بن عبد الرّحمن بن حرّ الباهلي:
« يا حارث، أنت تدعو إلى كتاب الله والسّنة. والله، لو أنّ جبرئيل عن يمينك وميكائيل عن يسارك، ما أجبتك. »
وقاتلهم، فأصابته رمية في عينه، فكان أوّل قتيل، وانهزم إلى المدينة أهل بلخ، واتّبعهم الحارث حتى دخلها وخرج نصر من باب آخر، فأمر الحارث بالكفّ عنهم، وخرج إلى الجوزجان، واستعمل على بلخ رجلا من ولد عبد الله بن خازم.
ثم استشار أصحابه في قصد مرو. فقال له أبو فاطمة:
« مرو بيضة خراسان، وفرسانهم كثير، لو لم يلقوك إلّا بعبدهم لانتصفوا منك، فأقم، فإن أتوك قاتلتهم، وإن أقاموا قطعت المادّة عنهم. » فعصاه وغيره وسار.
فقال أهل الدّين من مرو:
« إن مضى إلى أبرشهر ولم يأتنا فرّق جماعتنا، وإن أتانا نكب. » وبلغ عاصما أنّ أهل مرو يكاتبون الحارث، فأجمع على الخروج وقال:
« يا أهل خراسان، قد بايعتم الحارث بن سريج، وأنّه قصد بلخ والجوزجان والفارياب والطّالقان ومرو الرّوذ ففتحها، وليس يقصد مدينة إلّا خلّيتموها له. أنا لا حق بأرض قومي أبرشهر، وكاتب منها أمير إلى المؤمنين حتى يمدّنى بعشرين ألفا من أهل الشّام. » فقال له مجشّر بن مزاحم:
« إن أعطوك بيعتهم بالطّلاق والعتاق فأقم، وإن أبوا، فسر حتى تنزل أرض أبرشهر وتكاتب أمير المؤمنين. » فقال خالد بن هريم وهلال بن عليم:
« لا والله، لا نخلّيك والذّهاب، فيلزمنا ذنبك عند أمير المؤمنين، ونحن معك حتى نموت إن بذلت الأموال. » قال:
« فإني أفعل. » قال يزيد بن قران الرّياحى:
« إن لم أقاتل معك ما قاتلت، فبنت الأبرد بن قرّة الرّياحى طالق ثلاثا. » وكانت عنده. فقال عاصم:
« كلّكم على هذا؟ » قالوا:
« نعم. » وكان سلمة بن أبي عبد الله صاحب حرسه يحلّفهم بالطّلاق.
وأقبل الحارث بن سريج إلى مرو في جمع كثير يقال ستّون ألفا، ومعه فرسان الأزد وتميم وعدّة من الدّهاقين، وخرج عاصم في أهل مرو، وغيرهم، فعسكر عند البيعة وقال: فأعطى النّاس دينار دينارا، فخفّ عنهم النّاس، وأعطاهم ثلاثة دنانير ثلاثة دنانير. فلمّا قرب بعضهم من بعض، أمر بالقناطر فكسرت. فجاء أصحاب الحارث، فقالوا:
« تحصروننا في البرّيّة، دعونا نقطع إليكم فنناظركم في ما خرجنا له. » فأبوا عليهم. وذهبت رجّالتهم يصلحون القناطر، وأتاهم رجّالة مرو يقاتلونهم ويمنعونهم. فمال محمّد بن المثنّى برايته إلى عاصم، فلمّا فعل ذلك بدأ أصحاب الحارث بالحملة، والتقى النّاس، فقتل قوم وانهزم أصحاب الحارث، فغرق بشر كثير من أصحاب الحارث ومضت الدّهاقين إلى بلادهم. فأرسل عاصم بجماعة إلى الحارث يسأله ما يريد. فبعث الحارث إليه بمحمّد بن مسلم وحده، فرجع معهم، وقال لهم:
« إنّ الحارث وإخوته يقرأون عليكم السّلام ويقولون: قد عطشنا، فدعوا ننزل الليلة ونتناظر غدا، فإن اتّفقنا، وإلّا كنتم من وراء أمركم. » فأبوا عليه. فقال مقاتل بن حيّان:
« يا أهل خراسان، كنّا بمنزلة أهل بيت واحد، ثغرنا واحد، ويدنا على عدوّنا واحدة، وقد أنكرنا ما صنع صاحبكم. وجّه إليه أميرنا بجماعة الفقهاء والقرّاء من أصحابه، ووجّه [ هو ] رجلا واحدا. » قال محمّد:
« إنّما أتيتكم مبلغا، وسيأتيكم الّذى تطلبون غدا إن شاء الله. » وانصرف محمّد بن مسلم إلى الحارث.
وسار الحارث، فبلغ عاصما، فلمّا أصبح سار إليه، فالتقوا واقتتلوا، فهزم أصحاب الحارث وقتلوا قتلا ذريعا، وقطع الحارث وادي مرو، وضرب رواقا.
فكفّ عنه عاصم، ولو ألحّ في طلبه لأهلكه.
وكان الحارث قال لأصحابه:
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)