









« نصرتم وربّ الكعبة إن شاء الله. » ثلاث مرّات.
ثم نادى مناديه: « بريت الذّمّة من رجل حمل امرأة. » وسار، فلمّا كان عند قنطرة عطاء، قال لمسعود بن عمرو:
« أبغنى خمسين رجلا وراية أخلّفهم على هذه القنطرة، فلا يدع أحدا ممّن جازها أن يرجع. » وكان مسعود هذا يخلف الكرمانيّ بحضرته. فقال مسعود:
« من أين أجد خمسين رجلا؟ » فأمر به فصرع عن دابّته وضرب. ثم أمر بضرب عنقه. فتكلّم فيه قوم، فكفّ عنه.
وسار منزلا وأقام حتى أصبح، فقال له بعضهم:
« ليتمّ الأمير على المقام يومه حتى يتلاحق النّاس. »
فأمر بالرّحيل وقال:
« لا حاجة لنا في المتخلّفين. » ثم جعل على مقدّمته سالم بن منصور تفألا باسمه. فلقى ثلاثمائة من التّرك طليعة لخاقان. فأسر قائدهم وسبعة معه وهرب بقيّتهم، فأتى به أسدا، فبكى التّركيّ. فقال أسد:
« ما يبكيك؟ » فقال:
« لست أبكى لنفسي، وإنّما أبكى لهلاك خاقان. » قال:
« وكيف؟ » قال:
« لأنّه فرّق خيله في ما بينه وبين مرو. » وسار أسد حتى إذا شارف العين الحارّة استقبله بشر بن رزين، فقال:
« ما وراءك؟ » قال:
« إن لم تلحقنا غلبنا على مدينتنا. » فقال:
« قل للمقدام بن عبد الرّحمن يطاول نزّ رمحي. » وسار فنزل مدينة الجوزجان وقد استباحها خاقان. فأتاه المقدام بن عبد الرّحمن في مقاتلته وأهل الجوزجان، وانصرفت طلائع الخاقان إليه، فأخبرته أنّ رهجا ساطعا من قبل بلخ طلع.
فدعا خاقان الحارث فقال:
« ألم تزعم أنّ أسدا ليس به نهوض؟ وهذا رهج من ناحية بلخ. » فقال الحارث:
« هذا هو اللصّ الّذى كنت أخبرتك أنّه من أصحابي. » فبعث خاقان طليعة وقال:
« أنظروا هل ترون على الإبل سريرا وكراسيّ » فجاءته الطلائع، فأخبرته أنّهم عاينوها.
فقال خاقان:
« اللصوص لا يحملون الأسرّة والكراسيّ. هذا أسد قد أتاك. » فسار أسد غلوة، فلقيه سالم بن منصور فقال:
« أبشر أيّها الأمير، حزرتهم فلا يبلغون أربعة آلاف، وأرجو أن يكون عقيرة الله. » وسار أسد على تعبئة، ميمنة وميسرة وقلبا، وعبّى خاقان مثل ذلك وجعل على ميمنته الحارث بن سريج وأصحابه وملك السّغد وصاحب الشّاش وصاحب الختّل والتّرك كلّهم معه. فلمّا التقوا حمل الحارث ومن معه على الميسرة، وفيها ربيعة وأهل الشّام، فما ثبت له أحد، وانهزموا، فلم يردّهم شيء دون رواق أسد، ثم شدّت عليهم ميمنة أسد وهم الأزد وبنو تميم والجوزجان، فانهزم الحارث والأتراك، فحمل النّاس جميعا.
فقال أسد:
« اللهمّ إنّهم عصوني فانصرهم. »
وذهب التّرك عباديد لا يلوى بعضهم على، بعض، وتبعهم النّاس يقتلون من لحقوا منهم، حتى انتهوا إلى أغنامهم، فاستاقوا أكثر من خمسين ومائة ألف رأس، ودوابّ كثيرة، وأخذ خاقان غير طريق الجادّة في الجبل، والحارث بن سريج يحميه، وهاجت ريح الحرب الّتى تسمّى الهفّافة، فهزمهم الله تعالى.
فقال الجوزجان لعثمان بن عبد الله بن الشّخّير:
« إني أعلم ببلادي وطرقها، فهل لك في أمر فيه هلاك خاقان ولك فيه ذكر ما بقيت؟ فقال:
« وما هو؟ » قال:
« تتبعني. » قال:
« نعم. » فأخذ به طريقا يسمّى ورادك، فأشرفوا على طوقات خاقان وهم آمنون، فأمر خاقان بالكوسات فضربت ضربة الانصراف وقد شبّت الحرب، فلم يقدر التّرك على الانصراف ثم ضربت الثّانية، فلم يقدروا لاشتغالهم. فحمل ابن الشّخّير والجوزجان على الطوقات، ووليّ خاقان مدبرا، فحوى المسلمون عسكرهم، وتركوا قدورهم تغلى ونساءهم مع نساء العرب كنّ معهم، ووحل بخاقان دابّته، فحماه الحارث بن سريج، وأراد خصّى لخاقان أن يحمل امرأة خاقان، فأعجلوه عن ذلك، فطعنها بخنجر، فلحقوها وهي تتحرّك، فأخذوا خفّها وهو من لبود مضرّب، ووجد عسكر التّرك مشحونا من كلّ شيء من آنية الفضّة وصنّاجاتهم وأمتعتهم. وبعث أسد بجوارى التّرك إلى دهاقين خراسان، فاستنقذ من كان في أيديهم من المسلمين، وانصرف أسد إلى بلخ اليوم التّاسع من خروجه، فقال ابن السّجف المشاجعى:
لو سرت في الأرض تقيس الأرضا ** تقيس منها طولها والعرضا
لم تلق خيرا مرّة ونقضا ** من الأمير أسد وأمضى
أفضى إلينا الخير حين أفضى ** وجمع الشّمل وكان رفضا
ما فاته خاقان إلّا ركضا ** قد فضّ من جموعه ما فضّا
يا ابن سريج قد لقيت حمضا ** حمضا به يشفى صداع المرضى
وأصاب أسد أربعة آلاف درع، وكان أسد يوجّه النّاس في السّرايا، فكانوا لا يزالون يصيبون جماعة من التّرك.
ومضى خاقان إلى بلاده، فلمّا ورد سروشنه، تلّقاه خرّابغره جدّ كاوس أبي الأفشين باللعّابين، وأعدّ له هدايا عظيمة ودوّاب له ولجنده. وكان الّذى بينهما متباعدا، ولكنّه لمّا رجع منكوبا، أحبّ أن يتّخذ عنده يدا، فأتاه بكلّ ما يقدر عليه. فلمّا رجع خاقان إلى بلاده أخذ في الاستعداد للحرب ومحاصرة سمرقند. وحمل الحارث بن سريج وأصحابه على خمسة آلاف برذون، وفرّق في أصحابه مثلها.
ثم إنّه لاعب يومّا كورصول بالنّرد على خطر تدرجة، فقمر كورصول الرقشى، فطلب منه التدرجة، فقال أحدهما: أنثى، وقال الآخر: ذكر. وتأدّى التّنازع إلى أن رفع يده فضرب يد خاقان، فأوهنه، فحلف خاقان ليكسرنّ يد كورصول، فتنحّى كورصول من بين يديه، وجمع جمعا، ثم بيّت خاقان فقتله، وتفرّق عنه التّرك، فتركوه مجرّدا، حتى أتاه عظماء التّرك، ودفنوه، وصنع به ما يصنع بمثله، وتفرّقت التّرك في الغارات بعضها على بعض، وانحاز بعضهم إلى الشّاش. فعند ذلك طمع أهل السّغد في الرّجعة إليها، فلم يسلم من خيل التّرك الّتى تفرّقت في الغارات إلّا زرابر الكسّى، فإنّه سلم حين صار إلى طخارستان.
ذكر اتفاق حسن اتفق لمقاتل بن حيان من غير قصد منه
كان أسد بعث من مدينة بلخ رجلا يعرف بسيف بن وصّاف إلى هشام يخبره بما أظلّه من الخطب العظيم، ويستمدّه. فلمّا وصل إليه أخبره، فلم يصدّقه هشام، وقال لحاجبه:
« ويحك، إنّ هذا الشيخ قد أتانا بالطّامّة الكبرى إن كان صادقا، ولا أظنّه صادقا، اذهب به، فغدّه، ثم سله، وأتنى بما يقول. » ففعل، ثم سأله فأخبره بما أخبر به هشاما، فدخل عليه أمر عظيم، وصرفه.
ثم دعاه بعد أيّام بسيرة، وقال له:
« من القاسم بن بخيت منكم؟ » قال:
« ذاك، صاحب العسكر. » قال:
« فإنّه قد أقبل. » قال:
« فإن كان قد أقبل، فقد فتح الله عز وجل على أمير المؤمنين. » وكان أسد وجّهه حين فتح عليه، فأقبل القاسم بن بخيت، فكبّر على الباب، ثم دخل يكبّر وهشام يكبّر معه حتى انتهى إليه. فقال:
« الفتح يا أمير المؤمنين. »
وأخبره الخبر. فنزل هشام عن سريره، فسجد سجدة الشّكر، وهي واحدة عندهم. فحسدت القيسيّة أسدا وخالدا، وقالوا لهشام:
« اكتب إلى خالد فليأمر أخاه أن يوجّه مقاتل بن حيّان. » فكتب إليه، فدعا أسد مقاتل بن حيّان على رؤوس النّاس وقال له:
« سر إلى أمير المؤمنين، فأخبره بما عاينت، وقل الحقّ، وأنت لا تقول غير الحق إن شاء الله، وخذ من بيت المال حاجتك. » فقال النّاس:
« إنّه لا يأخذ شيئا، أعطه من المال كذا وكذا، ومن الكسوة كذا. » وجهّزه. فسار حتى قدم على هشام وهو والأبرش جالسان. فسأله، فقال:
كان من أمرنا كيت وكيت. إلى أن قال:
« قصدنا خاقان، فساق من الذّراريّ وأهل البلدان بعد أن قاتلناه كذا يوما، ثم واقعناه وهو لا ينتظر، فحملوا على ميسرتنا فكشفوهم، ثم حملت ميمنتنا فهزمناهم، ثم تبعناهم حتى استبحنا عسكر خاقان بما فيه من النّساء والذّراريّ والآلات. » وكان هشام متكئا، فاستوى جالسا عند ذكر خاقان، وقال ثلاثا:
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)