قال سليمان: فقدمت عليه، فقال لي:
« من أنت؟ » قلت:
« شاكري خليفة كاتب الأمير. » فقال:
« أدخلوه الخزائن ليرى ما أعددناه. » قال: فأدخلت خزائنه، فقلت في نفسي يا سليمان، شمت بك حسّادك، ليس هذا إلّا لكراهية الصّلح، وسأنصرف بخفّى حنين. قال: فرجعت إليه فقال لي:
« كيف رأيت الطّرق في ما بيننا وبينكم؟ » قلت:
« سهلا كثير الماء والرّعى. » فقال:
« ما علمك؟ » قلت:
« غزوت غرشستان، والختّل وطبرستان. فكيف لا اعلم؟ » قال:
« فكيف رأيت ما أعددنا؟ » قلت:
« رأيت عدّة حسنة ولكني أعلم أنّ صاحب الحصار لا يسلم من خصال. » قال:
« وما هنّ؟ » قلت:
« لا يأمن أقرب النّاس إليه وأحبّهم له وأوثقهم في نفسه أن يثب عليه، ويتقرّب به، أو يفنى ما جمع بطول المدّة، فيسلّم، برمّته، أو تصيبه الأدواء الّتى لا يجد أدويتها ومعالجها فيموت. » فقطب وقال لي:
« انصرف إلى منزلك. » فانصرفت وأنا لا أشكّ في تركه الصّلح.
فدعاني بعد يومين، فحملت كتاب الصّلح ومعي غلامي، وقلت له:
« إن أتاك رسولي فطلب الكتاب فقل: إني خلّفته في منزلي. »
فدخلت إليه. فسألنى عن الكتاب، فقلت:
« خلّفته في منزلي. » فبعثت إلى الغلام أن اذهب فجئنى بالكتاب، وقبل الصّلح وأحسن جائزتي، وسرّح معي أمّه وكانت صاحبة أمره ومدبّرته. فلمّا قدمت على نصر قال:
« مثلك ما قال الأوّل: أرسل حكيما ولا توصه. »
ودخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة

وفي هذه السنة سعى يوسف بن عمر للحكم بن أبي الصّلت في ضمّ خراسان إلى عمله وعزل نصر بن سيّار
وذلك أنّ أيّام نصر طالت بخراسان ودانت له، فحسده يوسف فكتب إلى هشام يسأله أن يضمّها إلى العراق، ليعمرها ويستغرز دخلها. وأنفذ إليه الحكم بن أبي الصّلت وقال:
« هو لبيب وله نصيحة ومودّة لأمير لمؤمنين، وقد كان مع الجنيد، وولى جسام أعمالها. وقد سرّحته إلى باب أمير المؤمنين ليراه. » فلمّا أتاه وقرأ كتاب يوسف بعث إلى دار الضّيافة، فوجد فيها مقاتل بن علي السّغدى، فأتوه به، فقال:
« ابن خراسان أنت؟ » قال:
« نعم، وأنا صاحب الترّك. » وكان قدم على هشام بخمسين ومائة من التّرك. فقال:
« هل تعرف الحكم بن أبي الصّلت؟ » قال:
« نعم. » قال:
« فما ولى بخراسان؟ » قال:
« ولى قرية يقال لها: الفاراب، خراجها سبعون ألفا، فأسره الحارث بن سريج. » قال:
« ويحك! فكيف أفلت من يده؟ » قال:
« عرك أذنه وقفده وخلّى سبيله. » فلمّا قدم الحكم عليه وشاهده رأى جمالا وبيانا. فكتب إلى يوسف:
« إنّ الحكم قدم، وهو على ما وصفت وفي ما قبلك سعة، فخلّ الكنانيّ وعمله. » ثم أوفد نصر بن سيّار مغراء بن أحمر إلى العراق لمّا غزا فرغانة غزوته الثّانية.
فقال له يوسف بن عمر:
« يا مغراء، أيغلبكم ابن الأقطع على سلطانكم معشر قيس! » فقال:
« قد كان ذلك أصلح الله الأمير. » قال:
« فإذا قدمت على أمير المؤمنين فابقر بطنه. » فلمّا قدموا على هشام وسألهم عن أمور خراسان، تكلّم مغراء، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر يوسف بن عمر بخير. فقال:
« ويحك، أخبرني عن خراسان. » فقال:
« يا أمير المؤمنين، ليس لك جند أعدّت ولا أحدّ منهم، من سرادق في السّماء وقراسية مثل الفيل، وعدة وعدد من قوم ليس لهم قائد. » قال:
« ويحك، فما فعل الكناني؟ » قال:
« لا يعرف ولده من الكبر. » فردّ هشام عليه مقالته، وبعث إلى دار الضيافة، فأتى بشبيل بن عبد الرّحمن المازني.
فقال له هشام:
« أخبرني عن نصر. » قال:
« ليس بالشيخ يخشى خرفه ولا الشابّ يخشى سفهه، المحرب المجرّب، قد ولى عامّة ثغور خراسان وحروبها قبل ولايته. » فكتب إلى يوسف بذلك. فوضع يوسف الأرصاد. فلمّا انتهوا إلى الموصل تركوا طريق البريد، وقد بلغ نصرا قول شبيل، وكان إبراهيم بن يسّار في الوفد، فمكر به يوسف ونعى إليه نصرا، وأخبره أنّه قد ولّى الحكم بن أبي الصلت خراسان. ففسّر له أمر خراسان كلّه، حتى قدم إبراهيم بن زياد رسول نصر، فعرف أنّ يوسف قد مكر به، وقال:
« أهلكنى يوسف، أهلكه الله. » وكان بعد ذلك إذا ذكر انسان نصرا بين يدي هشام، قال:
« معلّم وهذا من جهة يوسف. » ويقال: إنّ مغراء لمّا كلّفه يوسف الوقيعة في نصر، قال له مغراء:
« كيف أعيب نصرا مع بلائه وآثاره الجميلة عندي وعند قومي. » فلم يزل به حتى قال:
« فبأيّ شيء أعيبه؟ أعيبه تجربته، أو طاعته، أمّ يمن نقيبته، أم حسن سياسته؟ » قال:
« بواحدة من هذه. عبه بالكبر. » فلمّا قدم مغراء وكان منه ما كان، قال ليوسف:
« قد علمت بلاء نصر عندي، وقد صنعت به ما قد علمت. فليس لي في صحبته خير، ولا لي بخراسان مقام. » فأمره بالمقام. وكتب إلى نصر:
« إني قد حوّلت اسمه، فأشخص إليّ من كان قبلك من أهله. »
ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة

ولم يجر على ما بلغنا، فيها ما تستفاد منه تجربة.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة

وفاة هشام بن عبد الملك