فقال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية:
« يا أمير المؤمنين سر حتى تنزل حمص فإنّها حصينة ووجّه الجنود إلى يزيد فإنّه يقتل أو يؤسر. » فقال عبد الله بن عنبسة بن سعد بن العاص:
« ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل ويعذر، والله مؤيّد أمير المؤمنين وناصره. » فقال يزيد بن خالد:
« وما ذا تخاف على حرمه؟ » وإنّما أتاه عبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك وهو ابن عمّهنّ. فأخذ بقول ابن عنبسة.
فقال له الأبرش:
« يا أمير المؤمنين تدمر حصينة وبها قومي يمنعونك. » فقال:
« أهلها بنو عامر وهم الذين خرجوا عليّ ولكن دلّنى على منزل حصين. » قال:
« أنزل القرية. » قال « أكرهها. » قال:
« فهذا الهريم قال:
« أكره اسمه. » قال:
« فهذا البخراء قصر النعمان بن بشير. » قال:
« ويحك ما أقبح أسماء مياهكم. » وأقبل في طريق السماوة فقال له بيهس بن زميل:
« أمّا إذ أبيت أن تمضى إلى حمص وتدمر فهذا الحصن البخراء وهو حصين وهو من بناء العجم فأنزله. » فنزله.
وندب يزيد بن الوليد الناس إلى الوليد ونادى مناديه:
« من سار فله ألفان. » فانتدب ألفا رجل فأعطاهم ألفين ألفين وقال: موعدكم بذنبة وسار فوافاه بذنبة ألف ومائتان ثم سار، فتلقاهم ثقل الوليد فأخذوه ونزلوا قريبا من الوليد وأرسل العبّاس إلى الوليد:
« إني آتيك، فاختر بين أن آتيك، أو آتى يزيد فأكفّه. »
فاتهمه وقال:
« بل ائتني. » فبلغ عبد العزيز مسير العبّاس بن الوليد فأرسل إليه منصور بن جمهور في خيل وقال:
« إنّكم ستلقون العبّاس بن الوليد في الشّعب ومعه بنوه فخذوهم وجيئوني بهم. » فخرج منصور في خيل فلمّا صاروا في الشّعب إذا هم بالعبّاس في ثلاثين من أهل بيته.
فقالوا له:
« اعدل إلى عبد العزيز. » فشتمهم. فقال له منصور:
« والله لئن تقدّمت لأنفذنّ حصينك. » « ويقال بل الذي لقيه، يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم وقال له:
« والله لئن أبيت لأضربنّ ما فيه عيناك. » ولم يكن مع العبّاس أصحابه، لأنّه تقدّمهم وكان معه بنوه فقال:
« إنّا لله. » وأتوا به عبد العزيز. فقال:
« بايع لأخيك يزيد بن الوليد. » فبايع.
وكان عبد العزيز قد أخرج أصحابه وعبّأهم فقاتل أصحاب الوليد وقد قتل من أصحابه جماعة. وحملت رؤوسهم إلى الوليد والوليد على باب البخراء جالس ينتظر العبّاس فلمّا بايع الناس على الكره وعلى سبيل المكر به، قال:
« إنّا لله، خدعة من خدع الشيطان هلك بنو مروان ونصب عبد العزيز راية. » وقالوا:
« هذه راية العبّاس بن الوليد وقد بايع لأمير المؤمنين يزيد. » فتفرّق الناس عن الوليد، ودخلوا في الأمان إلى عبد العزيز والعبّاس.
وظاهر الوليد بين درعين، وأتوه بفرسين: السندي والذائد. فقاتلهم، فناداهم رجل:
« اقتلوا عدوّ الله قتلة قوم لوط، ارموه بالحجارة. » فلمّا سمع ذلك دخل القصر وتبعه الناس يطلبونه. فدنا الوليد من الباب.
فقال:
« أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلّمه؟ » فقال له يزيد بن عنبسة السّكسكيّ:
« كلّمنى. » قال:
« من أنت؟ » قال:
« يزيد بن عنبسة. » قال:
« يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم، ألم أرفع المؤن عنكم، ألم أعط فقراءكم، ألم أخدم زمناكم؟ » « فأجابه وقال:
« ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرّم الله، وشرب الخمر، ونكاح أمّهات أولاد أبيك، واستخفافك بالدين. » قال:
« حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت. فإنّ فيما أحلّ الله لسعة عمّا ذكرت وو الله لا اجتمعت كلمتكم بعدي. » ورجع إلى القصر. وأخذ مصحفا فنشره وجلس يقرأ. وقال:
« يوم كيوم عثمان. » وكان أول من علا الحائط يزيد بن عنبسة. فتحدّث المثنى بن معاوية قال:
دخلت القصر فإذا الوليد قائم في قميص قصب وسروايل وشى ومعه سيف في غمد والناس يشتمونه. ثم كثر الناس عليه وتعاوروه بأسيافهم فقتل.
رأس الوليد وما فعل به

وكان جعل يزيد بن الوليد في رأس الوليد مائة ألف فانتهب الناس عسكر الوليد وخزائنه وأمر يزيد بنصب الرأس على رمح وطيف به في مدينة دمشق ثم قال:
« ادفعوه إلى سليمان أخي الوليد. » وكان سليمان أخو الوليد ممّن سعى على أخيه. فغسل الرأس ووضع في سفط وأتى به سليمان فنظر إليه ثم قال:
« بعدا له وسحقا أشهد أنّه كان شروبا للخمر فاسقا ماجنا ولقد أرادنى الفاسق على نفسي. » فخرج حامل الرأس وهو ابن فروة من الدار فتلقّته مولاة للوليد. فقال لها:
« ويحك ما أشدّ ما شتمه زعم أنّه أراده على نفسه. » قالت:
« كذب الخبيث ولئن كان أراده على نفسه لقد فعل. ما كان ليقدر على الامتناع منه. »
هرب المغنين

وكان مع الوليد مالك بن أبي السمح المغنّى وعمر الوادي. فلمّا تفرّق الوليد عن أصحابه وحصر قال مالك لعمر:
« اذهب بنا. » فقال عمر:
« ليس هذا من الوفاء ونحن لا يعرض لنا لأنّا لسنا ممّن يقاتل. » فقال مالك:
« ويلك والله لئن ظفروا بنا لا يقتل قبلي وقبلك أحد فيوضع رأسه بين رأسينا ويقال للناس: انظروا من كان معه في هذه الحال فلا يعيبونه بشيء أشدّ من هذا. » فهربا، وكان معهما أبو كامل العزيل المغنّى، وكان سبقهما إلى الهرب.
من صفات الوليد

وكان قتل الوليد يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ستّ وعشرين ومائة وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر وكان له من السنين نيّف وأربعون سنة وقد اختلف في النيّف. وكان شديد البطش طويل أصابع الرجلين وكان يوتد له سكة حديد فيها خيط قوى فيشدّ الخيط في رجله ثم يثب على الدّابّة فينتزع السكّة ويركب ما يمسّ الدابّة بيده.
وكان شاعرا شروبا للخمر، أحصى عليه في ليلة سبعون قدحا، وكان صاحب صيد، ولمّا أفضت إليه الخلافة انهمك وأولع بالصيد، وكره الجلوس للناس وحجبهم وفعل تلك الأمور التي زادته بغضا إلى الناس حتى قتل ولم يتمتّع بملكه.