« كأنّى بالرجل منكم قد قام إلى أخيه وابن عمّه، فلطم وجهه في حمل يهدى له، وثوب يكساه، ويقول مولاي وظئرى فأذلّوا هذه السفلة، وكأنّى بهم قد نبغ الشر من تحت أرجلهم. وكأنّى بكم مطرّحين في الأسواق كالجزر المنحورة، إنّه لم تطل ولاية رجل قطّ إلّا ملّوه. وأنتم يا أهل خراسان مسلحة في نحر العدوّ، فإيّاكم أن يختلف فيكم سيفان. » فقال الكرماني:
« أنتم في فتنة، فانظروا لأموركم رجلا. » وإنّما سمّى الكرمانيّ لأنّه ولد بكرمان واسمه جديع بن عليّ بن شبيب المعنيّ. فقالوا: « أنت لنا. » فاجتمعت المضريّة إلى نصر وقالوا له:
« إنّ الكرمانيّ يفسد الناس عليك، فأرسل إليه فاقتله أو فاحبسه. » فقال: « لا، ولكنّ لي ولدا ذكورا وإناثا، وله ولد فأزوّج بنيّ ببناته، وبنيه ببناتى. » قالوا: « ليس ينفع ذلك شيئا. » « فابعث إليه بمائة ألف فإنّه بخيل ولا يعطى أصحابه شيئا ويعلمون بها فيتفرّقون عنه. » قالوا: « لا، هذه تصير قوّة له. » قال: « فدعوه على حاله يتّقينا ونتّقيه. »
قالوا: « لا. » وبلغ نصر بأنّ الكرمانيّ يقول: كانت غايتي في طاعة بنى مروان أن يتقلّد ولدي السيوف فأطلب بثأر بنى المهلّب معما لقينا من نصر وجفائه وطول حرمانه ومكافأته إيّانا بما كان من صنيع أسد إليه.
فقال عصمة بن عبد الله الأسدى لنصر:
« إنّها بدئ فتنة، فتجنّ عليه، واحبسه، وأظهر أنّه مخالف، ثم اضرب عنقه، وعنق سباع بن النعمان الأزدي، والفرافصة بن ظهير البكريّ، فانّه لم يزل غضبان على الله، عز وجل، بتفضيله مضر على ربيعة. » وكثر على نصر الكلام في أمر الكرمانيّ، حتى قال له أصرم بن قبيصة:
لو أنّ جديعا لم يقدر على السلطان والملك إلّا بالنصرانيّة واليهوديّة، لتنصّر أو لتهوّد. » وكان نصر والكرماني متصافين وكان الكرماني أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله، فلمّا ولى نصر خراسان عزل الكرماني عن الرئاسة، وصيّرها لحرب بن عامر الواشجى. ثم مات حرب، فأعاد الكرمانيّ عليها، ولم يلبث إلّا يسيرا حتى عزله وصيّرها لجميل بن النعمان، فتباعد ما بين نصر والكرمانيّ، فحبس نصر الكرمانيّ في القهندز، وكان على القهندز مقاتل بن عليّ المرّى ولمّا همّ نصر بحبس الكرمانيّ تكلّم قوم فخاف نصر الفتنة لأنّ الأزد تعصّب له فقال نصر:
« أحلف بالله أنّى أحبسه ثم لا ينداه مني مكروه فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه. » فاختاروا يزيد النحوي وكان معه في القهندز وصيّر حرسه بنى ناجية.
فبيناهم كذلك إذا جاءهم رجل من أهل نسف فقال لغلام الكرمانيّ، يقال له جعفر:
« ما تجعلون لي إن أنا أخرجته؟ » قالوا:
« لك ما سألت ».
فأتى مجرى الماء في القهندز، فدخله ووسّعه، وأتى ولد الكرماني وقال لهم:
« أكتبوا إلى أبيكم يستعدّ للخروج الليلة. » فكتبوا إليه وأدخلوا الكتاب مع الطعام فدعا الكرمانيّ يزيد النحويّ وحصين بن حكيم، فتعشّيا معه وخرجا. ودخل الكرمانيّ السرب، وأخذوا بضبعه فيقال: إنّه انطوت على بطنه حيّة فلم تضرّه، وانتهى إلى موضع ضيق فسحبوه فسحج منكبه وجنبه، ثم خرج.
وكان الكرمانيّ أرسل إلى محمّد بن المثنّى وعبد الملك بن حرملة: « إني خارج الليلة فاجتمعوا بعلطان. » « فتوافوا على باب الرّيان بن سنان اليحمدي بنوس في المرج، وكان مصلّاهم في العيد، وخرج إليهم الناس من قراهم، فصلى بهم الغداة وهم زهاء ألف رجل. فما ترجّلت الشمس حتى صاروا ثلاثة آلاف، فسار وأتاهم أهل السقاذم فأتوا حوزان.
وكان الأزد اجتمعوا إلى عبد الملك بن حرملة فبايعوه على الكتاب والسنة قبل خروج الكرمانيّ بليلة. فلمّا اجتمعوا في مرج نوس أقيمت الصلاة فاختلف عبد الملك والكرمانيّ في التقدّم ساعة، ثم قدّمه عبد الملك وصيّر الأمر له، فصلّى بهم الكرمانيّ.
ولمّا أتى نصرا هرب الكرمانيّ استخلف عصمة بن عبد الله الأسدى، وخرج إلى القناطر الخمس بباب مرو الرود وخطب الناس، فنال من الكرمانيّ، وذكره بالقبيح، ثم ذكر الأزد فقال:
« إن يستوسقوا فأذلّ قوم وإن يأبوا فهم كما قال الأخطل:
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ** فدلّ عليها صوتها حيّة البحر. »
ثم ندم على ما فرط منه فقال:
« اذكروا الله فإنّ ذكر الله شفا، ذكر الله خير لا شرّ فيه، ذكر الله براءة من النفاق. » واجتمع إلى نصر بشر كثير فوجّه سلم بن أحوز إلى الكرمانيّ في المجفّفة وهم خلق كثير فسفر الناس بين نصر والكرمانيّ وسألوا نصرا أن يؤمنه ولا يحبسه. وضمن قومه ألّا يخالفه وأتاه القاسم بن بخيت فكلّمه فيه فآمنه وقال له:
« إنّ شئت خرج لك عن خراسان وإن شئت أقام في داره. » وكان رأى نصر إخراجه فقال له سلم:
« إن أخرجته نوّهت باسمه وقال الناس: أخرجه إنّه هابه. » فقال نصر:
« إنّ الذي أتخوّفه منه إذا خرج أيسر ممّا أتخوّفه منه إذا أقام والرجل إذا نفى عن بلده صغر أمره. » فأبوا عليه، فكفّ عنه وأعطى من كان معه عشرة عشرة.
وأتى الكرمانيّ نصرا، فدخل سرادقه فآمنه ولحق عبد العزيز بن عبد ربّه بالحارث بن سريج وهو بالترك. وأتى نصرا عزل منصور بن جمهور وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز. فخطب الناس وذكر ابن جمهور بسوء وقال:
« قد علمت أنّه لم يكن من عمّال العراق وقد عزله الله واستعمل الطّيب بن الطيّب. » فغضب الكرمانيّ لابن جمهور فعاد في جمع الرجال واتخاذ السلاح، وكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمائة وأكثر وأقلّ، فيصلّى خارجا من المقصورة ثم يدخل على نصر، فيسلّم عليه ولا يجلس. ثم ترك إتيان نصر وأظهر الخلاف. فأرسل إليه نصر سلم بن أحوز وقال:
« إني والله ما أردت بك في حبسك سوءا، ولكني خفت أن تفسد أمر الناس فأتنى. » فقال الكرمانيّ لسلم:
« لو لا أنّك في منزلي لقتلتك، ولو لا ما أعرف من حمقك لأحسنت أدبك.
فارجع إلى ابن الأقطع فأعلمه ما شئت من خير وشر. » فرجع إلى نصر فأخبره. قال:
« عد إليه. » قال:
« لا وما بي هيبة له، ولكن [ أكره ] أن يسمعني فيك ما أكره. » فبعث إليه عصمة بن عبد الله الأسديّ فقال:
« يا با عليّ، إني أخاف عليك خصالا فانطلق إلى أميرك يعرضها عليك وما يريد بذلك إلّا الإعذار إليك. » فقال الكرمانيّ:
« إني أعلم أنّ نصرا لم يقل هذا لك ولكنّك أردت أن يبلغه فتحظى، والله لا أكلّمك كلمة بعد انقضاء كلامي حتى ترجع إلى أميرك فيرسل من أحبّ غيرك. » فرجع عصمة فقال:
« ما رأيت علجا أعدى لطوره من الكرمانيّ، وما أعجب منه ولكني أعجب من يحيى بن حصين وأصحابه لعنهم الله والله لهم أشدّ تعظيما له من أصحابه. » فقال سلم بن أحوز لنصر:
« إني أخاف فساد هذا الثغر والناس. » فأرسل إليه قديدا فقال نصر لقديد بن منيع:
« انطلق إليه. » فأتاه فقال:
« يا با عليّ قد لحجت وأخاف أن يتفاقم الأمر فنهلك جميعا وتشمت بنا هذه الأعاجم. » قال:
« يا قديد، إني لا أتّهمك، وقد جاء من لا أثق معه بنصر. وقد قال رسول الله : البكريّ أخوك ولا تثق به. » قال:
« أما وقد وقع هذا في نفسك فأعطه رهنا. » قال:
« أعطيه عليّا وعثمان فمن يعطيني ولا خير فيه؟ » فقال:
« يا با عليّ نشدتك الله أن يكون خراب هذه البلدة على يديك. » ورجع إلى نصر. فقال نصر لعقيل بن معقل الليثي:
« ما أخوفنى أن يقع بهذا الثغر بلاء فكلّم ابن عمّك. » فقال عقيل لنصر:
« أيّها الأمير. أنشدك الله أن تشأم عشيرتك. إنّ مروان بالشام تقاتله الخوارج والناس في فتنة، والأزد أخفّاء سفهاء، وهم جيرانك. » قال:
« فما أصنع إن علمت أمرا يصلح الناس فدونك وقد زعم أنّه لا يثق بي. » قال: فأتى عقيل الكرمانيّ فقال:
« يا با عليّ قد سننت للسفهاء سنّة تطلب بعدك من الأمراء. إني أرى أمرا أخاف أن تذهب فيه العقول. » قال الكرمانيّ:
« إنّ نصرا يريد أن آتيه ولا آمنه، وأريد أن يعتزل ونعتزل، ونختار رجلا من بكر بن وائل نرضاه جميعا، فيلي أمرنا حتى يأتى أمر الخليفة وهو يأبى هذا. » قال:
« يا با عليّ إني أخاف أن يهلك أهل هذا الثغر فأت أميرك وقل ما شئت تجب إليه ولا تطمع سفهاء قومك فيما دخلوا فيه. » فقال الكرمانيّ:
« إني لا أتّهمك في نصيحة ولا عقل ولكني لا أثق بنصر، فليحمل من المال ما شاء وليشخص. » قال:
« فهل لك في أمر يجمع الأمر بينكما، تتزوّج إليه ويتزوّج إليك؟. » قال:
« لا آمنه على حال. » قال: