









بأنّى قد ظلمت وصار قومي ** على قتل الوليد متابعينا
أ يذهب كلبهم بدمى ومالي ** فلا غثّا أصبت ولا سمينا
ومروان بأرض بنى نزار ** كليث الغاب مفترشا عرينا
ألم يحزنك قتل فتى قريش ** وشقّهم عصا للمسلمينا
ألا فاقرا السّلام على قريش ** وقيس بالجزيرة أجمعينا
وسار الناقص القدريّ فينا ** وألقى الحرب بين بنى أبينا
فلو شهد الفوارس من سليم ** وكعب، لم أكن لهم رهينا
ولو شهدت ليوث بنى تميم ** لما بعنا تراث بنى أبينا
أ ينكث بيعتي من أجل أمي ** فقد بايعتم بعدي هجينا
فليت خؤولتى في غير كلب ** وكانت في ولادة آخرينا
فإن أهلك أنا ووليّى عهدي ** فمروان أمير المؤمنينا
ثم قال:
« ابسط يدك أبايعك. » وسمعه من تبع مروان من أهل الشام. فكان أوّل من نهض معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير، وتبعه الناس فبايعوه. فلمّا استوت لمروان بن محمّد الشام انصرف إلى منزله من حرّان وطلب منه الأمان إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فآمنهما. فقدم عليه سليمان وكان يتذمّر في إخوته وأهل بيته ومواليه فبايعوا مروان.
وفي هذه السنة انتقض على مروان أهل حمص وسائر أهل الشام.
ذكر السبب في ذلك
كان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم، كان يراسلهم، ويكاتبهم ومروان بحماة ليس بينه وبين مدينة حمص إلّا ثلاثون ميلا. فأتاه خبرهم صبيحة الفطر، فجدّ في السير، ومعه يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع وسليمان بن هشام. كان آمنهما وكان يكرمهما ويجلسان معه على غدائه وعشائه ويسيران معه في موكبه. فانتهى إلى مدينة حمص بعد الفطر بيومين وقد ردم القوم أبوابها من داخل، فأحدقت خيله بالمدينة ووقف حذاء باب منها، فأشرفت عليه جماعة من الحائط. فناداهم مناديه:
« ما دعاكم إلى النكث؟ » قالوا:
« فإنّا على طاعتك لم ننكث. » فقال لهم:
« إن كنتم على ما تذكرون فافتحوا. » ففتحوا له الباب فاقتحم عمرو بن الوضّاح في الوضّاحية وهم نحو من ثلاثة آلاف. فقاتلوهم داخل المدينة. ثم كثرتهم خيل مروان، فخرجوا من باب من أبواب المدينة فقاتلهم داخل المدينة من كان عليه، فقتل عامّتهم وأسر منهم قوم، فأتى بهم مروان فقتلهم. ثم أمر بجمع قتلاهم وهم خمسمائة أو ستّمائة فصلبوا حول المدينة وهدم من حائط مدينتها نحو غلوة، وثار أهل الغوطة إلى مدينة دمشق فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو، وولّوا عليهم يزيد بن خالد القسريّ.
وثبت زامل مع أهل المدينة، فوجّه إليهم مروان بن حمص أبا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحارث وعمرو بن الوضّاح في عشرة آلاف. فلمّا دنوا من المدينة حملوا عليهم وخرج من في المدينة فحملوا عليهم فهزموهم واستباحوا عساكرهم ولجأ يزيد بن خالد وأبو علاقة إلى رجل من لخم من أهل مزّة فدلّ عليهما زامل فأرسل إليهما فقتلا وبعث برأسيهما إلى مروان بحمص.
وخرج ثابت بن نعيم في أهل فلسطين حتى أتى طبرية، فحاصر أهلها فقاتلوه أيّاما. وكتب مروان إلى أبن الورد أن يشخص إليهم، ورحل من حمص إلى دمشق بعد أيّام. فلمّا بلغهم دنوّه خرجوا من المدينة على ثابت ومن معه، فاستباحوا عسكرهم وانصرف ثابت منهزما إلى فلسطين. فجمع قومه وجنده ومضى إليه أبو الورد، فهزمه ثانية وتفرّق من معه، وأسر ثلاثة من ولده وهم نعيم وبكر وعمران. فبعث بهم إلى مروان، فقدم بهم عليهم وهو بدير أيّوب جرحى، فأمر بمداواتهم.
وتغيّب ثابت وأفلت من ولده رفاعة بن ثابت وكان أخبثهم، فلحق بمنصور بن جمهور بالسند فأكرمه وولّاه وخلّفه مع أخ له يقال له منظور بن جمهور فوثب عليه فقتله فبلغ منصورا وهو متوجّه إلى الملتان وكان أخوه بالمنصورة فرجع إليه وظفر به فبنى له أسطوانة من آجرّ مجوّفة، وأدخله فيها وسمّره إليها وبنى عليه.
وكتب مروان إلى واليه على فلسطين وهو الرماحس في طلب ثابت والتلطّف له. فدلّ عليه رجل من قومه فأخذ ومعه نفر فأتى به مروان بعد شهرين فأمر به وببنيه الذين كانوا في يديه فقطعت أيديهم وأرجلهم. ثم حملوا إلى دمشق وأقيموا على باب مسجدها، لأنّهم كانوا يرجفون بثابت ويقولون: أتى مصر فغلب عليها وقتل عامل مروان بها.
وأقام مروان بدير أيّوب حتى بايع لابنيه عبيد الله وعبد الله واستقامت له الشام كلّها ما خلا تدمر. وأمر بثابت وبنيه الذين قطعوا، فقتلوا وصلبوا على أبواب دمشق.
وسار حتى نزل القسطل من أرض حمص ممّا يلي تدمر وبينهما مسيرة ثلاثة أيّام وبلغه أنّهم عوّروا ما بينه وبينها من الآبار وطمّوها بالصخر، فهيّأ المزاد والقرب والعلف والإبل له ولمن معه. فكلّمه الأبرش بن الوليد وسليمان بن هشام وغيرهما، وسألوه أن يعذر إليهم. فأجابه، ووجّه الأبرش إليهم أخاه، وكتب إليهم يحذّرهم ويعلمهم أنّه يتخوّف أن يكون هلاكه وهلاك قومه، فطردوه ولم يجيبوه. فسأله الأبرش أن يأذن له في التوجّه إليهم ويؤجّله أيّاما ففعل وأتاهم وكلّمهم وأعلمهم أنّهم حمقى ولا طاقة لهم به وبمن معه.
فأجابه عامّتهم وهرب من لم يثق به منهم.
فكتب الأبرش إلى مروان يعلمه ذلك، فكتب إليه مروان أن:
« اهدم حائط مدينتهم، وانصرف إليّ بمن تابعك. » ففعل وقدم عليه بالرصافة.
ثم شخص إلى الرقّة ومضى حتى نزل عند واسط على شاطئ الفرات فأقام ثلاثا. ثم مضى إلى قرقيسيا وابن هبيرة بها ليقدّمه إلى العراق لمحاربة الضحّاك بن قيس الشيبانى الحروري وكان خرج محكّما.
وأقبل جماعة نحو عشرة آلاف ممّن كان مروان قطع عليهم البعث بدير أيّوب لغزو العراق مع قوّادهم، حتى حلّوا بالرّصافة. فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته.
وفي هذه السنة دخل الضّحك بن قيس الشيبانى الكوفة.
ذكر السبب في خروج الضحّاك وقوّته حتى دخل الكوفة
يقال: إنّ سبب خروج الضحّاك أنّه كان خرج بالجزيرة حروريّ يقال له:
سعيد بن بهدل الشيبانى، في مائتين من أهل الجزيرة فيهم الضحّاك، وقتل الوليد في تلك الأيّام فاغتنم ذلك واشتغال مروان بالشام، فخرج في أرض بكفرتوثا وخرج بسطام البيهسى وهو مفارق لرأيه في مثل عدّتهم من ربيعة، فسار كلّ واحد منهما إلى صاحبه. فلمّا تقارب العسكران وجّه سعيد بن بهدل الخيبري وهو أحد قوّاده وهو الذي هزم مروان في نحو من مائة وخمسين فارسا ليبّيته، فانتهى إلى عسكره وهم غارّون وقد أمر كلّ رجل منهم أن يكون معه ثوب أبيض يجلّل به دابّته ليعرف بعضهم بعضا فكبّروا في عسكره وقتلوا بسطاما وجميع من معه إلّا أربعة عشر رجلا ثم مضى فلحقوا بمروان فكانوا معه وأثبتهم وولّى عليهم رجلا منهم يكنّى أبا النعثل.
ثم مضى سعيد بن بهدل نحو العراق لما بلغه من تشتت الأمر بها واختلاف أهل الشام وقتال بعضهم بعضا مع عبد الله بن عمر والنضر بن سعيد الحرشي.
وكانت اليمانية من أهل الشام مع عبد الله بن عمر بالحيرة، والمضريّة مع ابن الحرشي بالكوفة، فهم يقتتلون فيما بينهم غدوة وعشية. فمات سعيد بن بهدل في وجهه ذلك من طاعون أصابه.
واستخلف الضحّاك بن قيس من بعده، فاجتمع مع الضحّاك نحو من ألف. ثم توجّه إلى الكوفة ومرّ بأرض الموصل فاتّبعه منها ومن السواد نحو من ثلاثة آلاف وبالكوفة يومئذ النضر بن سعيد الحرشي ومعه المضريّة وبالحيرة عبد الله بن عمر في اليمانية فهم متعصّبون يقتتلون فيما بين الكوفة والحيرة.
وكان سبب قتال عبد الله بن عمر النضر بن سعيد الحرشي أنّ مروان ولّى النضر العراق وعزل عبد الله بن عمر فأبى عبد الله أن يسلّم وقاتل النضر ووجد أعوانا من اليمانية للعصبيّة التي بينهم وبين المضريّة.
فلمّا دنا الضحّاك فيمن معه من الكوفة اصطلح ابن عمر والحرشيّ وصار أمرهما واحدا ويدا على قتال الضحّاك، وخندقا ومعهما يومئذ من أهل الشام نحو من ثلاثين ألفا لهم قوّة وعدّة ومعهم قائد من أهل قنّسرين يقال له، عبّاد بن العزيل، في ألف فارس قد كان مروان أمدّ به ابن الحرشي فبرزوا لهم فقاتلوهم فقتل يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيز وجعفر بن عبّاس الكندي وهزموهم أقبح هزيمة.
ولحق عبد الله بن عمر في جماعتهم بواسط، وتوجّه ابن الحرشيّ، وجماعته المضريّة، وإسماعيل بن عبد الله القسريّ، إلى مروان واستولى الضحّاك بن قيس والحروريّة على الكوفة وأرضها، وجبوا السواد.
ثم استخلف الضّحاك رجلا من أصحابه يقال له: ملحان، على الكوفة في مائتي فارس ومضى في أصحابه إلى عبد الله بن عمر بواسط، فحاصره بها، وكان عبد الله بن عمر يأمل أن يقتل مروان لحديث سمعه وهو:
« إنّ عين بن عين بن عين، يقتل ميم بن ميم بن ميم. » فكان يروى هذا الحديث ويظنّه هو حتى تبيّن بعد ذلك فقتله عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب.
فذكر أنّ أصحاب ابن عمر لمّا انهزموا فلحقوا بواسط، قالوا لابن عمر:
« علام تقيم، قد هرب الناس؟ » قال:
« أتلوّم وأنظر. » فأقام يوما أو يومين لا يرى إلّا هاربا قد امتلأت قلوبهم رعبا من الخوارج.
فأمر عند ذلك بالرحيل إلى واسط وجمع خالد بن العزيل أصحابه، فلحق بمروان وهو بالجزيرة مقيم.
ونظر عبيد الله بن العبّاس الكندي إلى ما لقي الناس فلم يأمن على نفسه فجنح إلى الضحّاك فبايعه وكان في عسكره.
فقال أبو عطاء السندي يعيّره باتباعه الضحّاك وقد قتل أخاه:
فقل لعبيد الله لو كان جعفر ** هو الحيّ لم يجنح وأنت قتيل
ولم يتبع المرّاق والثّار فيهم ** وفي كفّه عضب الذّباب صقيل
إلى معشر أردوا أخاك وأكفروا ** أباك فما ذا بعد ذاك تقول
فلمّا بلغ عبيد الله هذا البيت قال:
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)