كان حائط مرو في يد نصر، لأنّه عامل خراسان. فأرسل عليّ بن الكرمانيّ إلى أبي مسلم أن:
« ادخل الحائط من قبلك وأنّا أدخل مع عشيرتي من قبلي فتغلب على الحائط. » فأرسل إليه أبو مسلم:
« إني لست آمن أن تجتمع يدك ويد نصر على محاربتى ولكن ادخل أنت فأنشب الحرب بينك وبين أصحاب نصر بن سيّار. » فدخل عليّ بن الكرماني فأنشب الحرب. وبعث أبو مسلم. أبا عليّ شبل بن طهمان النقيب في خيل، فدخلوا الحائط، وبعثوا إلى أبي مسلم. أن:
ادخل، فدخل أبو مسلم من خندق الماخوان وعلى مقدّمته أسيد بن عبد الله، وعلى ميمنته مالك بن الهيثم، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع. حتى دخل الحائط والفريقان يقتتلان. فأمرهما بالكفّ وهو يتلو من كتاب الله تعالى: « وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ من أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا من شِيعَتِهِ وَهذا من عَدُوِّهِ » ومضى أبو مسلم حتى نزل قصر الإمارة الذي ينزله عمّال خراسان، وهرب نصر بن سيّار وصفت مرو لأبي مسلم. فأمر أبا منصور طلحة بن زريق أن يأخذ البيعة على الناس من الهاشميّه خاصّة. وأبو منصور هذا أحد النقباء الاثني عشر الذين اختارهم محمّد بن عليّ من السبعين الذين استجابوا له سنة ثلاث ومائة.
وكان مفوّها، نبيلا، فصيحا، عالما بحجج الهاشميّة وكان أبوه حيّا، يكنّى أبا زينب، وكان شهد حرب عبد الرحمن بن الأشعث وصحب المهلّب بن أبي صفرة، فكان أبو مسلم يشاوره في الأمور، ويدعوه بالكنية:
« يا با طلحة ما تقول، وما رأيك؟ » وكانت بيعته:
« أبايعكم على كتاب الله وسنّة نبيه ، والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله ، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت الله عز وجل وعلى ألّا تسألوا رزقا ولا طعما حتى يبدأكم به ولاتكم وإن كان عدوّ أحدكم تحت قدمه ألّا يهيّجوه إلّا بأمر ولاتكم. » ولمّا حبس أبو مسلم سلم بن أحوز، ويونس بن عبد ربّه، وعقيل بن معقل، وأصحابهم، وشاور أبا طلحة فيهم، فقال له:
« اجعل سوطك السيف وسجنك القبور. » فأقدم عليهم أبو مسلم فقتلهم. وكانت عدّتهم أربعة وعشرين رجلا صناديد.
ويقال: إنّ أبا مسلم لمّا دخل دار الإمارة بمرو، أرسل إلى نصر مع لاهز بن قريظ، وقريش بن شقيق، وعبد الله بن البختري، يدعوه إلى كتاب الله والطاعة للرضا من آل محمّد. فلمّا رأى نصر ما جاءه من اليمانية والربعيّة والعجم، وأنّه لا طاقة له بهم، أظهر قبول ما بعث به إليه على أن يأتيه فيبايعه.
فجعل يريّثهم لما همّ به من الغدر والهرب، إلى أن أمسى، فأمر أصحابه أن يخرجوا من ليلتهم فلم يتيسّر لهم الخروج في تلك الليلة. وقال له سلم بن أحوز « إنّه لا يتيسّر لنا الخروج الليلة ولكن [ نخرج ] القابلة. » فلمّا كان صبح تلك الليلة، عبّأ أبو مسلم كتائبه، فلم يزل في تعبئتها إلى بعد الظهر. وأرسل إلى نصر لاهز بن قريظ، وقريش بن شقيق، وعبد الله بن البختري، وعدّة من أعاجم الشيعة فدخلوا على نصر فقال لهم:
« ما أسرع ما عدتم؟ » فقال له لاهز بن قريظ: « لا بدّ من ذلك. » فقال نصر: « أمّا إذا كان لا بدّ منه، فإنى أتوضّأ وأخرج إليه، وأرسل إلى أبي مسلم، فإن كان هذا رأيه أتيته ونعمى عين وكرامة وأنا أتهيّأ إلى أن يجيء رسولي. » فقام نصر كأنّه يتوضّأ. فلمّا قام، قرأ لاهز هذه الآية: « يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ من النَّاصِحِينَ. » فدخل نصر حجرته ومعه تميم ابنه والحكم بن نميلة وحاجبه فخرج من خلف حجرته عند دخول وقت الصلاة حين أظلم الوقت وانطلقوا هرّابا. فلمّا استبطأه لاهز وأصحابه دخلوا منزله، فوجدوه قد هرب. فلمّا بلغ ذلك أبا مسلم سار إلى معسكر نصر فأخذ ثقات أصحابه وصنادير مضر الذين كانوا في عسكر نصر فكتفهم، وكان فيمن أخذ سلم بن أحوز وغيره، واستوثق منهم بالحديد ووكّل بهم حتى قتلهم كما حكينا قبيل.
ومضى نصر حتى نزل سرخس فيمن اتّبعه، وكانوا ثلاثة آلاف. ومضى أبو مسلم وعليّ بن جديع في طلبه. فركضا ليلتهما حتى أصبحا في قرية تدعى:
نصرانيّة، فوجدا نصرا قد خلّف امرأته المرزبانة فيها ونجا بنفسه. فرجع أبو مسلم وعليّ بن جديع إلى مرو، فقال أبو مسلم للقوم الذين كان وجّههم إلى نصر:
« ما الذي ارتاب به منكم؟ » قالوا: « لا ندري. » قال: « فهل تكلّم أحد منكم؟ » قالوا: « لا ندري. » قال بعضهم:
« تلا لاهز: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج. » قال: « هذا الذي دعاه إلى الهرب. » ثم قال:
« يا لاهز، أتدغل في الدين؟ » ثم قدّمه فضرب عنقه.
وفي هذه السنة قتل شيبان الحروريّ
ذكر الخبر عن مقتله وسببه

كان عليّ بن جديع وشيبان مجتمعين على قتال نصر بن سيّار، لمخالفة شيبان نصرا. لأنّ شيبان خارجى وعليّ بن جديع يخالف نصرا، لأنّه يمان ونصر مضريّ، ولأنّ نصرا قتل أباه وصلبه. فلمّا صالح عليّ بن الكرماني أبا مسلم وفارق شيبان تنّحى شيبان عن مرو لأنّه علم أن لا طاقة له بأبي مسلم وعليّ بن جديع مع تآلفهما واجتماعهما على خلافه، وقد هرب نصر من مرو. فأرسل إليه أبو مسلم يدعوه إلى بيعته، فأرسل إليه شيبان:
« بل أنا أدعوك إلى بيعتي. » فأرسل إليه أبو مسلم:
« إن لم تدخل في أمرنا، فارتحل عن منزلك. » فأرسل شيبان إلى ابن الكرماني يستنصره فأبى. فسار شيبان إلى سرخس، واجتمع إليه جمع من بكر بن وائل. فبعث إليه أبو مسلم تسعة من الأزد فيهم المنتجع بن الزبير، يدعوه إلى المسالمة. فأرسل شيبان إلى رسل أبي مسلم فحبسهم. فكتب أبو مسلم إلى بسّام بن إبراهيم مولى بنى ليث ببيورد يأمره أن يسير إلى شيبان فيقاتله، ففعل، فهزمه بسّام واتّبعه حتى دخل المدينة، فقتل شيبان وعدّة من بكر بن وائل. فقيل لأبي مسلم:
« إنّ بسّام ثائر بأبيه وهو يقتل البريء والسقيم. » فكتب إليه أبو مسلم، فقدم واستخلف على عسكره.
ولمّا قتل شيبان مرّ رجل من بكر بن وائل يقال له: خفاف، برسل أبي مسلم الذين كان حبسهم شيبان، فأخرجهم وقتلهم.
أبو مسلم يقتل ابني جديع الكرماني

وفي هذه السنة قتل أبو مسلم عليّا وعثمان ابني جديع الكرماني.
ذكر السبب في قتله إيّاهما

كان السبب في ذلك أنّ أبا مسلم وجّه أبا داود إلى بلخ وبها زياد بن عبد الرحمن القشيري فلمّا بلغه قصد أبي داود بلخ، خرج في أهل بلخ وغيرها من كور طخارستان إلى الجوزجان، فلمّا دنا أبو داود منهم انصرفوا منهزمين إلى التّرمذ.
ودخل أبو داود مدينة بلخ بمن معه، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجّه مكانه يحيى بن نعيم. فخرج أبو داود وكاتب زياد بن عبد الرحمن يحيى بن نعيم بما دهم العرب من أبي مسلم وسأله أن تصير أيديهم واحدة فأجابه.
فرجع زياد بن عبد الرحمن القشيري، ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم الباهلي، وأهل بلخ والتّرمذ، وملوك طخارستان وما خلف النهر ودونه. فنزل زياد وأصحابه على فرسخ من مدينة بلخ، وخرج إليه يحيى بن نعيم ومن معه حتى اجتمعوا، فصارت كلمتهم واحدة مضريّهم يمانيّهم وربعيّهم ومن معهم من العجم على قتال المسوّدة، وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيّان النبطي كراهة أن تكون لواحد من الفرق الثلاث.
وكتب أبو مسلم إلى أبي داود يأمره بالانصراف. فانصرف أبو داود بمن كان معه حتى اجتمعوا على نهر السّرخيان.
وكان زياد بن عبد الرحمن وأصحابه قد وجّهوا أبا سعيد القرشيّ مسلحة فيما بين الفود وبين قرية يقال لها: بامديان، لئلا يأتيهم أصحاب أبي داود من خلفهم.