









وفي هذه السنة سار قحطبة نحو ابن هبيرة. ولمّا قدم على ابن هبيرة ابنه منهزما من حلوان، خرج يزيد بن عمر بن هبيرة إلى قتال قحطبة في عدد كثير لا يحصى وكان مروان أمدّ ابن هبيرة بحوثرة بن سهيل الباهلي، فسار ابن هبيرة حتى نزل جلولا الوقيعة وخندق، فيقال: إنّه احتفر [ الخندق ] الذي كانت العجم الحتفرته أيام وقعة جلولا فأقام وأقبل قحطبة فارتفع إلى عكبرا، وأجاز قحطبة دجلة ومضى حتى نزل دمّما دون الأنبار وارتحل ابن هبيرة بمن معه منصرفا يبادر قحطبة إلى الكوفة حتى نزل فم الفرات في شرقيّة وقدّم حوثرة في خمسة عشر ألفا إلى الكوفة وقطع قحطبة الفرات من دممّا حتى صار في غربيّه، ثم سار يريد الكوفة حتى انتهى إلى الموضع الذي فيه ابن هبيرة. فيقال: إنّ حوثرة بن سهيل أشار على ابن هبيرة وقال له:
« إنّ قحطبة قد مضى إلى الكوفة، فاقصد أنت لخراسان ودعه ومروان، فإنّك تكسره وبالحريّ أن يتبعك. » فأبى وقال:
« ما كنت لأدعه والكوفة بل أبادره إليها. » وقال قحطبة لأصحابه:
« هل تعلمون طريقا يخرجنا إلى الكوفة لا يمرّ بابن هبيرة؟ » فقال بعضهم:
« نعم، تعبر تامرّا من روستقباد وتلزم الجادّة إلى برزج سابور وعكبرا ثم تعبر دجلة إلى أوانا. » ويقال: إنّه لمّا بلغ الفرات سأل:
« هل هناك مخاضة؟ » فدّلوه عليها. فنزل قحطبة الجازية وقال:
« صدقنى الإمام، أخبرني أنّ النصر بهذا المكان. » وأعطى الجند أرزاقهم، فردّ عليه كاتبه ستّة عشر ألف درهم من فضل الدرهم والدرهمين وأقل وأكثر فقال:
« لا تزالون بخير ما كنتم على هذا. » ووافته مقدّمة خيول ابن هبيرة فلمّا انتهى ابن هبيرة إلى المخاضمة اقتحم في عدّة، فحملوا على أصحاب ابن هبيرة حتى انهزموا ومضى حوثرة حتى نزل قصر ابن هبيرة، وأصبح أهل خراسان وقد فقدوا أميرهم فألقوا بأيديهم، وعلى الناس الحسن بن قحطبة.
واختلف الناس في هلاك قحطبة، فزعم بعضهم أنّه غرق، وادّعى قتله غير واحد ممّن كان وتره، زعم كلّ واحد أنّه أصاب فرصته منه في الماء فقتله.
فقال الناس:
« أيّها الناس، من كان عنده عهد من قحطبة فليخبرنا به. » فقال مقاتل بن مالك العكّيّ:
« سمعت قحطبة يقول: إن حدث بي حدث فالحسن أمير الناس. » فبايع الناس حميد بن قحطبة للحسن أخيه، وأرسلوا إلى الحسن، فلحقه الرسول دون قرية شاها فرجع الحسن فأعطاه أبو الجهم خاتم أبيه، وبايعه الناس. فقال الحسن:
« إن كان قحطبة قد مات فأنا ابن قحطبة. » وكان أحد من ادّعى قتل قحطبة معن بن زائدة ويحيى بن حصين. وقال قوم: وجد قحطبة قتيلا في جدول، وحرب بن سلم بن أحوز قتيل إلى جنبه.
فظنّوا أنّ كلّ واحد منها قتل صاحبه.
وحكى عن قحطبة أنّه قال:
« إذا قدمتم الكوفة فوزير الإمام أبو سلمة، فسلّموا الأمر إليه. » ورجع ابن هبيرة إلى واسط بعد أن انهزم حوثرة. وأمر الحسن بن قحطبة بإحصاء ما وجد في عسكر ابن هبيرة، وأمر بحمل الغنائم في السفن إلى الكوفة.
وخرج محمّد بن خالد بن يزيد السرى بالكوفة وسوّد قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة وضبطها.
ذكر الخبر عما كان من أمره وضبطه الكوفة إلى أن وصل الحسن
ظهر محمّد بن خالد بالكوفة وسوّد وسار إلى القصر وعلى الكوفة يومئذ زياد بن صالح الحارثي. فارتحل زياد ومن معه من أهل الشام وخلّوا القصر، فدخله محمّد بن خالد فلمّا أصبح يوم الجمعة من غد يوم دخوله - وهو اليوم الثاني من مهلك قحطبة - بلغه نزول حوثرة ومن معه مدينة ابن هبيرة، وأنّه تهيّأ للمسير إليه. فتفّرق عن محمّد عامّة من معه حيث بلغهم ذلك، إلّا فرسانا من أهل الشام من اليمن كانوا هربوا من مروان ومواليه.
وراسله أبو سلمة الخلّال من غير أن يظهر له يأمره بالخروج من القصر واللحاق بأسفل الفرات وأنّه يخاف عليه لقلّة من معه وكثرة من مع حوثرة ولم يبلغ واحدا منهما هلاك قحطبة، فأبى محمّد بن خالد أن يفعل وتعالى النهار فتهيّأ حوثرة للمسير إلى محمّد بن خالد حيث بلغه قلّة من معه وخذلان العامّة إيّاه. فبينا محمّد في القصر إذ أتاه بعض طلائعه وقال:
« خيل قد جاءت من أهل الشام. » فوجّه إليهم عدّة من مواليه، فأقاموا بباب دار عمر بن سعد إذ طلعت رايات أهل الشام فتهيّأوا لقتالهم فنادى أهل الشام:
« نحن بجيلة وفينا مليح بن خلف البجلي جئنا لندخل في طاعة الأمير محمّد. »
فتركوهم ودخلوا ثم جاءت خيل أعظم من تلك فيها جهم بن الأصفح الكلبي. ثم جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بحدل فلمّا رأى ذلك حوثرة من صنيع أصحابه ارتحل نحو واسط بمن معه.
وكتب محمّد بن خالد من ليلته إلى قحطبة وهو لا يعلم بهلاكه يعلمه أن قد ظفر بالكوفة، وعجّل به مع فارس، فقدم على الحسن بن قحطبة فقرأه على الناس. ثم ارتحل إلى الكوفة، وأقام محمّد بالكوفة الجمعه والسبت والأحد، وصبّحه الحسن يوم الاثنين، فأتوا أبا سلمة وهو في بنى مسلمة فاستخرجوه، فعسكر بالنخيلة يومين، ثم ارتحل إلى حمّام أعين.
ووجه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة. وكان أبو سلمة يعرف بوزير آل محمّد حتى اتّهم.
حسن بن قحطبة يوجه إلى قتال ابن هبيرة
ولمّا وجّه الحسن بن قحطبة إلى قتال ابن هبيرة ضمّ إليه ستّة عشر قائدا منهم خازم بن خزيمة ومقاتل العكّى، وخفاف بن منصور، وأشباههم من الوجوه ووجّه حميد بن قحطبة إلى المدائن في قوّاد، وبعث خالد بن برمك إلى دير قنّى، وبعث شراجيل إلى عين التمر، ووجّه بسّام بن إبراهيم بن بسّام إلى الأهواز - وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة - وبعث مع حفص بن سبيع إلى سفيان بن معاوية بعهده على البصرة وتقدّم إليهم بإظهار دعوة بنى العبّاس ويدعو إلى الإمام القائم منهم.
فأمّا بسّام فإنّه لمّا أتى الأهواز خرج منها عبد الواحد إلى البصرة. وأمّا سفيان فإنّه لمّا قدم عليه الكتاب والعهد قاتله سلم بن قتيبة ولم يسلّم له، وكان مبدأ قتاله إيّاه أنّ سفيان كتب إليه يأمره بالتحوّل عن دار الإمارة ويخبره بما أتاه من رأى أبي سلمة، فامتنع سلم وحشد إليه سفيان اليمانيّة وحلفاءهم من ربيعة وغيرها، وجنح إليه قائد من قوّاد ابن هبيرة كان بعثه مددا لسلم في ألفى رجل فأجمع السير إلى سلم بن قتيبة فاستعدّ سلم له وحشد من قدر عليه من قيس ومضر وموالي بني أمية وأشياعهم.
وسارت بنو أميّة الذين بالبصرة إلى نصره فقدم - سفيان في صفر، فأتى المربد سلم، فوقف منه في سوق الإبل، ووجّه الخيول في سكك البصرة للقاء من وجّه إليه سفيان. ونادى:
« من جاء برأس فله خمسمائة، ومن جاء بأسير فله ألف درهم. » ومضى ابن سفيان واسمه معاوية في ربيعة خاصّة، فلقيه خيل من تميم في سكّة فطعن رجل [ منهم ] فرس معاوية، فشبّ به وصرعه. ونزل إليه آخر فقتله وحمل رأسه إلى سلم بن قتيبة فأعطاه عشرة آلاف درهم فانكسر سفيان لقتل ابنه، فانهزم ومن معه وخرج من فوره هو وأهل بيته حتى أتوا القصر الأبيض فنزلوه، ثم ارتحلوا منه إلى كسكر. وتغلّب على البصرة سلم، ثم أتاه كتاب ابن هبيرة أن يصير إلى الأهواز، وتغلّب بالبصرة جماعة بقوا فيها أيّاما يسيرة. وقام أبو العبّاس السفّاح فولّاها سفيان بن معاوية.
[ تجارب العصر العباسي ]
خلافة أبي العباس السفاح
وفي هذه السنة بويع لأبي العبّاس عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب، ليلة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شهر ربيع الآخر. وقيل كان ذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)