









ذكر أخبار الروندية وخروجهم ومقتلهم
الرونديّة قوم كانوا من أهل خراسان على رأى أبي مسلم صاحب دعوة بنى هاشم، يقولون بتناسخ الأرواح، ويزعمون أنّ روح آدم في عثمان بن نهيك وأنّ جبريل هو الهيثم بن معاوية. وأنّ ربّهم الذي يطمعهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور، ويعدّدون أرواح قوم مضوا فيدّعون أنّها الآن منتقلة في أجساد أخرين هم فلان وفلان، ولا تزال تنتقل في كلّ زمان إلى أجساد قوم فتعاقب فيها أو تثاب.
وكانوا أتوا قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون:
« هذا قصر ربّنا. » فحكى أبو بكر الهذلي قال: إني لواقف بباب أمير المؤمنين إذ طلع فقال لي رجل إلى جانبي:
« هذا ربّ العزّة، هذا الذي يرزقنا ويطعمنا ويسقينا. » فلمّا رجع أمير المؤمنين ودخل الناس ودخلت وخلا وجهه قلت له:
« سمعت اليوم عجبا. » وحدّثته، فنكت في الأرض وقال:
« يا هذلي، يدخلهم الله عز وجل النار في طاعتنا ويقتلهم أحبّ إلينا من أن يدخلهم الجنّة بمعصيتنا. » قال: وأتوا قصر المنصور للطواف حتى شاع خبرهم فأرسل المنصور إلى رؤساء هم فحبس منهم مائتين فغضب أصحابهم وقالوا:
« علام حبسوا؟ » وأمر المنصور ألّا يجتمعوا، فأعدّوا نعشا وحملوا السرير وليس في النعش أحد. ثم مرّوا في المدينة الهاشمية بالكوفة حتى صاروا على باب السجن، فأخرجوا أصحابهم، وقصدوا نحو المنصور يريدونه وهم يومئذ ستمائة رجل، فتنادى الناس، وغلّقت أبواب المدينة، فلم يدخل أحد فخرج المنصور من القصر ماشيا ولم يكن في القصر دابّة، فجعل بعد ذلك يرتبط فرسا يكون في دار الخليفة معه في قصره.
ولمّا خرج المنصور أتى بدابّة فركبها وهو يريدهم. وجاء معن بن زايدة وانتهى إلى المنصور وقال:
« أنشدك الله يا أمير المؤمنين إلّا رجعت فانّك تكفى. » وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب القصر وقال:
« أنا اليوم بوّاب. » ونودى في السوق، فرموهم وقاتلوهم حتى أثخنوهم وفتح بابا المدينة فدخل الناس وجاء خازم بن خزيمة على فرس محذوف فقال:
« يا أمير المؤمنين، أقتلهم؟ » قال: « نعم. » فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى حائط، ثم كرّوا على خازم، حتى كشفوه وأصحابه ثم كرّ عليهم فاضطرّوهم إلى حائط المدينة وقال للهيثم بن شعبة:
« إذا كرّوا علينا فاسبقهم إلى الحائط، وإذا رجعوا فاقتلهم. » فحملوا على خازم فاطّرد لهم وصار الهيثم بن شعبة من وراءهم فقتلوا جميعا. وجاءهم يومئذ عثمان بن نهيك وكلّمهم، فرموه، فرجع، فرموه بنشّابة وقعت بين كتفيه فمرض أيّاما ومات.
وأبلى يومئذ برزين بن المصمغان ملك دنباوند. وكان خالف أخاه وقدم على أبي جعفر، فأكرمه وأجرى عليه رزقا، فلمّا كان يومئذ أتى المنصور فكفّر له ثم قال:
« أقاتل هولاء؟ » قال له: « نعم. » فقاتلهم. فكان إذا ضرب رجلا فصرعه تأخّر عنه، فلمّا قتلوا وصلّى المنصور دعا بالعشاء وقال:
« اطلبوا معن بن زايدة. » وأمسك عن الطعام حتى جاء معن، فقال لقثم:
« تحوّل إلى هذا الموضع. » وأجلس معنا مكان قثم. » فلمّا فرغوا من العشاء قال لعيسى بن عليّ:
« يا با العبّاس، أسمعت بأسد الرجال؟ » قال: « نعم. » قال: « لو رأيت معنا علمت أنّه من تلك الآساد. » قال معن: « والله يا أمير المؤمنين، لقد أتيتك وإني لوجل القلب، فلمّا رأيت ما عندك من الاستهانة بهم وشدّة الإقدام عليهم، ورأيت أمرا لم أره من خلق في حرب، شدّ ذلك من قلبي وحملني على ما رأيت مني. » قال الفضل بن الربيع: حدّثني أبي قال: سمعت المنصور يقول:
المنصور يتحدّث عن ثلاث خطيئات « أخطأت ثلاثة خطيئات وقى الله شرّها: قتلت أبا مسلم وأنا في خرق ومن حولي يقدّم طاعته على طاعتي ويؤثرها، ولو هتكت الخرق لذهبت ضياعا، وخرجت يوم الرونديّة، ولو أصابنى سهم غرب لذهبت ضياعا، وخرجت إلى الشام ولو اختلف سيفان بالعراق ذهبت الخلاقة ضياعا. » وفي هذه السنة خلع عبد الجبّار بن عبد الرحمن عامل أبي جعفر على خراسان.
ذكر الخبر عن خلع عبد الجبار وما آل إليه أمره
بلغ المنصور أنّ عبد الجبّار يقتل رؤساء أهل خراسان وكاتبه بعض قوّاده بكتاب فيه: قد نغل الأديم. فقال لكاتبه أبي أيّوب الخوريّ:
« إنّ عبد الجبّار قد أفنى شيعتنا، وما فعل هذا إلّا وهو يريد أن يخلع. » فقال له:
« ما أيسر حيلته؟ اكتب إليه: إنّك تريد غزو الروم فيوجّه إليك الجنود من خراسان وعليهم فرسانهم ووجوههم، فإذا خرجوا منها فابعث إليه من شئت فليس به امتناع. » فكتب إليه بذلك، فأجابه:
« إنّ الترك قد جاشت، وإن فرّقت الجنود ذهبت خراسان. » فألقى الكتاب إلى أبي أيوّب وقال له:
« ما ترى؟ » قال:
« قد أمكنك من قياده، اكتب إليه: أنّ خراسان أهمّ إليّ من غيرها، وأنا موجّه إليك الجنود من قبلي. ثم وجّه إليه الجنود ليكونوا بخراسان، فإن همّ بخلع، أخذوا بعنقه. » فلمّا ورد على عبد الجبّار هذا الكتاب، كتب إليه:
« إن خراسان لم تكن قطّ أسوأ حالا منها في هذا العام، وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من غلاء السعر. » فلمّا أتاه الكتاب ألقاه إلى أبي أيّوب فقال له:
« قد أبدى صفحته، وقد خلع، فلا تناظره. » فوجّه إليه محمّدا ابنه وقدّم لحربه خازم بن خزيمة، ثم شخص محمّد المهديّ، فنزل نيسابور وتوجّه خزيمة بن خازم إلى عبد الجبّار، وبلغ ذلك أهل مرو الروذ فقاتلوه وجاهدوا فيه حتى هرب وتوارى. ثم طلبوه حتى أخذوه أسيرا. فلمّا قدم خازم أتاه [ به ] فألبسه خازم مدرعة صوف وحمله على بعير وجعل وجهه من قبل عجز البعير حتى انتهى به إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه، فبسط عليهم العذاب حتى استخرج منه ما قدر عليه من الأموال. ثم أمر المسيّب بقطع يدي عبد الجبّار ورجليه وضرب عنقه، ففعل المسيّب وأمر المنصور بتسيير ولده إلى دهلك وهي جزيرة بناحية اليمن.
فتح طبرستان
ولمّا وجّه المنصور محمّدا المهديّ إلى قتال عبد الجبّار بن عبد الرحمن، فكفى المهديّ أمر عبد الجبّار بمن حاربه كره المنصور أن تبطل نفقاته التي أنفقت على المهديّ وجنوده. فكتب إليه: أن يغزو طبرستان وينزل الريّ ويوجّه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى الإصبهبذ، والإصبهبذ كان يومئذ محاربا للمصمغان ملك دنباوند معسكرا بإزاءه. فبلغه أنّ الجنود دخلت بلاده وأنّ أبا الخصيب دخل سارية، فساء المصمغان ذلك، وقال للإصبهبذ:
« متى صاروا إليك، صاروا إليّ. »
فأجمعا على محاربة المسلمين. وانصرف الإصبهبذ إلى بلاده. فحارب المسلمين وطالت الحروب. فأشار برزين أخو المصمغان على المنصور بتوجيه عمر بن العلاء، وكان برزين قد عرف عمر أيّام رستقباذ وأيّام الرونديّة وقال:
« يا أمير المؤمنين، إنّ عمر أعلم الناس ببلاد طبرستان فوجّهه. » وعمر بن العلاء هو الذي يقول فيه بشّار:
فقل للخليفة إن جئته ** نصيحا ولا خير في المتّهم
إذا أيقظتك حروب العدى ** فنبّه لها عمرا ثم نم
فتى لا ينام على دمنة ** ولا يشرب الماء إلّا بدم
فوجّهه المنصور وضمّ إليه خزيمة بن خازم فدخل الرويان وفتحها وأخذ قلعة الطاق وما فيها.
وطالت الحرب وألحّ خزيمة على القتال، ففتح طبرستان وقتل منهم فأكثر.
وصار الإصبهبذ إلى قلعته وطلب الأمان على أن يسلّم القلعة بما فيها من ذخائره. فكتب بذلك المهديّ إلى أبي جعفر، فوجّه أبو جعفر بصالح صاحب المصلّى وعدّة معه، فأحصوا ما في الحصن ثم انصرفوا. وبدا للإصبهبذ، فدخل بلاد جيلان من الديلم، فمات بها، وأخذت ابنته، فهي أمّ إبراهيم بن العبّاس بن محمّد، وصمدت الجيوش للمصمغان، فظفروا به وبالبحتريّة أمّ منصور بن المهديّ وبصمير أمّ عليّ بن ريطة بنت المصمغان فهذا فتح طبرستان الأوّل.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة
وفيها نقض إصبهبذ طبرستان، العهد بينه وبين المسلمين، وقتل من كان ببلاده من المسلمين فبلغ ذلك المنصور، فوجّه خازم بن خزيمة وروح بن حاتم، وأبا الخصيب مولى أبي جعفر فقاتلوهم حتى طال عليهم. فاحتال أبو الخصيب في ذلك وقال لأصحابه:
« اضربونى واحلقوا رأسى ولحيتي. » ففعلوا ذلك به، ولحق بالإصبهبذ صاحب الحصن وقال:
« إنّه ركب مني ما ترى بتهمة ألحقوها بي وظنّوا أنّ هواى معك. » وأخبره أنّه اليوم معه وأنّه يدلّه على عورة العسكر. فقبل منه الإصبهبذ ذلك وجعله في خاصّته وألطفه ووكّل به من يتعرّف أخباره فصبر، ولم يزل يظهر طاعته ونصيحته حتى وثق به وتمكّن ممّا أراد. فراسل أصحابه بل كاتبهم في نشّابة وواعدهم أن يفتح لهم الباب يوما بعينه. ففعل، فدخلوا وقتلوا من فيها وسبوا الذراريّ وظفروا ببيت الإصبهبذ وبشكلة أمّ إبراهيم بن المهديّ وهي بنت كاتب المصمغان، ومصّ الإصبهبذ خاتما له فيه سمّ، فقتل نفسه.
ودخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة
ولم يجر فيها ما تستفاد منه تجربة.
ودخلت سنة أربع وأربعين ومائة
محمد وإبراهيم يهمان المنصور
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)