









« ثكلتك أمّك وعدمتك عشيرتك ما هذه العدّة التي جمعتها، للنكاية في الوحش؟ إنّما استكفيناك أمور المسلمين ولم نستكفك أمور الوحش، سلّم ما كنت تلى من عملنا إلى فلان، والحق بأهلك ملوما مدحورا. » وذكر الهيثم بن عديّ أنّ ابن عيّاش حدّثه أنّ ابن هبيرة أرسل إلى المنصور وهو محصور بواسط والمنصور بإزائه:
« إني خارج يوم كذا وكذا وداعيك إلى المبارزة، فقد بلغني تجبينك إيّاى. » فكتب إليه:
« يا بن هبيرة، إنّك متعدّ طورك، جار في عنان غيّك، يعدك الشيطان ما الله مكذّبه، ويقرّب لك ما الله مباعده، فرويدا تتمّ الكلمة، ويبلغ الكتاب أجله، وقد ضربت لك مثلي ومثلك: بلغني أنّ أسدا لقي خنزيرا، فقال له الخنزير: قاتلني. فقال له الأسد: إنّما أنت خنزير، ولست لي بكفؤ ولا نظير، ومتى فعلت الذي دعوتني إليه فقتلتك، قيل: قتل الأسد خنزيرا، فلم أعتقد بذلك فخرا ولا ذكرا، وإن نالني منك شيء كان سبّة عليّ. فقال: إن أنت لم تفعل رجعت إلى السباع، فأعلمتها أنّك نكلت عني، وجبنت عن قتالي. فقال الأسد:
احتمالي عار كذبك أيسر من لطخ شاربي بدمك. » وذكر لأبي جعفر تدبير هشام بن عبد الملك في حرب كانت له، فبعث إلى رجل يصحبه قديما ينزل رصافة هشام، يسأله عن تلك الحرب، فقدم عليه فقال:
« أنت صاحب هشام؟ » قال: « نعم يا أمير المؤمنين. » قال: « فأخبرني كيف صنع في حرب دبّرها في سنة كذا؟ » فقال:
« إنّه عمل فيها، رحمة الله عليه، كذا وكذا، ثم أتبع بأن فعل، رضي الله عنه، كذا وكذا. » فأحفظ ذلك المنصور فقال:
« قم، غضب الله عليك، تطأ بساطي وتترحّم على عدوّى. » فقام الشيخ وهو يقول:
« إنّ لعدوّك قلادة في عنقي ومنّة في رقبتي لا ينزعها عني إلّا غاسلى. » فأمر بردّه وقال:
« اقعد، هيه، كيف قلت وما صنع بك؟ » فقال:
« إنّه كفاني الطلب، وصان وجهى عن السؤال، فلم أقف على باب عربيّ ولا عجميّ منذ رأيته، أفلا يجب عليّ أن أذكره بخير وأتبعه بثنائى؟ » قال: « بلى والله، لله أمّ نهضت عنك وليلة أدّتك، أشهد أنّك نهيض حرّة وغراس كريم. » ثم استمع منه، وأمر له ببرّ. فقال:
« يا أمير المؤمنين، ما آخذه لحاجة، وما هو إلّا تشرّف بحبائك وتبّجح بصلتك. » وأخذ الصلة وخرج. فقال المنصور:
« لمثل هذا تحسن الصنيعة، ويوضع المعروف. ويجاد بالمصون، وأين في عسكرنا مثله! » وأبطأ المنصور عن الخروج إلى الناس والركوب، فقال الناس: هو عليل وكثّرا. قال: فدخل الربيع عليه، فقال:
« يا أمير المؤمنين، لأمير المؤمنين طول البقاء والناس يقولون... » قال: « ما يقولون؟ » قال:
« يقولون: عليل. » قال: فأطرق قليلا وقال:
« يا ربيع، مالنا وللعامّة، إنّما تحتاج العامّة إلى ثلاث خلال، فإذا فعل بهم فما حاجتهم إذا أقيم لهم من ينظر في أحكامهم، وينصف بعضهم من بعض، ويؤمن سبلهم حتى لا يخافوا ليلهم ونهارهم، ويسدّ ثغورهم وأطرافهم حتى لا يجيئهم عدوّهم، وقد فعلنا ذلك بهم. »
ثم مكث أيّاما وقال:
« يا ربيع، اضرب الطبل. » فركب حتى رأته العامّة.
وظفر المنصور برجل من كبراء بني أمية فقال:
« إني أسألك عن أشياء فاصدقني ولك الأمان. » قال: « نعم. » فقال له المنصور:
« من أين أتى بنو أميّة حتى انتشر أمرهم؟ » قال: « من تضييع الأخبار. » وكان المنصور يقول: ليس بإنسان من أسدى إليه معروف فنسيه قبل الموت.
وكان يقول: العرب تقول: العرى القادح خير من الزّى الفاضح.
ودخل على المنصور رجل من أهل العلم فازدراه واقتحمته عينه فجعل لا يسأله عن شيء إلّا وجده عنده. فقال له:
« أنّى لك هذا العلم. » قال: « لم أبخل بعلم علمته، ولم أستحى من علم أتعلّمه. » قال: « فمن هناك. » وكان المنصور كثيرا ما يقول: من فعل بغير تدبير، وقال في غير تقدير، لم يعدم من الناس هازئا أو لاحيا.
وكان المنصور يقول: الملوك تحتمل كلّ شيء من أصحابها إلّا ثلاثا: إفشاء السرّ، والتعرّض للحرمة، والقدح في الملك.
ولمّا حمل عبد الجبّار بن عبد الرّحمن الأزدي إلى المنصور بعد خروجه عليه، قال له:
« يا أمير المؤمنين، قتلة كريمة. » قال:
« تركتها وراءك يا بن الخناء ».
وخطب يوما بمدينة السلام سنة اثنتين وخمسين ومائة، فقال:
« لا تظالموا، فإنّها ظلمة يوم القيامة. والله لو لا يد خاطئة، وظلم ظالم، لمشيت بين أظهركم وأسواقكم، ولو علمت مكان من هو أحقّ مني بهذا الأمر، لأتيته حتى أدفعها إليه. » وقال يوما: « من علم أنّه إنّما صنع إلى نفسه، لم يستبطئ الناس في شكرهم ولم يستزدهم في مودّتهم، فلا تلتمس من غيرك شكر ما أتيته إلى نفسك ووقيت به عرضك، واعلم أنّ طالب الحاجة إليك لم يكرم وجهه عن مسألتك، فأكرم وجهك عن ردّه.
وخطب يوما فقال:
« الحمد لله أحمده واستعين به وأتوكلّ عليه، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له... » فاعترض معترض عن يمينه فقال:
« أيها الإنسان، أذكّرك من ذكّرت به. » فقطع الخطبة وقال:
« سمعا، سمعا لمن حفظ عن الله، وذكّر به، وأعوذ بالله أن أكون جبّارا عنيدا، وأن تأخذنى العزّة بالإثم، لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين.
« وأنت أيّها القائل، فو الله ما أردت بهذا صلاحا، ولكنّك حاولت أن يقال:
قام، فقال، فعوقب فصبر، وأهون بها. ويلك لو هممت فاهتبلها إذ غفرت. وإيّاك وإيّاكم أيّها الناس وأختها، فإنّ الحكمة علينا نزلت ومن عندنا فصلت فردّوا الأمر إلى أهله يوردوه موارده ويصدروه مصادره. » ثم عاد في خطبته كأنّما يقرأها من راحته:
« و... أشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله... » وخطب المنصور بالمدائن عند قتل أبي مسلم فقال:
« أيّها الناس، لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسرّوا غشّ الأئمّة، فإنّه لم يسرّ أحد منكم قطّ منكرة إلّا ظهرت في آثار يده أو فلتات لسانه، وأبداها الله لإمامه بإعزاز دينه وإعلاء حقّه. إنّا لم نبخسكم حقوقكم ولم نبخس الدين حقّه عليكم، إنّه من نازعنا عروة هذا القميص أجزرناه خبئ هذا الغمد، وإنّ أبا مسلم بايعنا وبايع لنا على أنّه من نكث بنا فقد أباح دمه. ثم نكث بنا، فحكمنا عليه حكمه على غيره لنا ولم نمنعنا رعاية الحقّ له من إقامة الحقّ عليه. » وكتب صاحب أرمينية إلى المنصور، إنّ الجند شغبوا عليه وكسروا أقفال بيت المال، فأخذوا ما فيه. » فوقّع في كتابه:
« اعتزل عملنا مذموما، فلو عقلت لم يشغّبوا، ولو قويت لم ينتهبوا. »
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)