خلافة المهدي

وفي هذه السنة بويع للمهديّ واسمه محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس.
ودخلت سنة تسع وخمسين ومائة

وفيها أمر المهديّ بإطلاق من كان في سجن المنصور، إلّا من كان قبله تباعة في دم أو قتل، أو من كان معروفا بالسعي في الأرض بالفساد وكان لأحد قبله مظلمة أو حقّ، فأطلقوا.
وكان ممّن أطلق من المطبق يعقوب بن داود مولى بنى سليم، وكان معه في ذلك الحبس محبوسا الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام فلم يطلق.
وارتفع يعقوب بن داود واختصّ بالمهديّ حتى سمّاه أخا في الله.
ذكر السبب في ذلك

لمّا أطلق يعقوب بن داود ولم يطلق الحسن بن إبراهيم ساء ظنّ الحسن وخاف على نفسه فالتمس مخرجا لنفسه وخلاصا، فبعث إلى بعض ثقاته فحفر له سربا من موضع مسامت للموضع الذي هو فيه محبوس.
وكان يعقوب بن داود بعد أن أطلق يطيف با بن علّاثة وهو قاضى المهديّ بمدينة السلام ويلزمه حتى أنس به، وعرف يعقوب ما عزم عليه الحسن بن إبراهيم من الهرب، فأتى ابن علّاثة فأخبره أنّ عنده نصيحة للمهديّ، وسأله إيصاله إلى أبي عبيد الله، فسأله عن تلك النصيحة، فأبى أن يخبره وحذّره فوتها، فانطلق ابن علّاثة إلى أبي عبيد الله، فأخبره خبر يعقوب وما جاءه به، فأمر بإدخاله عليه.
فلمّا دخل سأله إيصاله إلى المهدي ليورد عليه النصيحة التي له عنده، فأدخله عليه، فلمّا دخل على المهديّ، شكر له بلاءه عنده في إطلاقه إيّاه، ثم أخبره أنّ له عنده نصيحة، فسأله عنها بمحضر من أبي عبيد الله وابن علّاثة، فاستخلاه منهما، فأعلمه المهديّ ثقته بهما، فأبى أن يبوح له بشيء حتى يقوما، فأقامهما، فأخلاه، فأخبره خبر الحسن بن إبراهيم وما أجمع به، وإنّ ذلك كائن من ليلته المستقبلة. فوجّه المهديّ من وثق به ليأتيه بخبره فأتاه بتحقيق ما أخبره به يعقوب، فأمر بتحويله إلى نصير، فلم يزل في حبسه إلى أن احتال أو أحتيل له، فخرج هاربا وافتقد فشاع هربه، فطلب فلم يظفر به، وتذكّر المهديّ دلالة يعقوب إيّاه كانت عليه، فرجا عنده من الدلالة عليه مثل الذي كان منه في أمره، فسأل أبا عبيد الله عنه، فأخبره أنّه حاضر. وقد كان لزم أبا عبيد الله فدعا به المهديّ خاليا فذكر له ما كان من فعله في أمر الحسن بن إبراهيم أولّا، ونصحه له فيه، وأخبره بما حدث من أمره، فأخبره يعقوب أنّه لا علم له بمكانه، وأنّه إن أعطاه أمانا يثق به، ضمن له أن يأتيه به، على أن يتمّ له على أمانه ويصله ويحسن إليه. فأعطاه المهديّ ذلك في مجلسه وضمنه له.
فقال له يعقوب:
« فاله يا أمير المؤمنين عن ذكره، ودع طلبه، فإنّ ذلك يوحشه، ودعني وإيّاه حتى أحتال له فآتيك به. » قال يعقوب:
« يا أمير المؤمنين، قد بسطت عدلك لرعيّتك وأنصفتهم وعممتهم بخيرك وفضلك، فعظم رجاؤهم، وانفسحت آمالهم، وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لم تدع النظر فيها بمثل ما فعلت في غيرها، وأشياء مع ذلك وخلف بابك يعمل بها لا تعلمها، فإن جعلت لي السبيل إلى الدخول عليك، وأذنت لي في رفعها إليك، فعلت. » فأعطاه المهديّ ذلك وجعله إليه وصيّر سليما الخادم الأسود خادم المنصور سببه [ فى ] إعلام المهديّ بمكانه كلّما أراد الدخول. فكان يعقوب يدخل على المهديّ ليلا ويرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وتزويج العزّاب وفكاك الأسارى والمحبّسين والقضاء على الغارمين والصدقة على المتعفّفين. فحظى بذلك عنده وربما رجا أن ينال به من الظفر بالحسن بن إبراهيم، واتخذه أخا في الله وأخرج بذلك توقيعا ثبت في الدواوين ووصله بمائة ألف، وكانت أوّل صلة وصله بها، فلم تزل منزلته تنمى وتعلو صعدا إلى أن صيّر الحسن بن إبراهيم في يد المهديّ.
تحرك الشيعة ووجوه أهل خراسان

وفي هذه السنة تحرّك قوم من الشيعة ووجوه أهل خراسان، وسعوا في خلع عيسى بن موسى وتصيير ولاية العهد لموسى بن المهديّ. فكتب المهديّ إلى عيسى بن موسى وهو بالكوفة، في القدوم عليه. فأحسّ عيسى بما يراد منه، فامتنع حتى خشي من انتقاضه وألحّ المهديّ عليه حتى كتب إليه:
« إنّك إن امتنعت من المجيء استحللت منك لمعصيتك ما يستحلّ من العاصي، وإن أجبتنى وخلعت نفسك حتى أبايع لموسى وهارون عوّضتك ما هو أجدى عليك وأعجل نفعا. » فأجابه فبايع لهما، وأمر له بعشرة آلاف ألف، ويقال بعشرين ألف ألف وقطائع كثيرة.
فامتنع وراوغ، فوجّه إليه محمّد بن فرّوخ وهو أبو هريرة القائد في ألف رجل من أصحابه ذوي البصائر في التشيّع، وجعل مع كلّ رجل منهم طبلا، وأمرهم أن يضربوا جميعا بطبولهم عند قدومهم الكوفة، فدخلها ليلا في وجه الصبح، فضرب أصحابه بطبولهم، فراع ذلك عيسى بن موسى روعا شديدا. ثم دخل عليه أبو هريرة فأمره بالشخوص، فاعتلّ بالشكوى، فلم يقبل ذلك منه وأشخصه من ساعته إلى مدينة السلام.
ودخلت سنة ستين ومائة

قدوم عيسى بن موسى

وفيها قدم عيسى بن موسى مع أبي هريرة لستّ خلون من المحرّم، وأقام أيّاما يختلف إلى المهديّ على رسمه لا يكلّم ولا يرى جفوة ولا مكروها حتى أنس بعض الأنس. ثم حضر الدار يوما قبل جلوس المهديّ، فدخل مجلسا كان يكون للربيع في مقصورة صغيرة عليها باب، وقد اجتمع رؤساء الشيعة في ذلك اليوم على خلعه والوثوب به، ففعلوا ذلك وضربوا الباب بجرزهم وعمدهم، فهشموا الباب وكادوا يكسرونه، وشتموه أقبح شتم، وأظهر المهديّ إنكارا لذلك فلم يزعهم ذلك، بل زادوا إلى أن كاشفه ذوو الأسنان من قومه وأهل بيته بحضرة المهديّ وأبوا إلّا خلعه وشتموه في وجهه وكان أشدّهم عليه محمّد بن سليمان.
فلمّا رأى المهديّ ذلك من رأيهم، أمر عيسى بموافقتهم، ودعاه إلى الخروج ممّا له من العهد في أعناق المسلمين وتحليلهم منه، فأبى، وذكر أنّ عليه أيمانا محرّجة في ماله وأهله فأحضر له من الفقهاء والقضاة، منهم محمّد بن عبد الله بن علاثة وغيره من أفتاه بأن يبتاع أمير المؤمنين ما له في أعناق الناس بما له فيه رضاه ممّا يخرج منه من ما له لما يلزمه من الحنث في يمينه، وهو عشرة آلاف ألف درهم، وضياع بالزاب الأعلى وكسكر، فقبل ذلك عيسى وخلع نفسه على المنبر، وبويع لموسى بعد المهديّ.
وكتب عليه بذلك كتاب قرئ عليه بحضرة الأشراف والقضاة والعدول، فاعترف به، وبذل خطّه فيه وشهد فيه أربعمائة وثلاثون رجلا من بنى هاشم والصحابة من قريش والموالي والوزراء والكتّاب والقضاة.
حج المهدي وما كان منه في مكة والمدينة

وفي هذه السنة حجّ المهديّ بالناس وحجّ معه ابنه هارون وجماعة من أهل بيته. وكان ممّن شخص معه يعقوب بن داود على منزلته الرفيعة التي كانت عنده، فأتاه حين وافى مكّة بالحسن بن إبراهيم بن عبد الله الذي كان استأمن له، فأحسن المهديّ صلته وجائزته وأقطعه مالا من الصوافي بالحجاز.
وفيها نزع المهديّ كسوة الكعبة التي كانت عليها، وكساها كسوة جديدة، وذلك أنّ حجبة الكعبة رفعوا إليه أنّهم يخافون أن تنهدم لكثرة ما عليها من الكسوة، فأمر بتنحية ما عليها حتى بقيت مجرّدة ثم طلى البيت بالخلوق وكسى.
وحكى أنّهم لمّا بلغوا إلى كسوة هشام وجدوها ديباجا ثخينا جدا، ووجدوا كسوة من كان قبله عامّتها من متاع اليمن.
وقسّم المهديّ في هذه السنة مالا عظيما في أهل مكّة والمدينة. فذكر أنّه قسّم في تلك السفرة ثلاثين ألف ألف درهم حملت معه ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، فوهب ذلك كلّه وفرّق من الثياب مائة ألف وخمسين ألف ثوب، ووسّع مسجد رسول الله وأمر بنزع المقصورة التي في المسجد فنزعت وأراد أن ينقض منبر رسول الله فيعيده إلى ما كان عليه ويلقى منه ما كان معاوية زاد فيه، فشاور في ذلك مالك بن أنس، فقيل له:
« إنّ المسامير قد سلكت في الخشب الذي أحدثه معاوية في الخشب الأوّل وهو عتيق ولا نأمن إن خرجت المسامير التي فيه وزعزعت أن ينكسر، فتركه المهديّ على ذلك.
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة

خروج المقنع بخراسان

وفيها خرج حكيم المقنّع بخراسان، وكان يقول بتناسخ الأرواح، فاستغوى بشرا كثيرا، وقوى وسار إلى ما وراء النهر، فوجّه المهديّ لقتاله عدّة من قوّاده فيهم معاذ بن مسلم، وهو يومئذ على خراسان، ثم أفرد المهديّ لمحاربته سعيدا الحرشيّ، وضمّ إليه هولاء القوّاد. وابتدأ المقنّع بجمع الطعام في قلعة بكسّ عدّة للحصار.
ظفر بشر بعبد الله بن مروان

وفيها ظفر بشر بن محمّد بن الأشعث الخزاعي بعبد الله بن مروان بالشام فقدم به على المهديّ فجلس المهديّ مجلسا عامّا في الرصافة وقال:
« من يعرف هذا؟ » فقام عبد العزيز بن مسلم العقيلي فصار معه قائما ثم قال له:
« أبا الحكم؟ » قال: « نعم. » قال: « كيف كنت بعدي؟ » ثم التفت إلى المهديّ فقال:
« نعم يا أمير المؤمنين، هذا عبد الله بن مروان. » فعجب الناس من جرأته ولم يعرض له المهديّ بشيء. ثم جاء بعد ذلك بأيّام عمرو بن سهلة الأشعري فادّعى أنّ عبد الله بن مروان قتل أباه وكثرت الحيل على عبد الله بن مروان. فقدّم عمرو بن سهلة عبد الله بن مروان إلى عافية القاضي وادّعى عليه، فتوجّه الحكم أن يقاد به، وأقام عليه البيّنة. فلمّا كاد الحكم يبرم، جاء عبد العزيز بن مسلم العقيلي إلى عافية القاضي يتخطّى رقاب الناس حتى صار إليه فقال:
« يزعم عمرو بن سهلة أنّ عبد الله بن مروان قتل أباه. كذب والله، ما قتل أباه غيري أنا، قتلته بأمر مروان، وعبد الله بن مروان من دمه بريء. » فزالت عن عبد الله بن مروان ولم يعرض المهديّ لعبد العزيز بن مسلم، لأنّه قتله بأمر مروان. وفيها أمر المهديّ يعقوب بن داود بتوجيه الأمناء من قبله إلى جميع الآفاق، ففعل. وكان لا ينفذ للمهديّ كتاب إلى عامل فيجوز حتى يكتب يعقوب إلى ثقته وأمينه بإنفاذ ذلك.
واتّضعت منزلة أبي عبيد الله وزير المهديّ
ذكر السبب في ذلك

كان الربيع يخلف أبا عبيد الله عند المنصور بجميل أيّام مقامه بالريّ مع المهديّ وكان الموالي يسعون أبا عبيد الله عند المهديّ، فكان أبو عبيد الله يخاف تغيّر رأى المهديّ له، فيكتب إلى الربيع دائما ولا ينقطع رسله عنه، فلا يزال الربيع يذكره بجميل عند المنصور ويعلمه ثقته وكفايته ويتنجّز له الكتب من المنصور إلى المهديّ بالوصاة به وترك قبول قول الموالي فيه.
قال الفضل بن الربيع: فلمّا حجّ أبي مع المنصور في السنة التي مات فيها، وقام أبي بما فام به من أمر البيعة وتلافيه بنفسه تلك الأمور وتجديده البيعة للمهديّ على أهل بيت أمير المؤمنين والقوّاد والموالي وقدم، تلقّيته بعد المغرب، فلم أزل معه حتى تجاوز منزله وترك دار أمير المؤمنين ومضى إلى أبي عبيد الله فقلت له:
« تترك أمير المؤمنين وتأتى أبا عبيد الله؟ » فقال: « يا بنيّ هو وزير الرجل، وليس ينبغي أن نعامله بما كنّا نعامله به ولا نحاسبه بما كان منّا في أمره ونصرتنا له. » قال: فمضينا حتى أتينا باب أبي عبيد الله. فما زال واقفا حتى صلّيت العتمة فخرج الحاجب فقال:
« ادخل. » فثنى رجله وثنيت رجلي فقال:
« إنّما استأذنت لك وحدك يا با الفضل. » قال: « فاذهب وأخبره أنّ الفضل معي ثم اقبل عليّ. » فقال: « وهذا أيضا من ذاك. » فخرج الحاجب فأذن لنا جميعا، فدخلنا وإذا أبو عبيد الله في صدر مجلسه متكئ.
فقلت: يقوم إلى أبي ويتلقّاه فلم يقم. فقلت: يستوى جالسا إذا دنا، فلم يفعل فقلت: يدعو له بمصلّى فلم يفعل.
قال: فقعد أبي بين يديه على البساط وهو متكئ، فجعل يسائله عن مسيره وسفره وحاله، وجعل أبي يتوقّع أن يسأله عمّا كان منه في أمر المهديّ وتجديده بيعته، فأعرض عن ذلك، فذهب أبي يبتدئ بذكره فقال:
« قد بلغنا نبأكم. » قال: فذهب أبي لينهض، فقال له: