









خلافة المهدي
وفي هذه السنة بويع للمهديّ واسمه محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس.
ودخلت سنة تسع وخمسين ومائة
وفيها أمر المهديّ بإطلاق من كان في سجن المنصور، إلّا من كان قبله تباعة في دم أو قتل، أو من كان معروفا بالسعي في الأرض بالفساد وكان لأحد قبله مظلمة أو حقّ، فأطلقوا.
وكان ممّن أطلق من المطبق يعقوب بن داود مولى بنى سليم، وكان معه في ذلك الحبس محبوسا الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام فلم يطلق.
وارتفع يعقوب بن داود واختصّ بالمهديّ حتى سمّاه أخا في الله.
ذكر السبب في ذلك
لمّا أطلق يعقوب بن داود ولم يطلق الحسن بن إبراهيم ساء ظنّ الحسن وخاف على نفسه فالتمس مخرجا لنفسه وخلاصا، فبعث إلى بعض ثقاته فحفر له سربا من موضع مسامت للموضع الذي هو فيه محبوس.
وكان يعقوب بن داود بعد أن أطلق يطيف با بن علّاثة وهو قاضى المهديّ بمدينة السلام ويلزمه حتى أنس به، وعرف يعقوب ما عزم عليه الحسن بن إبراهيم من الهرب، فأتى ابن علّاثة فأخبره أنّ عنده نصيحة للمهديّ، وسأله إيصاله إلى أبي عبيد الله، فسأله عن تلك النصيحة، فأبى أن يخبره وحذّره فوتها، فانطلق ابن علّاثة إلى أبي عبيد الله، فأخبره خبر يعقوب وما جاءه به، فأمر بإدخاله عليه.
فلمّا دخل سأله إيصاله إلى المهدي ليورد عليه النصيحة التي له عنده، فأدخله عليه، فلمّا دخل على المهديّ، شكر له بلاءه عنده في إطلاقه إيّاه، ثم أخبره أنّ له عنده نصيحة، فسأله عنها بمحضر من أبي عبيد الله وابن علّاثة، فاستخلاه منهما، فأعلمه المهديّ ثقته بهما، فأبى أن يبوح له بشيء حتى يقوما، فأقامهما، فأخلاه، فأخبره خبر الحسن بن إبراهيم وما أجمع به، وإنّ ذلك كائن من ليلته المستقبلة. فوجّه المهديّ من وثق به ليأتيه بخبره فأتاه بتحقيق ما أخبره به يعقوب، فأمر بتحويله إلى نصير، فلم يزل في حبسه إلى أن احتال أو أحتيل له، فخرج هاربا وافتقد فشاع هربه، فطلب فلم يظفر به، وتذكّر المهديّ دلالة يعقوب إيّاه كانت عليه، فرجا عنده من الدلالة عليه مثل الذي كان منه في أمره، فسأل أبا عبيد الله عنه، فأخبره أنّه حاضر. وقد كان لزم أبا عبيد الله فدعا به المهديّ خاليا فذكر له ما كان من فعله في أمر الحسن بن إبراهيم أولّا، ونصحه له فيه، وأخبره بما حدث من أمره، فأخبره يعقوب أنّه لا علم له بمكانه، وأنّه إن أعطاه أمانا يثق به، ضمن له أن يأتيه به، على أن يتمّ له على أمانه ويصله ويحسن إليه. فأعطاه المهديّ ذلك في مجلسه وضمنه له.
فقال له يعقوب:
« فاله يا أمير المؤمنين عن ذكره، ودع طلبه، فإنّ ذلك يوحشه، ودعني وإيّاه حتى أحتال له فآتيك به. » قال يعقوب:
« يا أمير المؤمنين، قد بسطت عدلك لرعيّتك وأنصفتهم وعممتهم بخيرك وفضلك، فعظم رجاؤهم، وانفسحت آمالهم، وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لم تدع النظر فيها بمثل ما فعلت في غيرها، وأشياء مع ذلك وخلف بابك يعمل بها لا تعلمها، فإن جعلت لي السبيل إلى الدخول عليك، وأذنت لي في رفعها إليك، فعلت. » فأعطاه المهديّ ذلك وجعله إليه وصيّر سليما الخادم الأسود خادم المنصور سببه [ فى ] إعلام المهديّ بمكانه كلّما أراد الدخول. فكان يعقوب يدخل على المهديّ ليلا ويرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وتزويج العزّاب وفكاك الأسارى والمحبّسين والقضاء على الغارمين والصدقة على المتعفّفين. فحظى بذلك عنده وربما رجا أن ينال به من الظفر بالحسن بن إبراهيم، واتخذه أخا في الله وأخرج بذلك توقيعا ثبت في الدواوين ووصله بمائة ألف، وكانت أوّل صلة وصله بها، فلم تزل منزلته تنمى وتعلو صعدا إلى أن صيّر الحسن بن إبراهيم في يد المهديّ.
تحرك الشيعة ووجوه أهل خراسان
وفي هذه السنة تحرّك قوم من الشيعة ووجوه أهل خراسان، وسعوا في خلع عيسى بن موسى وتصيير ولاية العهد لموسى بن المهديّ. فكتب المهديّ إلى عيسى بن موسى وهو بالكوفة، في القدوم عليه. فأحسّ عيسى بما يراد منه، فامتنع حتى خشي من انتقاضه وألحّ المهديّ عليه حتى كتب إليه:
« إنّك إن امتنعت من المجيء استحللت منك لمعصيتك ما يستحلّ من العاصي، وإن أجبتنى وخلعت نفسك حتى أبايع لموسى وهارون عوّضتك ما هو أجدى عليك وأعجل نفعا. » فأجابه فبايع لهما، وأمر له بعشرة آلاف ألف، ويقال بعشرين ألف ألف وقطائع كثيرة.
فامتنع وراوغ، فوجّه إليه محمّد بن فرّوخ وهو أبو هريرة القائد في ألف رجل من أصحابه ذوي البصائر في التشيّع، وجعل مع كلّ رجل منهم طبلا، وأمرهم أن يضربوا جميعا بطبولهم عند قدومهم الكوفة، فدخلها ليلا في وجه الصبح، فضرب أصحابه بطبولهم، فراع ذلك عيسى بن موسى روعا شديدا. ثم دخل عليه أبو هريرة فأمره بالشخوص، فاعتلّ بالشكوى، فلم يقبل ذلك منه وأشخصه من ساعته إلى مدينة السلام.
ودخلت سنة ستين ومائة
قدوم عيسى بن موسى
وفيها قدم عيسى بن موسى مع أبي هريرة لستّ خلون من المحرّم، وأقام أيّاما يختلف إلى المهديّ على رسمه لا يكلّم ولا يرى جفوة ولا مكروها حتى أنس بعض الأنس. ثم حضر الدار يوما قبل جلوس المهديّ، فدخل مجلسا كان يكون للربيع في مقصورة صغيرة عليها باب، وقد اجتمع رؤساء الشيعة في ذلك اليوم على خلعه والوثوب به، ففعلوا ذلك وضربوا الباب بجرزهم وعمدهم، فهشموا الباب وكادوا يكسرونه، وشتموه أقبح شتم، وأظهر المهديّ إنكارا لذلك فلم يزعهم ذلك، بل زادوا إلى أن كاشفه ذوو الأسنان من قومه وأهل بيته بحضرة المهديّ وأبوا إلّا خلعه وشتموه في وجهه وكان أشدّهم عليه محمّد بن سليمان.
فلمّا رأى المهديّ ذلك من رأيهم، أمر عيسى بموافقتهم، ودعاه إلى الخروج ممّا له من العهد في أعناق المسلمين وتحليلهم منه، فأبى، وذكر أنّ عليه أيمانا محرّجة في ماله وأهله فأحضر له من الفقهاء والقضاة، منهم محمّد بن عبد الله بن علاثة وغيره من أفتاه بأن يبتاع أمير المؤمنين ما له في أعناق الناس بما له فيه رضاه ممّا يخرج منه من ما له لما يلزمه من الحنث في يمينه، وهو عشرة آلاف ألف درهم، وضياع بالزاب الأعلى وكسكر، فقبل ذلك عيسى وخلع نفسه على المنبر، وبويع لموسى بعد المهديّ.
وكتب عليه بذلك كتاب قرئ عليه بحضرة الأشراف والقضاة والعدول، فاعترف به، وبذل خطّه فيه وشهد فيه أربعمائة وثلاثون رجلا من بنى هاشم والصحابة من قريش والموالي والوزراء والكتّاب والقضاة.
حج المهدي وما كان منه في مكة والمدينة
وفي هذه السنة حجّ المهديّ بالناس وحجّ معه ابنه هارون وجماعة من أهل بيته. وكان ممّن شخص معه يعقوب بن داود على منزلته الرفيعة التي كانت عنده، فأتاه حين وافى مكّة بالحسن بن إبراهيم بن عبد الله الذي كان استأمن له، فأحسن المهديّ صلته وجائزته وأقطعه مالا من الصوافي بالحجاز.
وفيها نزع المهديّ كسوة الكعبة التي كانت عليها، وكساها كسوة جديدة، وذلك أنّ حجبة الكعبة رفعوا إليه أنّهم يخافون أن تنهدم لكثرة ما عليها من الكسوة، فأمر بتنحية ما عليها حتى بقيت مجرّدة ثم طلى البيت بالخلوق وكسى.
وحكى أنّهم لمّا بلغوا إلى كسوة هشام وجدوها ديباجا ثخينا جدا، ووجدوا كسوة من كان قبله عامّتها من متاع اليمن.
وقسّم المهديّ في هذه السنة مالا عظيما في أهل مكّة والمدينة. فذكر أنّه قسّم في تلك السفرة ثلاثين ألف ألف درهم حملت معه ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، فوهب ذلك كلّه وفرّق من الثياب مائة ألف وخمسين ألف ثوب، ووسّع مسجد رسول اللهوأمر بنزع المقصورة التي في المسجد فنزعت وأراد أن ينقض منبر رسول الله
فيعيده إلى ما كان عليه ويلقى منه ما كان معاوية زاد فيه، فشاور في ذلك مالك بن أنس، فقيل له:
« إنّ المسامير قد سلكت في الخشب الذي أحدثه معاوية في الخشب الأوّل وهو عتيق ولا نأمن إن خرجت المسامير التي فيه وزعزعت أن ينكسر، فتركه المهديّ على ذلك.
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة
خروج المقنع بخراسان
وفيها خرج حكيم المقنّع بخراسان، وكان يقول بتناسخ الأرواح، فاستغوى بشرا كثيرا، وقوى وسار إلى ما وراء النهر، فوجّه المهديّ لقتاله عدّة من قوّاده فيهم معاذ بن مسلم، وهو يومئذ على خراسان، ثم أفرد المهديّ لمحاربته سعيدا الحرشيّ، وضمّ إليه هولاء القوّاد. وابتدأ المقنّع بجمع الطعام في قلعة بكسّ عدّة للحصار.
ظفر بشر بعبد الله بن مروان
وفيها ظفر بشر بن محمّد بن الأشعث الخزاعي بعبد الله بن مروان بالشام فقدم به على المهديّ فجلس المهديّ مجلسا عامّا في الرصافة وقال:
« من يعرف هذا؟ » فقام عبد العزيز بن مسلم العقيلي فصار معه قائما ثم قال له:
« أبا الحكم؟ » قال: « نعم. » قال: « كيف كنت بعدي؟ » ثم التفت إلى المهديّ فقال:
« نعم يا أمير المؤمنين، هذا عبد الله بن مروان. » فعجب الناس من جرأته ولم يعرض له المهديّ بشيء. ثم جاء بعد ذلك بأيّام عمرو بن سهلة الأشعري فادّعى أنّ عبد الله بن مروان قتل أباه وكثرت الحيل على عبد الله بن مروان. فقدّم عمرو بن سهلة عبد الله بن مروان إلى عافية القاضي وادّعى عليه، فتوجّه الحكم أن يقاد به، وأقام عليه البيّنة. فلمّا كاد الحكم يبرم، جاء عبد العزيز بن مسلم العقيلي إلى عافية القاضي يتخطّى رقاب الناس حتى صار إليه فقال:
« يزعم عمرو بن سهلة أنّ عبد الله بن مروان قتل أباه. كذب والله، ما قتل أباه غيري أنا، قتلته بأمر مروان، وعبد الله بن مروان من دمه بريء. » فزالت عن عبد الله بن مروان ولم يعرض المهديّ لعبد العزيز بن مسلم، لأنّه قتله بأمر مروان. وفيها أمر المهديّ يعقوب بن داود بتوجيه الأمناء من قبله إلى جميع الآفاق، ففعل. وكان لا ينفذ للمهديّ كتاب إلى عامل فيجوز حتى يكتب يعقوب إلى ثقته وأمينه بإنفاذ ذلك.
واتّضعت منزلة أبي عبيد الله وزير المهديّ
ذكر السبب في ذلك
كان الربيع يخلف أبا عبيد الله عند المنصور بجميل أيّام مقامه بالريّ مع المهديّ وكان الموالي يسعون أبا عبيد الله عند المهديّ، فكان أبو عبيد الله يخاف تغيّر رأى المهديّ له، فيكتب إلى الربيع دائما ولا ينقطع رسله عنه، فلا يزال الربيع يذكره بجميل عند المنصور ويعلمه ثقته وكفايته ويتنجّز له الكتب من المنصور إلى المهديّ بالوصاة به وترك قبول قول الموالي فيه.
قال الفضل بن الربيع: فلمّا حجّ أبي مع المنصور في السنة التي مات فيها، وقام أبي بما فام به من أمر البيعة وتلافيه بنفسه تلك الأمور وتجديده البيعة للمهديّ على أهل بيت أمير المؤمنين والقوّاد والموالي وقدم، تلقّيته بعد المغرب، فلم أزل معه حتى تجاوز منزله وترك دار أمير المؤمنين ومضى إلى أبي عبيد الله فقلت له:
« تترك أمير المؤمنين وتأتى أبا عبيد الله؟ » فقال: « يا بنيّ هو وزير الرجل، وليس ينبغي أن نعامله بما كنّا نعامله به ولا نحاسبه بما كان منّا في أمره ونصرتنا له. » قال: فمضينا حتى أتينا باب أبي عبيد الله. فما زال واقفا حتى صلّيت العتمة فخرج الحاجب فقال:
« ادخل. » فثنى رجله وثنيت رجلي فقال:
« إنّما استأذنت لك وحدك يا با الفضل. » قال: « فاذهب وأخبره أنّ الفضل معي ثم اقبل عليّ. » فقال: « وهذا أيضا من ذاك. » فخرج الحاجب فأذن لنا جميعا، فدخلنا وإذا أبو عبيد الله في صدر مجلسه متكئ.
فقلت: يقوم إلى أبي ويتلقّاه فلم يقم. فقلت: يستوى جالسا إذا دنا، فلم يفعل فقلت: يدعو له بمصلّى فلم يفعل.
قال: فقعد أبي بين يديه على البساط وهو متكئ، فجعل يسائله عن مسيره وسفره وحاله، وجعل أبي يتوقّع أن يسأله عمّا كان منه في أمر المهديّ وتجديده بيعته، فأعرض عن ذلك، فذهب أبي يبتدئ بذكره فقال:
« قد بلغنا نبأكم. » قال: فذهب أبي لينهض، فقال له:
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني










« يا غلام، أخرج إلينا ما في هذا البيت. » قال: ففتح بابه عن العلوي وصاحبيه والمال بعينه.
قال: فبقيت متحيّرا وسقط في يدي، وامتنع مني الكلام، فما أدري ما أقول.
قال: فقال المهديّ:
« لقد حلّ لي دمك لو آثرت إراقته، لكن احبسوه في المطبق. »
فأتّخذ لي فيه بئر، فدلّيت فيها فكنت كذاك طول مدّة لا أعرف عددها، وأصبت ببصرى وطال شعري واسترسل كهيئة شعور البهائم. قال: فإني لكذلك إذ دعى بي، فمضيت وحملت إلى حيث لا أعلم أين هو، فلم أعد أن قيل لي:
« سلّم على أمير المؤمنين. » فسلّمت. قال:
« أيّ أمير المؤمنين أنا؟ » قلت: « المهديّ. » قال: « رحم الله المهديّ » قلت: « الهادي. » قال: « رحم الله الهادي. » قلت: « الرشيد. » قال: « نعم. » قلت: « ما أشكّ في وقوف أمير المؤمنين على خبري وعلّتى وما تناهت إليه حالي. » قال: « أجل، كلّ هذا قد عرف أمير المؤمنين، فسل حاجتك. » قال: قلت: « المقام بمكّة. » قال: « نفعل ذاك، فهل غير ذاك؟ » قال: قلت:
« ما بقي فيّ مستمتع لشيء ولا بلاغ. » قال: « فراشدا. »
قال: فخرجت، فكان وجهى إلى مكّة.
قال ابنه ولم يزل بمكّة ولم تطل أيّامه بها حتى مات.
ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة
ولم يجر فيها على ما بلغنا شيء يستفاد منه تجربة.
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة
وتلك سبيلها
ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة
وفيها كانت وفاة المهديّ سبب وفاة المهديّ
وكان سبب ذلك أنّه كان عزم على تقديم ابنه هارون على ابنه موسى، فبعث إليه وهو بجرجان يحارب ونداذهرمز وشروين صاحبي طبرستان. وكان وجّهه المهديّ في جيش كثيف لم ير مثله وهيئة لم ير أحسن منها، فلمّا استدعاه علم ما يريد منه، فأبى عليه، فبعث إليه رسولا من الموالي، فضربه موسى، فخرج المهديّ بسبب موسى فتوفّى في طريقه.
واختلف في سبب وفاته، فذكر عن واضح قهرمانه أنّه قال:
خرج المهديّ يتصيّد بماسبذان بقرية يقال لها: الرّذّ، فطردت الكلاب صيدا وأظنّه قال ظبيا، فلم يزل يتبعها، فاقتحم الظبي باب خربة واقتمحت الكلاب واقتحم الفرس خلف الكلاب فدقّ ظهره في باب الخربة فمات من ساعته.
وذكر غيره: أنّ المهديّ كان جالسا في علية قصر بما سبذان يشرف من منظرة فيها على سفله، وكانت جاريته حسنة قد عمدت إلى كمثّرى كبير فجعلته في صينية وسمّت واحدة منها وهي أحسنها وأنضجها بأن نزعت فمعها الذي في أسفلها وأدخلت فيه سمّا، ثم ردّت القمع فيه ووضعتها على أعلى الصينية.
وكان المهديّ يعجبه كمّثرى وأرسلت بذلك مع وصيفة لها إلى جارية للمهديّ كان يتحظّاها، تريد بذلك قتلها، فلمّا مرّت الوصيفة بالصينيّة التي أرسلتها حسنة رآها المهديّ من المنظرة فدعاها ومدّ يده إلى الكّمثراة التي في أعلى الصينيّة وهي المسمومة، فأكلها فلمّا وصلت إلى الجوف صرخ: « جوفي! » وسمعت حسنة الصوت وأخبرت الخبر، فجاءت تلطم وجهها وتبكى وتقول:
« أردت أن أتفرّد بك، فقتلتك يا سيّدي. » فمات من يومه.
وكانت خلافته عشر سنين وكسرا، ومات وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ولم يوجد له جنازة يحمل عليها، فحمل على باب ودفن تحت جوزة.
ذكر بعض سيره
كان المهديّ إذا جلس للمظالم قال:
« أدخلوا عليّ القضاة، فلو لم يكن ردّى المظالم إلّا للحياء منهم [ لكفى ]. » وجلس المهديّ يوما يعطى جوائز تقسم بحضرته في خاصّه من أهل بيته وقوّاده، فكان تقرأ عليه الأسماء فيأمر بزيادة عشرة آلاف وعشرين ألفا وما أشبه ذلك. فعرض عليه بعض القوّاد فقال:
« هذا يحطّ خمسمائة درهم. » قال: « لم حططتنى يا أمير المؤمنين؟ » قال: « لأنّى وجّهتك إلى عدّو لنا فانهزمت. » قال: « كان يسرّك أن أقتل ولا ينفعك؟ » قال: « لا. » قال: « فو الله الذي أكرمك بالخلافة لو ثبتّ لقتلت. » فاستحى منه المهديّ وقال:
« زده خمسمائة آلاف درهم. »
مسور والمهدي بين يدي القاضي
وتحدّث مسور بن مساور قال: ظلمني وكيل للمهديّ وغصبني ضيعة لي فأتيت سلّاما صاحب المظالم فتظلّمت، فأوصل لي رقعة إلى المهديّ وعنده عمّه العبّاس بن محمّد، وابن علاثة القاضي وعافية القاضي. قال: فقال لي المهديّ:
« ادن. » فدنوت.
فقال: « ما تقول؟ » قلت: « ظلمتني. » قال: « فترضى بأحد هذين. »
قال: قلت: « نعم. » قال: « فادن مني. » فدنوت منه حتى التزقت بالفراش.
قال: « تكلّم. » قلت: « أصلح الله القاضي، إنّه ظلمني في ضيعتي. » فقال القاضي: « ما تقول يا أمير المؤمنين؟ » قال: « ضيعتي وفي يدي. » قال: قلت: « أصلح الله القاضي، سله، صارت الضيعة إليه قبل الخلافة أو بعدها؟ » قال: فسأله « ما تقول يا أمير المؤمنين؟ » قال: « صارت إليّ بعد الخلاقة. » قال: « فأطلقها له. » قال: « قد فعلت. » فقال العبّاس: « والله يا أمير المؤمنين، لهذا المجلس أحبّ إليّ من عشرين ألف ألف درهم. »
وصية عجيبة تعرض على المهدي
وقال أبو الخطّاب: لمّا حضرت القاسم بن مجاشع التميميّ من أهل مرو الوفاة، أوصى إلى المهديّ، فكتب: « شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الْإِسْلامُ... » ثم كتب:
« والقاسم بن مجاشع يشهد بذلك، ويشهد أنّ محمّدا عبده ورسولهوأنّ عليّ بن أبي طالب،
، وصيّه ووارث الإمامة بعده. » قال: فعرضت الوصيّة على المهديّ، فلمّا بلغ هذا الموضع رمى بها ولم ينظر فيها.
قال: فلم يزل ذلك في قلب أبي عبيد الله. فلمّا حضرته الوفاة كتب في وصيّته هذه الآية. وقال المهديّ يوما: ما توسّل إليّ أحد بوسيلة ولا تذرّع بذريعة هي أقرب من تذكيره إيّاى يدا سلفت مني إليه أتبعها أختها فأحسن ربّها لأنّ منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.
خلافة موسى الهادي
وفي هذه السنة بويع لموسى الهادي بما سبذان.
ذكر رأي سديد رآه خالد بن يحيى في تلك الحال
اجتمع القوّاد ووجوه الموالي إلى هرون يوم توفى المهديّ، فقالوا له:
« إن علم الجند بوفاة المهديّ لم نأمن الشغب، والرأي أن تتحرّك وتنادى في الجند وبالقفل، حتى تواريه ببغداد. » فقال هرون:
« ادعوا إليّ أبي يحيى بن خالد. » وكان المهديّ ولّى هارون المغرب كلّه من الأنبار إلى افريقية، وأمر يحيى بن خالد أن يتولّى ذلك، فكانت إليه أعماله ودواوينه إلى أن توفّى. فصار يحيى بن خالد إلى هارون فقال له:
« يا أبه، ما تقول فيما يقول عمر بن بزيع ونصير والمفضّل؟.
قال: « وما قالوا؟ » فأخبره. قال:
« ما أرى ذلك. » قال: « ولم؟ » قال: « لأنّ هذا لا يخفى، ولا آمن إذا علم الجند أن يتعلّقوا بمحمله ويقولوا لا نخلّيه حتى نعطى لثلاث سنين ويتحكّموا ويشتطّوا، ولكن أرى أن يوارى، رضي الله عنه، هاهنا ويوجّه نصير إلى أمير المؤمنين الهادي بالخاتم والقضيب والتهنئة والتعزية، فإنّ البريد إلى نصير، فلا ينكر خروجه أحد إذا كان على بريد الناحية، وأن تأمر لمن معك من الجند بجوائز مائتين مائتين وتنادى فيهم بالقفول، فإنّهم إذا قبضوا الدراهم لم يكن لهم همّة سوى أهاليهم وأوطانهم ولا عرجة على شيء دون بغداد. » قال: ففعل ذلك. وصاح الجند لمّا قبضوا الدراهم:
« بغداذ، بغداذ. » ينادون إليها ويبعثون على الخروج من ماسبذان. فلمّا وافوا بغداد وعلموا خبر الخليفة، صاروا إلى باب الربيع فأحرقوه، وطالبوا بالأرزاق وضجّوا.
قدوم هارون بغداد
وقدم هارون بغداذ. فبعثت الخيزران إلى الربيع وإلى يحيى بن خالد تشاورهما في ذلك، فأمّا الربيع، فدخل عليها، وأمّا يحيى فلم يفعل ذلك لعلمه بشدّة غيرة موسى.
قال: وجمعت الأموال حتى أعطى الجند لسنتين فسكنوا. وبلغ الخبر الهادي، فكتب إلى الربيع كتابا يتوعّده فيه، وكتب إلى يحيى يجزّيه الخير ويأمره أن يقوم من أمر هارون بما لم يزل يقوم به وأن يتولّى أموره وأعماله على ما لم يزل يتولّاه.
قال: فبعث الربيع إلى يحيى بن خالد، وكان يودّه ويثق به ويعتمد على رأيه:
« يا با عليّ، ما ترى، فإنّه لا صبر لي على جرّ الحديد. » قال:
« أرى ألّا تبرح موضعك وأن توجّه الفضل ابنك ليستقبله ومعه من الهدايا والطرف ما أمكنك، فإني لأرجو ألّا يرجع إلّا وقد كفيت ما تخاف إن شاء الله. » ولمّا قدم هارون كان الجند قد شغبوا على الربيع، وأخرجوا من كان في حبسه. وكان العبّاس بن محمّد، وعبد الملك بن صالح، ومحرز بن إبراهيم، حضروا ورأوا أن يرضوا ويطيّب بأنفسهم وتفرّق جماعتهم بإعطاءهم أرزاقهم، فبذل ذلك لهم، فلم يرضوا ولم يثقوا بما ضمن لهم من ذلك حتى ضمنه محرز بن إبراهيم، فقنعوا بضمانه فتفرّقوا. فوفى لهم وأعطوا رزق ثمانية عشر شهرا.
وأخذ هارون البيعة لموسى الهادي وله بولاية العهد من بعده وضبط أمر بغداذ.
ثم قدم الهادي وكان في نفسه على الربيع ما ذكرناه ومن إعطائه الجنود قبل قدومه. ولمّا وجّه الربيع ابنه الفضل فتلقّاه بما أعدّ له من الهدايا بهمذان، أدناه وقرّبه وقال:
« كيف خلّفت مولاي؟ » فكتب بذلك إلى أبيه، فاستقبله الربيع، فعاتبه الهادي، فاعتذر إليه وأعلمه السبب الذي دعاه إلى ذلك، وولّاه الوزارة مكان عبد الله بن زياد بن أبي ليلى، وضمّ إليه ما كان عمر بن بزيع يتولّاه من الزمام.
وهلك الربيع في هذه السنة.
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني










ثم دخلت سنة سبعين ومائة
وفيها كانت وفاة موسى الهادي وكانت وفاته من قبل جوار لأمّه الخيزران كانت أمر تهنّ بقتله.
ذكر السبب في ذلك وما حملها على قتل ابنها
لمّا صارت الخلافة إلى الهادي، كانت الخيزران تفتات عليه في أموره وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهى فأرسل إليها:
« لا تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاذة التبذّل، فإنّه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك، وعليك بصلاتك وسبحتك، ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك. » وكانت كثيرا ما تكلّمه في أمر الحوائج، فكان يجيبها إلى كلّ ما تسأل، حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته، وانثال الناس عليها وطمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إلى بابها. فكلّمته يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها فيه سبيلا، فاعتلّ بعلّة.
فقالت: « لا بدّ من إجابتى. » قال: « لا أفعل. » قالت: « فإني قد تضمّنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك. » قال: فغضب موسى وقال:
« ويلي على ابن الفاعلة، قد علمت أنّه صاحبها، والله لا قضيتها لك. »
قالت: « إذا والله لا أسألك حاجة أبدا. » قال: « إذا والله لا أبالى. » وحمى وغضب فقامت مغضبة، فقال:
« مكانك تستوعبى كلامي والله وإلّا فإني نفيّ من قرابتي من رسول اللهلئن بلغني أنّه وقف ببابك أحد من قوّادى أو أحد من خاصّتى وخدمي لأضربنّ عنقه ولأقبضنّ ماله، فمن شاء فليرم ذلك. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كلّ يوم؟ أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكّرك، أو بيت يصونك؟ إيّاك، ثم إيّاك، ما فتحت بابك لملّيّ أو ذمّيّ. » فانصرفت وهي لا تعقل ما تطأ، فلم تنطق عنده بحلوة ولا مرّة بعدها.
فحكت خالصة: أنّه لمّا صارت الخلافة إلى الهادي، صرت إليه وقلت له:
« إنّ أمّك تستكسيك. » فأمر لها بخزانة مملوّة كسوة. قالت: ووجد للخيزران في منزلها من قراقر الوشي ثمانية عشر ألف قرقرة.
وحكى بعضهم: أنّه سمع خالصة تقول للعبّاس بن الفضل بن الربيع: بعث موسى إلى أمّه الخيزران بأرزّة وقال:
« استطبتها. » وذلك بعد سخطه عليها، وذكر أنّه أكل منها فتنغّص لها.
قالت خالصة: فقلت لها:
« أمسكى حتى تنظرى، فإني أخاف أن يكون فيها شيء تكرهينه. » فجاؤوا بكلب، فأكل منها فتساقط لحمه. فأرسل إليها بعد ذلك:
« كيف رأيت الأرزّة؟ » قالت: « وجدتها طيّبة. » فقال: « لم تأكلى، ولو أكلت كنت استرحت منك، متى أفلح خليفة له أمّ! » ثم إنّ الهادي جمع قوّاده يوما وذلك أعياه أمر الأمّ فقال لهم:
« أيّما خير: أنا أم أنتم؟ » قالوا: « بل أنت يا أمير المؤمنين. » قال: « فأيمّا خير: أمي أم أمّهاتكم؟ » قالوا: « بل أمّك يا أمير المؤمنين. » قال: « فأيّكم يحبّ أن يتحدّث الرجال بخبر أمّه فيقولوا فعلت أمّ فلان، وصنعت أمّ فلان، وقالت أمّ فلان؟ » فقالوا: « ما أحد منّا يحبّ ذلك. » قال: « فما بال رجال يأتون أمي فيتحدّثون إليها ثم ينقلون حديثها؟ » فلمّا سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتّة. فشقّ ذلك عليها، فاعتزلته وحلفت ألّا تكلّمه، فما دخلت إليه حتى حضرته الوفاة.
موسى يهم بخلع أخيه هارون
وهمّ موسى بخلع أخيه هارون، ثم جدّ فيه. وكان يحيى بن خالد بن برمك يلي لهارون أعمال المغرب، فلمّا جدّ موسى الهادي في البيعة لابنه جعفر بن موسى وتابعه القوّاد مثل يزيد بن مزيد، وعبد الله بن مالك، وعلي بن عيسى، ومن أشبههم، وخلعوا هارون ودسّوا إلى الشيعة، فتكلّموا في أمره وتنقّصوه، وقالوا: لا نرضى به، وظهر ذلك، أمر الهادي ألّا يسار قدام الرشيد بحربة. فاجتنبه الناس وتركوه، فلم يكن يجترئ أحد أن يسلّم عليه ولا يقربه.
وكان يحيى بن خالد يقوم بأنزال الرشيد وينزل منه منزلة الوالد ويسّميه أبي. فكان يشير عليه بأن يدافع ولا يستجيب للخلع. فسعى بيحيى إلى الهادي، وقيل له: إنّه ليس عليك من هارون خلاف، وإنّما يفسده يحيى، فابعث إليه وتهدّده بالقتل وارمه بالكفر. فبعث الهادي إلى يحيى ليلا، فيئس من نفسه، وودّع أهله وتحنّط وجدّد ثيابه ولم يشكّ أنّه يقتله. فلمّا أدخل عليه قال:
« يا يحيى ما لي ولك؟ » قال: « أنا عبدك يا أمير المؤمنين، فما يكون من العبد إلى مولاه إلّا طاعته! » قال: « لم تدخل بيني وبين أخي وتفسده عليّ؟ » قال: « يا أمير المؤمنين، من أنا حتى أدخل بينكما، إنّما صيّرنى المهديّ معه وأمرنى بالقيام بأمره، ثم أمرتنى بذلك، فانتهيت إلى أمرك. » قال: « فما الذي صنع هارون؟ » قال: « ما صنع شيئا ولا عنده شيء. » فسكن غضبه.
وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع. فقال له يحيى:
« لا تفعل. » قال هارون: « أليس تترك لي الهنيئة والمريئة فهما يسعاننى وأعيش. فقال يحيى:
« وأين الهنيئة والمريئة من الخلافة، ولعلّك الا يترك هذا في يدك. » وكان يحيى ينادم الهادي بعد ذلك، فكلّمه الهادي في أمر الرشيد وخلعه، فقال:
« يا أمير المؤمنين، إنّك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر من بعده كان ذلك أوكد لبيعته. » قال: « لقد صدقت ونصحت، ولى في هذا الأمر تدبير. » وكان محمّد بن يحيى بن خالد يقول: كان أبي يقول: ما كلّمت أحدا من الخلفاء أعقل من موسى. وقال: كان حبسني موسى الهادي على ما أراده من خلع الرشيد، فرفعت إليه رقعة: إنّ عندي نصيحة. فدعاني، فقال لي:
« هات ما عندك. » فقلت: « أخلنى. » فأخلاني، فقلت:
« يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان الأمر الذي أسأل الله أن لا نبلغه وأن يقدّمنا قبله، أتظنّ أنّ الناس يسلّمون لجعفر وهو لم يبلغ الحنث أو يرضون به لصلاتهم وحجّهم وغزوهم؟ » قال: « والله ما أظنّ ذلك. » قلت:
« فتأمن يا أمير المؤمنين أن يسمو إليها أكابر أهلك وجلّتهم مثل فلان وفلان، ثم يطمع فيها غيرهم فيخرج من ولد أبيك؟ » فأطرق ثم قال:
« نبّهتنى يا يحيى على أمر لم أكن أنتبه له. » قال: فقلت:
« لو أنّ هذا الأمر لم يعقد لأخيك، أما كان ينبغي أن تعقده له؟ فكيف بأن تحلّه وقد عقده المهديّ، ولكن تقرّ الأمر يا أمير المؤمنين على حاله، فإذا بلّغ جعفر وبلغ الله به أتيته بالرشيد، فخلع نفسه له، وكان أوّل من يبايعه ويعطيه صفقة يده. » فقبل الهادي قوله وأطلقه.
فلمّا كان بعد أيّام، خرج موسى الهادي إلى الحديثة حديثة الموصل فمرض بها، فانصرف بعد ما كتب إلى جميع عمّاله شرقا وغربا بالقدوم عليه، فلمّا ثقل اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه فقالوا:
« إن صار الأمر إلى يحيى قتلنا ولم يستبقنا. » وتآمروا على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادي فيضرب عنقه. ثم قال بعضهم:
« فإنّ أمير المؤمنين ما بلغ حدّ اليأس منه، فلعلّه يفيق من مرضه، فما عذرنا عنده؟ » فأمسكوا.
ثم بعثت الخيزران إلى جواريها بالجلوس على وجهه وغمّه حتى يموت، لأنّها أشفقت أن يفيق فيخلع هارون، ففعلن ذلك. وبعثت إلى يحيى تعلمه أنّ الرجل لما به فجدّ في أمرك ولا تقصّر. فأمر يحيى بإحضار الكتّاب، فحضروا وجمعوا في منزل الفضل بن يحيى، فكتبوا ليلتهم كتبا من الرشيد إلى العمّال بوفاة الهادي وأنّه قد ولّاهم الرشيد ما كانوا يلون. ولمّا أصبحوا أنفذوها على البرد.
رواية أخرى في سبب قتل موسى الهادي
وقد روى عن هرثمة بن أعين في موت الهادي ما رواه عليّ بن هشام المعروف بأبي قيراط عن محمّد بن أحمد بن الفضل الجرجرائي المعروف بقلنسوة، وكان وزير المتوكّل، قال: حدّثني خالي الحسن بن رجاء بن أبي الضحّاك. قال: حدّثني الحسن بن سهل قال: حدّثني أبو خاتم هرثمة بن أعين بمرو قال: كنت اختصصت بموسى الهادي، وكنت مع ذلك شديد الحذر منه لإقدامه على الدماء، فاستدعاني في نصف نهار يوم شديد الحرّ قبل أكلى، فارتعت وبادرت إليه فأدخلت من دار إلى دار حتى قرّبت من دار حرمه. ثم نحّى عنّا جميع من كان بحضرته وقال لي:
« اخرج، فأغلق باب هذه الحجرة وعد إليّ. » فازددت جزعا وفعلت وعدت، فقال:
« قد تأذيّت بهذا الكلب الملحد يحيى بن خالد، ليس له شغل إلّا تضريب الرجال عليّ واجتذابهم إلى صاحبه هارون. يريد أن يقتلني ويسوق الخلافة إليه، وأريد منك أن تمضى الليلة إلى هارون فتقبض عليه وتجيئني برأسه، إمّا أن تحتاط في التدبير حتى لا يفوتك وتفعل ذلك به في دارك أو تخرجه من داره برسالة مني تستدعيه فيها إلى حضرتى، ثم تعدل به إلى حيث تقتله فيه وتجيئني برأسه. » فورد عليّ أمر عظيم وقلت:
« يأذن أمير المؤمنين في الكلام؟ » قال: « قل. »
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني










قلت: « يا أمير المؤمنين، أخوك وابن أمّك وأبيك وله عهد بعدك، فكيف يكون صورتنا عند الله أوّلا، ثم عند الناس؟ » قال: « عليك أن تسمع لي وتطيع، وإلّا ضربت عنقك. » فقلت: « السمع والطاعة. » قال: « وإذا فرغت من هذا أخرجت جميع الطالبيين من الحبس فضربت أعناقهم وغرّقت من يبقى إن كثر عددهم. » فقلت: « السمع والطاعة. » قال: « ثم ترحل إلى الكوفة بجميع من معك من الجيش وتضمّ إليهم من ترى من الجند المقيمين بالباب فتخرج من تجد فيها من العباسيّين وشيعتهم والعمّال المتصرفين معهم، ثم تنهب ما فيها من الأموال، وتضربها بالنار حتى تحترق هي وجميع من فيها وتخرّبها حتى لا يبقى لها أثر. » فقلت: « يا مولاي، هذا أمر عظيم، ففكّر فيه. » فقال: « لا بدّ من ذلك، فإنّ كلّ آفة ترد على ملكنا إنّما هي من هذه الجهة. » ثم قال: « لا تبرح من مكانك حتى إذا انتصف الليل بدأت بهارون. » فقلت: « سمعا وطاعة. » ونهض من موضعه ودخل إلى دار النساء، وجلست مكاني ولم أشك أنّه قد قبض عليّ وأنّه سيقتلني ويدبّر هذا الأمر على يد غيري لما ظهر له من جزعى في كلّ باب والردّ عليه والتخطئة لرأيه، ثم إجابتى إيّاه كارها، وكنت - يعلم الله - قد عملت على أن أركب فرسي من حضرته وألحق بطرف من الأرض وأخرج من نعمتي وأكون بحيث لا يصل إليّ، حتى يموت أحدنا. فلمّا دخل دار النساء، عرض لي أنّه قبض عليّ ليقتلني لئلا يفشو السرّ، فورد عليّ غمّ شديد وذهب عليّ أمري، فلمّا انتصف الليل جاءني خادم وقال:
« أجب أمير المؤمنين. » فقمت وأنا أتشهّد، ومشيت مع الخادم إلى ممرّ سمعت فيه كلام النساء فقلت: عزم على قتلى بحجّة فهو يدخلني دور الحرم ثم يقول: من أذن لك في الدخول على حرمي. فوقفت، فقال الخادم:
« ادخل. » فقلت: « لا أفعل. » فقال: « ويحك، ادخل. » فصحت وقلت:
« لا والله، ما أدخل حتى أسمع كلام مولاي أمير المؤمنين بالإذن لي في الدخول. » فإذا بامرأة تصيح وتقول:
« ويلك يا هرثمة، أنا الخيزران، وقد حدث أمر عظيم استدعيتك له، فادخل. » فورد عليّ ما لم يكن في حسابي، وتحيّرت ثم دخلت، فإذا بستارة ممدودة، فقالت لي من وراءها:
« إنّ موسى قد مات، وقد أراحك الله والمسلمين منه، فقم فانظر إليه. » فإذا هو مسجّى، فمست مجسّه وقلبه ومناخره فإذا هو ميت.
ثم قالت الخيزران:
« إني كنت بحيث أسمع خطابه لك في أمر ابني هارون وغيره، فلمّا دخل استعطفته، ثم سألته ألّا يفعل ما همّ به، فصاح عليّ، فكشفت له رأسى وبكيت وأقسمت عليه ألّا يفعل، فانتهرنى وقال:
« إن أمسكت، وإلّا ضربت عنقك. » فخفته وقمت وصلّيت وضرعت إلى الله في قبضه إليه، فما كان بأسرع ممّا شرق، فتداركناه بكوز ماء فازداد شرقه حتى تلف. فقم إلى يحيى بن خالد وعرّفه ما كان خاطبك به والخبر كلّه، وعجّل بهارون قبل أن ينتشر الخبر وجدّدا له البيعة. » قال: فقمت، ففعلت ذلك. وما أصبحنا حتى فرغنا من البيعة واستقام أمره وكفاني الله والناس شرّ موسى.
ولمّا أتى الخيزران الخبر بوفاة موسى وجاءها به الرسول قالت:
« وما أصنع به؟ » فقالت لها خالصة:
« قومي أملى، ستّى، إلى ابنك، فليس هذا وقب تعتّب. » فقالت:
« أعطونى ماء أتوضّأ للصلاة. » ثم قالت:
« أما إنّا كنّا نتحدّث أنّه يموت في هذه الليلة خليفة ويملك فيها خليفة ويولد فيها خليفة، فمات موسى وملك هارون وولد المأمون. » فكانت ولايته أربعة عشر شهرا، ومات وهو ابن ستّ وعشرين سنة.
ذكر بعض سيره ما كان من أمر عبد الله بن مالك مع الهادي
ذكر عن عبد الله بن مالك، أنّه قال: كنت على شرطة المهديّ، وكان المهديّ يبعث إليّ في ندماء الهادي ومغنّيه في ضربهم وحبسهم صيانة له عنهم، فبعث إليّ الهادي يسألنى الرفق بهم والترفيه لهم، فلا ألتفت إلى ذلك وأمضى لما يأمرنى به المهديّ. قال: فلمّا ولى الهادي الخلافة أيقنت بالتلف، فبعث إليّ يوما، فدخلت إليه متكفّنا متحنّطا وإذا هو على كرسيّ والسيف والنطع بين يديه، فسلّمت، فقال:
« لا سلّم الله على الآخر، تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحرّانى وما أمر به أمير المؤمنين رضي الله عنه، من ضربه وحبسه فلم تجبني، وفي فلان وفي فلان - فجعل يعدّد ندماءه - فلم تلتفت إلى قولي وأمري؟ » قلت: « نعم يا أمير المؤمنين، أفتأذن في استيفاء الحجّة؟ » قال: « نعم. » قلت: « نشدتك الله يا أمير المؤمنين، أيسرّك أنّك ولّيتني ما ولّانى أبوك فأمرتنى بأمر فبعث إليّ بعض بنيك بأمر مخالف به أمرك، فاتبعت أمره وعصيت أمرك؟ » قال: « لا. » قلت: « فكذلك أنا لك، وكذلك كنت لأبيك. » فاستدنانى، فقبّلت يده، فأمر بخلع، فصبّت عليّ، وقال:
« قد ولّيتك ما كنت تتولّاه، فامض راشدا. » فخرجت من عنده، فصرت إلى منزلي مفكّرا في أمري وأمره وقلت:
حدث يشرب والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتّابه وكأنّى بهم حين يغلب عليه الشراب قد أزالوا رأيه فيّ وحملوه في أمري على ما كنت أتّخوفه.
قال: فإني لجالس وبين يديّ بنيّة لي في وقتى ذلك والكانون بين يديّ ورقاق أشطره بكامخ وأسخّنه وأطعمه الصبيّة حتى توهمت أنّ الدنيا قد اقتلعت وزلزلت لوقع الحوافر وكثرة الضوضاء فقلت: هاه، كان والله ما ظننت، ووافاني من أمره ما تخوّفت. فإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا، وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم، فلمّا رأيتهم وثبت من مجلسي مبادرا، فقبّلت يده ورجله وحافر حماره فقال لي:
« يا عبد الله، إني فكّرت في أمرك، فقلت: يسبق إلى قلبك أنّى إذا شربت وحولي أعداؤك، أزالوا ما حسن من رأيي فيك، فأقلقك وأوحشك، فصرت إلى منزلك لأونسك وأعلمك أنّ السخيمة قد زالت عن قلبي لك، فهات فأطعمنى ما كنت تأكل، وافعل فيه ما كنت تفعل، لتعلم أنّى قد تحرّمت بطعامك وأنست بمنزلك، فيزول خوفك ووحشتك. » فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسّكرّجة التي فيها الكامخ فأكل منها، ثم قال:
« هاتوا الزّلّة التي أزللتها لعبد الله من مجلسي. » فأدخل إليّ أربعمائة بغل موقرة دراهم وقال:
« هذه زلّتك، فاستعن بها على أمرك واحفظ لي هذه البغال عندك لعلّى أحتاج إليها لبعض أسفاري. » ثم قال: « أظلّك الله بخير. » ثم انصرف راجعا.
فذكر موسى بن عبد الله بن مالك: أنّ أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره ثم بنى حوله معالف لتلك البغال وكان هو يتولّى النظر إليها والقيام عليها أيّام حياة الهادي كلّها.
وأتى موسى برجل، فجعل يقرّره بذنوبه ويتهدّده، فقال الرجل:
« يا أمير المؤمنين، اعتذاري ممّا تقرّعنى به ردّ عليك وإقراري يوجب عليّ ذنبا ولكني أقول:
إذا كنت ترجو في العقوبة رحمة ** فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
فأمر بإطلاقه.
حقده على الربيع وسمه
وقد كنّا حكينا عن موسى الهادي ما حقده على الربيع من دخوله على أمّه.
فلمّا تجاوز عنه وجد أعداء الربيع طريقا إليه من طريق غيرة الهادي.
وكان الربيع أهدى إلى المهدي جارية حسناء فائقة الجمال، حسنة القدّ والشعر ناهدة الثدي. فلمّا رآها المهدي قال:
« هذه تصلح لموسى. » فوهبها له فشعف بها الهادي واستولدها، فهي أمّ أكابر أولاده. فقال حسّاد الربيع:
« يا أمير المؤمنين، إنّ الربيع يتفوّه في خلوته بما هو أعظم ممّا أنكرته. » قال: « وما هو؟ »
قالوا: « إنّه يقول: ما وضعت بيني وبين الأرض أطيب من فلانة - يعنى أمّ أولاد الهادي. » فالتهب الهادي وتركه حتى إذا كان يوم أنسه دعا الربيع إلى مجالسته وسقاه بيده كأسا مسموما، فأحسّ الربيع بذلك وبما رقّى إليه من كلامه، فلم يقدر على الامتناع وخاف أن يمتنع فيضرب عنقه، فشرب الكأس، فتوصّب من ساعته وقام فأظهر
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)