ثم دخلت سنة سبعين ومائة

وفيها كانت وفاة موسى الهادي وكانت وفاته من قبل جوار لأمّه الخيزران كانت أمر تهنّ بقتله.
ذكر السبب في ذلك وما حملها على قتل ابنها

لمّا صارت الخلافة إلى الهادي، كانت الخيزران تفتات عليه في أموره وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهى فأرسل إليها:
« لا تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاذة التبذّل، فإنّه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك، وعليك بصلاتك وسبحتك، ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك. » وكانت كثيرا ما تكلّمه في أمر الحوائج، فكان يجيبها إلى كلّ ما تسأل، حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته، وانثال الناس عليها وطمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إلى بابها. فكلّمته يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها فيه سبيلا، فاعتلّ بعلّة.
فقالت: « لا بدّ من إجابتى. » قال: « لا أفعل. » قالت: « فإني قد تضمّنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك. » قال: فغضب موسى وقال:
« ويلي على ابن الفاعلة، قد علمت أنّه صاحبها، والله لا قضيتها لك. »
قالت: « إذا والله لا أسألك حاجة أبدا. » قال: « إذا والله لا أبالى. » وحمى وغضب فقامت مغضبة، فقال:
« مكانك تستوعبى كلامي والله وإلّا فإني نفيّ من قرابتي من رسول الله لئن بلغني أنّه وقف ببابك أحد من قوّادى أو أحد من خاصّتى وخدمي لأضربنّ عنقه ولأقبضنّ ماله، فمن شاء فليرم ذلك. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كلّ يوم؟ أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكّرك، أو بيت يصونك؟ إيّاك، ثم إيّاك، ما فتحت بابك لملّيّ أو ذمّيّ. » فانصرفت وهي لا تعقل ما تطأ، فلم تنطق عنده بحلوة ولا مرّة بعدها.
فحكت خالصة: أنّه لمّا صارت الخلافة إلى الهادي، صرت إليه وقلت له:
« إنّ أمّك تستكسيك. » فأمر لها بخزانة مملوّة كسوة. قالت: ووجد للخيزران في منزلها من قراقر الوشي ثمانية عشر ألف قرقرة.
وحكى بعضهم: أنّه سمع خالصة تقول للعبّاس بن الفضل بن الربيع: بعث موسى إلى أمّه الخيزران بأرزّة وقال:
« استطبتها. » وذلك بعد سخطه عليها، وذكر أنّه أكل منها فتنغّص لها.
قالت خالصة: فقلت لها:
« أمسكى حتى تنظرى، فإني أخاف أن يكون فيها شيء تكرهينه. » فجاؤوا بكلب، فأكل منها فتساقط لحمه. فأرسل إليها بعد ذلك:
« كيف رأيت الأرزّة؟ » قالت: « وجدتها طيّبة. » فقال: « لم تأكلى، ولو أكلت كنت استرحت منك، متى أفلح خليفة له أمّ! » ثم إنّ الهادي جمع قوّاده يوما وذلك أعياه أمر الأمّ فقال لهم:
« أيّما خير: أنا أم أنتم؟ » قالوا: « بل أنت يا أمير المؤمنين. » قال: « فأيمّا خير: أمي أم أمّهاتكم؟ » قالوا: « بل أمّك يا أمير المؤمنين. » قال: « فأيّكم يحبّ أن يتحدّث الرجال بخبر أمّه فيقولوا فعلت أمّ فلان، وصنعت أمّ فلان، وقالت أمّ فلان؟ » فقالوا: « ما أحد منّا يحبّ ذلك. » قال: « فما بال رجال يأتون أمي فيتحدّثون إليها ثم ينقلون حديثها؟ » فلمّا سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتّة. فشقّ ذلك عليها، فاعتزلته وحلفت ألّا تكلّمه، فما دخلت إليه حتى حضرته الوفاة.
موسى يهم بخلع أخيه هارون

وهمّ موسى بخلع أخيه هارون، ثم جدّ فيه. وكان يحيى بن خالد بن برمك يلي لهارون أعمال المغرب، فلمّا جدّ موسى الهادي في البيعة لابنه جعفر بن موسى وتابعه القوّاد مثل يزيد بن مزيد، وعبد الله بن مالك، وعلي بن عيسى، ومن أشبههم، وخلعوا هارون ودسّوا إلى الشيعة، فتكلّموا في أمره وتنقّصوه، وقالوا: لا نرضى به، وظهر ذلك، أمر الهادي ألّا يسار قدام الرشيد بحربة. فاجتنبه الناس وتركوه، فلم يكن يجترئ أحد أن يسلّم عليه ولا يقربه.
وكان يحيى بن خالد يقوم بأنزال الرشيد وينزل منه منزلة الوالد ويسّميه أبي. فكان يشير عليه بأن يدافع ولا يستجيب للخلع. فسعى بيحيى إلى الهادي، وقيل له: إنّه ليس عليك من هارون خلاف، وإنّما يفسده يحيى، فابعث إليه وتهدّده بالقتل وارمه بالكفر. فبعث الهادي إلى يحيى ليلا، فيئس من نفسه، وودّع أهله وتحنّط وجدّد ثيابه ولم يشكّ أنّه يقتله. فلمّا أدخل عليه قال:
« يا يحيى ما لي ولك؟ » قال: « أنا عبدك يا أمير المؤمنين، فما يكون من العبد إلى مولاه إلّا طاعته! » قال: « لم تدخل بيني وبين أخي وتفسده عليّ؟ » قال: « يا أمير المؤمنين، من أنا حتى أدخل بينكما، إنّما صيّرنى المهديّ معه وأمرنى بالقيام بأمره، ثم أمرتنى بذلك، فانتهيت إلى أمرك. » قال: « فما الذي صنع هارون؟ » قال: « ما صنع شيئا ولا عنده شيء. » فسكن غضبه.
وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع. فقال له يحيى:
« لا تفعل. » قال هارون: « أليس تترك لي الهنيئة والمريئة فهما يسعاننى وأعيش. فقال يحيى:
« وأين الهنيئة والمريئة من الخلافة، ولعلّك الا يترك هذا في يدك. » وكان يحيى ينادم الهادي بعد ذلك، فكلّمه الهادي في أمر الرشيد وخلعه، فقال:
« يا أمير المؤمنين، إنّك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر من بعده كان ذلك أوكد لبيعته. » قال: « لقد صدقت ونصحت، ولى في هذا الأمر تدبير. » وكان محمّد بن يحيى بن خالد يقول: كان أبي يقول: ما كلّمت أحدا من الخلفاء أعقل من موسى. وقال: كان حبسني موسى الهادي على ما أراده من خلع الرشيد، فرفعت إليه رقعة: إنّ عندي نصيحة. فدعاني، فقال لي:
« هات ما عندك. » فقلت: « أخلنى. » فأخلاني، فقلت:
« يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان الأمر الذي أسأل الله أن لا نبلغه وأن يقدّمنا قبله، أتظنّ أنّ الناس يسلّمون لجعفر وهو لم يبلغ الحنث أو يرضون به لصلاتهم وحجّهم وغزوهم؟ » قال: « والله ما أظنّ ذلك. » قلت:
« فتأمن يا أمير المؤمنين أن يسمو إليها أكابر أهلك وجلّتهم مثل فلان وفلان، ثم يطمع فيها غيرهم فيخرج من ولد أبيك؟ » فأطرق ثم قال:
« نبّهتنى يا يحيى على أمر لم أكن أنتبه له. » قال: فقلت:
« لو أنّ هذا الأمر لم يعقد لأخيك، أما كان ينبغي أن تعقده له؟ فكيف بأن تحلّه وقد عقده المهديّ، ولكن تقرّ الأمر يا أمير المؤمنين على حاله، فإذا بلّغ جعفر وبلغ الله به أتيته بالرشيد، فخلع نفسه له، وكان أوّل من يبايعه ويعطيه صفقة يده. » فقبل الهادي قوله وأطلقه.
فلمّا كان بعد أيّام، خرج موسى الهادي إلى الحديثة حديثة الموصل فمرض بها، فانصرف بعد ما كتب إلى جميع عمّاله شرقا وغربا بالقدوم عليه، فلمّا ثقل اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه فقالوا:
« إن صار الأمر إلى يحيى قتلنا ولم يستبقنا. » وتآمروا على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادي فيضرب عنقه. ثم قال بعضهم:
« فإنّ أمير المؤمنين ما بلغ حدّ اليأس منه، فلعلّه يفيق من مرضه، فما عذرنا عنده؟ » فأمسكوا.
ثم بعثت الخيزران إلى جواريها بالجلوس على وجهه وغمّه حتى يموت، لأنّها أشفقت أن يفيق فيخلع هارون، ففعلن ذلك. وبعثت إلى يحيى تعلمه أنّ الرجل لما به فجدّ في أمرك ولا تقصّر. فأمر يحيى بإحضار الكتّاب، فحضروا وجمعوا في منزل الفضل بن يحيى، فكتبوا ليلتهم كتبا من الرشيد إلى العمّال بوفاة الهادي وأنّه قد ولّاهم الرشيد ما كانوا يلون. ولمّا أصبحوا أنفذوها على البرد.
رواية أخرى في سبب قتل موسى الهادي

وقد روى عن هرثمة بن أعين في موت الهادي ما رواه عليّ بن هشام المعروف بأبي قيراط عن محمّد بن أحمد بن الفضل الجرجرائي المعروف بقلنسوة، وكان وزير المتوكّل، قال: حدّثني خالي الحسن بن رجاء بن أبي الضحّاك. قال: حدّثني الحسن بن سهل قال: حدّثني أبو خاتم هرثمة بن أعين بمرو قال: كنت اختصصت بموسى الهادي، وكنت مع ذلك شديد الحذر منه لإقدامه على الدماء، فاستدعاني في نصف نهار يوم شديد الحرّ قبل أكلى، فارتعت وبادرت إليه فأدخلت من دار إلى دار حتى قرّبت من دار حرمه. ثم نحّى عنّا جميع من كان بحضرته وقال لي:
« اخرج، فأغلق باب هذه الحجرة وعد إليّ. » فازددت جزعا وفعلت وعدت، فقال:
« قد تأذيّت بهذا الكلب الملحد يحيى بن خالد، ليس له شغل إلّا تضريب الرجال عليّ واجتذابهم إلى صاحبه هارون. يريد أن يقتلني ويسوق الخلافة إليه، وأريد منك أن تمضى الليلة إلى هارون فتقبض عليه وتجيئني برأسه، إمّا أن تحتاط في التدبير حتى لا يفوتك وتفعل ذلك به في دارك أو تخرجه من داره برسالة مني تستدعيه فيها إلى حضرتى، ثم تعدل به إلى حيث تقتله فيه وتجيئني برأسه. » فورد عليّ أمر عظيم وقلت:
« يأذن أمير المؤمنين في الكلام؟ » قال: « قل. »