الهادي شفقة عليه وعرض عليه المقام، فأبى وقال: « ما أجده يا أمير المؤمنين أكبر من أن أقيم معه. » ثم بادر إلى منزله، فأوصى ومات من ليلته.
خلافة هارون الرشيد

وفي هذه السنة استخلف هارون بن محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلّب الرشيد فبويع له ليلة الجمعة وهي الليلة التي توفّى فيها الهادي وكانت سنّه يوم ولى اثنتين وعشرين سنة، وأمّه أمّ ولد يمانية ثم جرشيّة يقال لها خيزران، وولد بالرّى سنة تسع وأربعين ومائة.
وكان هرثمة بن أعين هو الذي أخرج هارون الرشيد ليلا فأقعده للخلافة.
ويقال: إنّ هارون لمّا جلس للخلافة حلف ألّا يصلّى الظهر إلّا ببغداذ وأنّه لا يصلّى بعيساباذ إلّا على المهدي، وأنّه لا يصلّى ببغداذ إلّا ورأس أبي عصمة بين يديه. ثم لبس ثيابه وخرج، فصلّى على أبيه، وقدّم أبا عصمة فضربت عنقه وشدّ جمّته في رأس قناة ودخل بها بغداذ وذاك أنّه كان مضى هو وجعفر بن موسى الهادي راكبين، فبلغا إلى قنطرة من قناطر عيساباذ فالتفت أبو عصمة إلى هارون فقال له:
« مكانك حتى يجوز وليّ العهد. »
فقال هارون:
« السمع والطاعة للأمير. » فوقف حتى جاز جعفر، فكان هذا سبب قتل أبي عصمة.
ويقال: إنّه لمّا توفّى موسى، هجم خزيمة بن خازم في تلك الليلة فأخذ جعفرا من قرابته، وكان خزيمة في خمسة آلاف من مواليه معهم السلاح.
فقال: « والله لأضربنّ عنقك أو تخلعها. » وذاك أنّ موسى قد كان أمر جماعة فبايعوه، فلمّا كان الصبح ركب الناس إلى باب جعفر، فأتى به خزيمة فأقامه على باب الدار في العلو والأبواب مغلّقة فأقبل جعفر ينادى:
« يا معشر الناس، من كانت لي في عنقه بيعة فقد أحللته منها والخلافة لعمّى هارون ولا حقّ لي فيها. » فكانت سبب مشى عبد الله بن مالك الخزاعي إلى مكّة على اللبود، وحظى خزيمة بذلك عند الرشيد.
هارون يقلد خالدا الوزارة

وقلّد هارون يحيى بن خالد الوزارة وقال له:
« قد قلّدتك أمر الرعيّة وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب واستعمل من رأيت، واعزل من رأيت وأمض الأمور على ما ترى. » ودفع إليه خاتمه، وكانت خيزران هي الناظرة في الأمور، وكان يحيى يعرض عليها ويصور عن رأيها.
ثم دخلت سنتا إحدى واثنتين وسبعين ومائة

ولم يجر فيهما ما يستفاد منه تجربة.
ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة

وفيها كانت وفاة محمّد بن سليمان بالبصرة
فوجّه الرشيد إلى كلّ ما خلّفه رجلا أمره باصطفائه، فأرسل إلى ما خلّف من الصامت من قبل صاحب بيت ماله رجلا، وإلى الكسوة بمثل ذلك، وإلى الفرش والرقيق والدوابّ والخيل والإبل وإلى الطيب والجواهر وكلّ آلة برجل من قبل الذي يتولّى كلّ صنف من الأصناف، فأخذوا جميع ما كان لمحمّد ممّا يصلح للخلافة ولم يتركوا شيئا إلّا الخرثيّ الذي لا يصلح للخلفاء وأصابوا له في خزانة لباسه أصناف الثياب منذ كان صبيّا في الكتّاب إلى أن مات على مقادير السنين وكان من ذلك ما عليه آثار النقس وأصابوا له ستين ألف ألف، فحملوها مع ما حمل، فلمّا صارت في السفن، أخبر الرشيد بمكان السفن التي حملت ذلك، فأمر أن يدخل جميع ذلك خزائنه إلّا المال، فإنّه أمر بصكاك فكتبت للندماء وكتبت للمغنين صكاك صغار لم تدوّن في الديوان ثم دفع إلى كلّ رجل صكّ بما رأى أن يهب له، فأرسلوا وكلاءهم إلى السفن فأخذوا المال على ما أمر لهم به في الصكاك أجمع لم يدخل بيت ماله منه درهم واحد واصطفى ضياعه.
موت الخيزران

وفيها ماتت الخيزران فخرج الرشيد وعليه جبّة سعيديّة وطيلسان خرق أزرق قد شدّ به وسطه وهو آخذ بقائمة السرير حافيا يمشى في الطين حتى أتى مقابر قريش، فغسل رجليه ودعا بخفّ وصلّى عليها ودخل قبرها، فلمّا خرج دعا الفضل بن الربيع وقال له:
« وحقّ المهديّ - وكان لا يحلف به إلّا إذا اجتهد - إني لأهمّ لك من الليل بشيء من التولية وغيرها، فتمنعني هذه، رحمها الله، وأطيع أمرها. » وولّاه نفقات العامّة والخاصّة وبادوريا والكوفة ولم تزل حاله تنمى إلى سنة سبع وثمانين.
ودخلت سنة أربع وسبعين [ ومائة ]

ولم يجر فيها على ما بلغنا شيء يليق بهذا الكتاب إثباته.
ودخلت سنة خمس وسبعين ومائة محمد الأمين يصبح وليّا للعهد

وفيها عقد الرشيد لابنه محمّد ولاية العهد من بعده وأخذ له بذلك بيعة القوّاد والجند وسمّاه الأمين، وله يومئذ خمس سنين. وكان جماعة من بنى العبّاس قد مدّوا أعناقهم للخلافة بعد الرشيد لأنّه لم يكن له وليّ عهد، فلمّا بايع له، أنكروا بيعته لصغر سنّه.
ولمّا صار الفضل بن يحيى إلى خراسان فرّق هناك أموالا عظيمة وأعطى الجند أعطيات متتابعة، ثم أظهر البيعة لمحمّد بن الرشيد، فبايع له الناس وسمّاه الأمين، فلمّا تناهى إلى الرشيد خبره وأنّ أهل المشرق بايعوا لمحمّد، كتب إلى الآفاق فبويع له في جميع الأمصار.
ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة

ظهور يحيى بن عبد الله

وفيها ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، فنزع إليه الناس من الأمصار، واشتدّت شوكته وقوى أمره، فاغتمّ لذلك الرشيد فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألف رجل ومعه صنادد القوّاد وولّاه كور الري، والجبل، وجرجان، وطبرستان، وقومس، ودنباوند، والرويان، وحملت معه الأموال، فشخص الفضل واستخلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين تجرى كتبه على يده وتنفذ الجوابات عنها إليه.
وكانوا يثقون بمنصور وابنه في جميع أمورهم لقديم صحبته لهم وحرمته بهم. ثم مضى من معسكره ولم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبرّ واللطف والجوائز والخلع، فكاتب يحيى ورفق به واستماله وناشده وحذّره وأشار عليه وبسط أمله، وكاتب صاحب الديلم وجعل له ألف ألف درهم على أن يسهّل خروج يحيى إلى ما قبله، وحملت إليه، فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج على يديه على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطّه على نسخة يبعث بها إليه، فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد، فسره وعظم موقعه، وكتب يحيى أمانا وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجلّة بنى هاشم ومشايخهم منهم: عبد الصمد بن عليّ، والعبّاس بن محمّد، وموسى بن عيسى، ومحمّد بن إبراهيم، ومن أشبههم، ووجّه معه جوائز وكرامات وهدايا. فوجّه الفضل بذلك إليه، فقدم يحيى بن عبد الله عليه وورد به الفضل بغداذ: فلقيه الرشيد بكلّ ما أحبّ، وأمر له بمال كثير وأجرى له أرزاقا سنيّة، وأنزله منزلا سريّا، بعد أن أقام في منزل يحيى بن خالد أيّاما، وكان يتولّى أمره بنفسه ولا يكل ذلك إلى غيره.
وبلغ الرشيد الغاية في إكرام الفضل، ومدحه الشعراء فأكثروا. فمنها ما قاله مروان بن أبي حفصة:
ظفرت فلا شلّت يد برمكيّة ** رتقت بها الفتق الذي بين هاشم
على حين أعيا الراتقين التئامه ** فكفّوا وقالوا ليس بالمتلائم
فأصبحت قد فازت يداك بخطّة ** من المجد باق ذكرها في المواسم
وما زال قدح الملك يخرج فائزا ** لكم كلّما ضمّت قداح المساهم
وتركت ذكر غيره من المدائح لأنّها كثيرة ولا طائل فيها من جهة الاختيار.
فحكى أحمد بن محمّد بن جعفر بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، قال: لمّا قدم بيحيى من الديلم أتيته وهو في دار عليّ بن أبي طالب فقلت له:
« يا عمّ، ما بعدك مخبر، ولا بعدي مخبر، فأعلمني خبرك. » فقال: « يا ابن أخي، والله إن كنت إلّا كما قال حييّ بن أخطب:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ** ولكنّه من يخذل الله يخذل
لجاهد حتى أبلغ النّفس عذرها ** وقلقل يبغى العزّ كلّ مقلقل