









كلام العباس عند المأمون
« أيّها الأمير، إنّ أخاك قد تحمّل من الخلافة ثقلا عظيما، ومن النظر في أمور الناس عبءا جليلا، وقد صدقت نيّته في الخير فاعتوره الوزراء والأعوان والكفاة على العدل، وقليل ما يأنس بأهل بيته، وأنت أخوه وشقيقه وقد فزع إليك في أموره وأمّلك للمؤازرة والمكانفة، ولسنا نستبطئك في برّه اتهاما لنظرك له، ولا نحضّك على طاعته تخوّفا لخلافك عليه وفي قدومك عليه أنس عظيم له، وصلاح لدولته وسلطانه. فأجب أيّها الأمير دعوة أخيك وآثر طاعته وأعنه على ما استعان بك من أمره، فإنّ في ذلك قضاء الحق وصلة الرحم وعزّ الخلافة، عزم الله على الرشد في أموره وجعل له الخيرة في عواقب رأيه. » وتكلّم عيسى بن جعفر بكلام قريب المعنى من هذا الكلام، وكذلك محمد بن عيسى بن نهيك وصالح صاحب المصلّى. فلمّا قضوا كلامهم وسكتوا، تكلّم المأمون فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
كلام المأمون
« إنّكم عرّفتمونى من حقّ أمير المؤمنين - أبقاه الله - ما لا أنكره، ودعوتموني من البرّ والإحسان والمؤازرة والمعونة إلى ما أوثره ولا أدفعه، وأنا بالطاعة لأمير المؤمنين خليق وعلى المسارعة إلى ما سرّه ووافقه حريص، وفي الرؤية تبيان الرأي وفي إعمال الرأي يصحّ الاعتزام، والأمر الذي دعاني إليه أمير المؤمنين أمر لا أتأخّر عنه تثبّطا ومدافعة، ولا أتقدّم عليه اعتسافا وعجلة، وأنا في ثغر من ثغور المسلمين كلب عدوّه، شديدة شوكته، فإن أهملت أمره لم آمن دخول المكروه والضرر على الجند والرعيّة، وإن أقمت عليه لم آمن فوت ما أحبّ من معونة أمير المؤمنين وإيثار طاعته، وانصرفوا حتى أنظر في أمري ويصحّ الرأي فيما أعتزم عليه من مسيري إن شاء الله. »
ذكر مشاورة المأمون أصحابه وما أشار به الفضل بن سهل
ولمّا انصرف القوم تعاظم المأمون ما ورد عليه وأكبره ودعا الفضل بن سهل وقال:
« ما عندك من الرأي؟ » قال: « أرى أن تتمسّك بموضعك، وألّا تمكّن من نفسك، ولا تجعل عليك سبيلا وأنت تجد من ذلك بدّا. »
قال: « وكيف يمكنني التمسّك بموضعي مع كثرة جنود محمد وعظم خزائنه وكثرة أمواله، مع ما فرّق في أهل بغداد من صلاته، وإنّما الناس مائلون مع الذهب والفضّة، منقادون لهما، لا يرغبون في وفاء بعهد ولا أمانة. » فقال الفضل:
« إذا وقعت التهمة حقّ الاحتراس. وأنا متخوّف عليك من محمد ومن شرهه إلى ما في يديك، ولأن يكون في جندك وعزّك مقيما بين ظهرانيّ أهل ولايتك أحرى، فإن دهمك منه أمر حددت له وناجزته وكايدته فإمّا أعطاك الله الظفر عليه وإمّا متّ محافظا متكرّما غير ملق يديك ولا ممكّن عدوّك من الاحتكام في دينك. » قال المأمون:
« لو كان أتانى ذلك وأنا في قوّة من أمري وصلاح من الأمور، لكان خطبه يسيرا والاحتيال في دفعه ممكنا ولكنّه أتانى بعد انتشار خراسان واضطراب عامرها وغامرها ومفارقة جبغويه الطاعة والتواء خاقان وتهيّؤ ملك كابل للغارة على ما يليه من بلاد خراسان وامتناع ملك ابراز بنده بالضريبة وما لي بواحدة من هذه يد وأنا أعلم أنّ محمدا لم يطلب قدومى إلّا لشرّ يريده بي وما أرى إلّا تخلية ما أنا فيه واللحاق بخاقان ملك الترك والاستجارة به فبالحرى أن آمن على نفسي وامتنع ممّن أراد قهري والغدر بي. »
فقال له الفضل:
« أيّها الأمير إنّ عاقبة الغدر شديدة ومغبّة الظلم والبغي غير مأمون شرّها وربّ مستذلّ قد عاد عزيزا ومقهور عاد مستطيلا وليس النصر بالكثرة وجرح الموت أيسر من جرح الذلّ والضيم فأمّا جبغويه وخاقان فاكتب إليهما وولّهما بلادهما وعدهما التقوية لهما على محاربة الملوك، وأمّا ملك كابل فابعث إليه بعض طرف خراسان وهاده وسله الموادعة تجده حريصا على ذلك، وأمّا ملك ابراز بنده فسلّم له ضريبته في هذه السنة وصيّرها صلة منك له وصلته بها. ثم اجمع إليك أطرافك واضمم إليك من شذّ من جندك، ثم اضرب الخيل بالخيل والرجال، بالرجال فإن ظفرت فذاك، وإلّا كنت على اللحاق بخاقان قادرا. » فقال المأمون:
« أنا أعمل في هذا وغيره بما ترى. » وفرّق الكتب وأرسل إلى أولئك العصاة، فأذعنوا ورضوا وكتب إلى قوّاده وجنوده في الأطراف فأقدمهم عليه، وكتب إلى طاهر بن الحسين وكان يومئذ بالريّ عاملا من قبل المأمون أن يضبط ناحيته ويجمع إليه أطرافه ويكون على حذر من جيش إن طرقه أو عدوّ إن هجم عليه.
وكان الفضل نظر في النجوم وكان جيد المعرفة بأحكامها، فرأى الغلبة لعبد الله، فوطّن نفسه على محاربة محمد الأمين ومناجزته.
كتاب من المأمون إلى الأمين
فلمّا فرغ المأمون ممّا ذكرناه كتب إلى محمد:
« لعبد الله محمد الأمين أمير المؤمنين من عبد الله بن هارون. أمّا بعد، فقد وصل إليّ كتاب أمير المؤمنين وإنّما أنا عامل من عمّال أمير المؤمنين وعون من أعوانه أمرنى الرشيد صلوات الله عليه بلزوم هذا الثغر ومكايدة من كاد أهله من عدوّ أمير المؤمنين، ولعمري أنّ مقامي به أردّ على أمير المؤمنين وأعظم غناء عن المسلمين من الشخوص إلى أمير المؤمنين وإن كنت مغتبطا بقربه مسرورا بمشاهدة نعم الله عليه. فإن رأى أمير المؤمنين أن يقرّنى على عملي ويعفيني من الشخوص إليه فعل، إن شاء الله. » ثم دعا العبّاس بن موسى بن عيسى وعيسى بن جعفر وصالحا فدفع الكتاب إليهم وأحسن صلتهم وجوائزهم وحمل إلى محمد ما تهيّأ له من الألطاف الموجودة بخراسان وسألهم أن يحسّنوا أمره عنده ويقوموا بعذره.
كلام زبيدة لعلي بن عيسى في المأمون
فلمّا يئس محمد الأمين من انقياد عبد الله له، ندب له عليّ بن عيسى في خمسين ألف فارس وراجل، ومكّنه من بيوت الأموال والسلاح. فلمّا أراد عليّ الشخوص إلى خراسان، ركب إلى باب زبيدة أمّ جعفر، فودّعها، فقالت:
« يا عليّ، إنّ أمير المؤمنين، وإن كان ولدي، إليه تناهت شفقتي وعليه تكامل حذري فإني على عبد الله متعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى وإنّما ابنى ملك نافس أخاه في سلطانه وعازّه على ما في يده، والكريم يأكل لحمه ويمنعه غيره. فاعرف لعبد الله حقّ ولادته وأخوّته، ولا تجبهه بالكلام، فلست بنظير له، ولا تقتسره اقتسار العبيد ولا توهنه بقيد ولا غلّ، ولا تمنع منه جارية ولا غلاما ولا خادما ولا تعنف عليه في السير ولا تساوه في المسير، ولا تركب قبله، ولا تستقلّ على دابّتك، حتى تأخذ بركابه، وإن شتمك فاحتمل منه، وإن سفه عليك فلا ترادّه. » ثم دفعت إليه قيدا من فضّة وقالت:
« إذا صار في يدك فقيّده بهذا القيد. » فقال لها:
« سأقبل قولك وأعمل بطاعتك. » فلمّا ركب عليّ بن عيسى إلى معسكره بالنهروان وخرج معه محمد يشيّعه وحشدت الأسواق والصنّاع والفعلة بلغ عسكره فرسخا بفساطيطه وأبنيته وأثقاله. فذكر مشايخ أهل بغداد أنّهم لم يروا عسكرا قطّ كان أكثر رجالا وأفره كراعا وأظهر سلاحا وأتمّ عدّة وأكمل هيئة من عسكره.
فذكر أنّ منجّمه أتاه فقال:
« أصلح الله الأمير لو انتظرت بمسيرك صلاح القمر فإنّ النحوس غالبة عليه. » فقال: « إنّا لا ندري فساد القمر من صلاحه، غير أنّه من نازلنا نازلناه ومن وادعنا وادعناه ومن قاتلنا لم يكن عندنا إلّا إرواء السيف من دمه. إنا لا نعتدّ بفساد القمر ما وطّنّا أنفسنا على صدق اللقاء. »
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)