









وفي هذه السنة لمّا انتهى إلى المأمون قتل عليّ بن عيسى، تسمّى بأمير المؤمنين وسلّم عليه الفضل بذلك، وصحّ عنده الخبر بقتل طاهر عبد الرحمن بن جبلة الأبناوى وغلبته على عسكره، فدعا الفضل بن سهل وعقد له على المشرق من جبل همذان إلى جبل سقنان والتبّت طولا ومن بحر فارس إلى بحر الديلم [ وجرجان ] عرضا وجعل له عمّاله ثلاثة آلاف وعقد له لواء على سنان ذي شعبتين وسمّاه ذا الرئاستين.
الأمين يولى عبد الملك الشام
وفي هذه السنة ولّى محمد الأمين عبد الملك بن صالح بن عليّ الشام.
والسبب في ذلك
وكان السبب في ذلك أنّ طاهرا لمّا قوى واستعلى أمره وهزم قوّاد محمد وجيوشه، دخل عبد الملك بن صالح على محمد وقد كان عبد الملك محبوسا في حبس الرشيد، فأطلقه محمد، وكان عبد الملك يشكر ذلك لمحمد، ويوجب به على نفسه طاعته ومحبّته، فقال:
« يا أمير المؤمنين. »
ذكر الرأي الذي أشار به عبد الملك
إني أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكر قد اغتمزوا بذلك، وقد بذلت سماحتك فإن أتممت على عادتك أفسدتهم وأبطرتهم، وإن كففت يدك عن العطاء أسخطتهم وأغضبتهم، وليس تملك الجنود بالإمساك ولا تبقى بيوت المال على الإنفاق والسرف، ومع هذا فإنّ جندك قد أرعبتهم الهزائم وأضعفتهم الحروب وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوّهم ونكولا عن لقائهم، فإن سيّرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم وهزم بقوّة نيّته ضعف نياتهم، وأهل الشام قوم قد ضرّستهم الحروب وأدّبتهم الشدائد، وجلّهم منقاد لي مسارع إلى طاعتي، فإن وجّهنى أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندا تعظم نكايتهم في عدوّه. » فقال محمد: « فإني مولّيك ومقوّمك بما سألت من مال وعدّة، فعجّل الشخوص إلى ما هناك واعمل عملا يظهر أثره واحمد بركة نظرك فيه. » فولّاه الشام واستحثّه استحثاثا شديدا ووجّه معه كثيفا من الجند.
فلمّا قدم عبد الملك الرقّة أرسل كتبه ورسله إلى رؤساء أجناد الشام ووجوه الجزيرة، فلم يبق أحد ممّن يرجى ويذكر بأسه وغناؤه إلّا وعده وبسط أمله. فقدموا عليه رئيس بعد رئيس وفوج بعد فوج فأجازهم وخلع على كلّ من قصده ووصله، وأتاه زواقيل الشام والأعراب من كلّ فجّ، فاجتمعوا وكثروا.
ذكر اتفاق سيء
واتّفق أنّ بعض جند خراسان نظر إلى دابّة كانت أخذت منه في وقعة سليمان بن أبي جعفر تحت بعض الزواقيل، فتعلّق بها وتصايحا، واجتمعت جماعة من الزواقيل والجند، فأعان كلّ فريق منهم صاحبه وتضاربوا بالأيدى ومشى الأبناء بعضهم إلى بعض وقالوا:
« إن صبرنا لهم ركبونا بمثل هذا كلّ يوم. » واستعدّوا، وأتوا الزواقيل وهم غارّون، فوضعوا فيهم السيوف وذبحوهم في رحالهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتنادى الزواقيل، فركبوا ونشبت الحرب، وبلغ عبد الملك فأنفذ رسولا يأمرهم بالكفّ ووضع السلاح، فرموه بالحجارة وأبلغ عبد الملك من قتل من الزواقيل وأنّهم خلق كثير مطرّحون وكان مريضا فضرب بيد على يد ثم قال:
« وا ذلّاه، تستضام العرب في دورها وبلادها وتقتل هذه المقتلة. »
فغضب من كان أمسك عن الشرّ وتفاقم الأمر، فنادى الناس وقالوا:
« الهرب أهون من العطب والموت أهون من الذلّ، النفير النفير قبل أن ينقطع الشمل ويفوت المطلب ويعسر المهرب. » وقام رجل من كلب فقال:
شؤبوب حرب خاب من يصلاها ** قد شرّعت فرسانها قناها
فأورد الله لظى قناها ** إن غمرت كلب بها لحاها
ثم نادى:
« يا معشر كلب، إنّها الراية السوداء، والله ما ولّت ولا ذلّ ناصرها، وإنّكم لتعرفون مواقع سيوف خراسان في رقابكم، فاعتزلوا الشرّ قبل أن يعظم، وتخطّوه قبل أن يضطرم.
أيّها الناس شامكم شامكم، داركم داركم، الموت الفلسطيني خير من العيش الجزري، ألا أنّى راجع، فمن أراد الانصراف فلينصرف معي. » وسار معه أهل الشام وأقبلت الزواقيل حتى أضرموا ما كان جمعه التجار من الأعلاف بالنار وتفرّق ذلك العسكر.
ثم اتفق موت عبد الملك بن صالح في تلك الأيّام فلم يبق لذلك الجند أثر.
خلع الأمين ومبايعة المأمون ببغداد
وفي هذه السنة خلع محمد بن هارون الأمين وأخذت البيعة لأخيه عبد الله المأمون ببغداد وحبس محمد في قصر أبي جعفر مع أمّ جعفر بنت جعفر بن أبي جعفر وهي زبيدة.
ذكر السبب في ذلك
لمّا توفّى عبد الملك بن صالح بالرقّة نادى الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان في الجند، فصيّر الرجّالة في السفن والفرسان في الظهر، ووصلهم وقوّى ضعفاءهم، ثم حملهم حتى أخرجهم من بلاد الجزيرة وذلك في سنة ستّ وتسعين ومائة.
فلمّا وصلوا إلى بغداد تلقّاه الأبناء بالتكرمة والتعظيم، وضربوا له القباب واستقبله الرؤساء وأهل الشرف ودخل منزله في أفضل كرامة وأحسن هيئة.
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)