









ولمّا منع طاهر الميرة من بغداد وكان يأخذ من كلّ سفينة تحمل دقيقا أو غيره مالا عظيما غلت الأسعار، وصار أمر الناس إلى القنوط واليأس من الفرج وحسد المقيم منهم من قد خرج عنها. وصار أمر محمد إلى أن أمر غلامه زرنج بتتبّع الأموال وطلبها عند من وجد، وأمر الهرش بطاعته، فكان يهجم على الناس في منازلهم ويبيّتهم ليلا ويأخذ بالظنّة، فجبى بذلك السبب أموالا كثيرة وأهلك خلقا.
ثم إنّ حاتم بن الصقر من قوّاد محمد وكان قد واعد أصحابه العراة أن يواقعوا عبيد الله بن الوضّاح ليلا، فمضوا إلى عبيد الله مفاجأة وهو لا يعلم، فأوقعوا به وقعة أزالوه عن موضعه، وولّى منهزما، فأصابوا له خيلا وسلاحا.
الخبر عن هزيمة هرثمة
وبلغ الخبر هرثمة، فأقبل في أصحابه لنصرته وليردّ العسكر إلى موضعه، فوافاه أصحاب محمد ونشّبت الحرب بينهم فأسر رجل من العراة هرثمة ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هرثمة على العريان فقطع يده وخلّص هرثمة، فمرّ منهزما وبلغ خبره أهل عسكره فتقوّض بما فيه وخرج أهله هاربين على وجوههم نحو حلوان، وحجز الليل أصحاب محمد عن الطلب والنهب والأسر، فلم يتراجع أصحاب هرثمة إلّا بعد يومين وثلاثة، وقويت العراة بما صار في أيديهم. وقيلت في هذه الوقعة أشعار كثيرة.
وبلغ طاهرا هزيمة عبيد الله بن الوضّاح وهرثمة وما صار إلى العراة من سلاحهم وأموالهم، فاشتدّ عليه وقام منه وقعد، ووجّه إلى أصحابه وعبّأهم وأمر بعقد جسر فوق الشمّاسيّة وخرج معهم إلى الجسر، فعبروا النهر وقاتلوهم أشدّ قتال يكون، حتى ردّوا أصحاب محمد وأزالوهم عن الشماسية وردّ إليها جند عبيد الله وهرثمة. وكان محمد أعطى بنقض قصوره ومجالسه بالخيزرانية بعد ظفر العراة ألفي ألف درهم في مواضعها وقد كانت النفقة عليها عشرين ألف ألف درهم. فحرقها أصحاب طاهر وكانت السقوف مذهّبة.
وهرب عبيد الله بن خازم بن خزيمة، لأنّ محمدا اتهمه وتحامل عليه قوم من السفلة والعيّارين، فخافهم على نفسه فلحق بالمدائن ليلا في السفن بعياله وولده، وأقام بها ولم يحضر شيئا من القتال وفعل ذلك بمواطأة طاهر.
وضاق على محمد أمره ونفذ ما كان عنده ولم يبق له حيلة، وطلب الناس الأرزاق فقال عند ضجره بذلك:
« وددت أنّ الله قتل الفريقين جميعا وأراحنى منهم، فما منهما إلّا عدوّ، وأمّا هؤلاء فيريدون مالي ولم يبق، وأمّا هؤلاء فيريدون نفسي. »
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة
بين خزيمة وطاهر
وفيها كاتب طاهر خزيمة بن خازم يذكر له أنّ الأمر إن انقطع بينه وبين محمد ولم يكن له أثر في نصرته لم يقصر في مكروهه. فلمّا وصل كتابه إليه شاور ثقاته فقال له أصحابه وأهل بيته:
« نرى والله إنّ هذا الرجل آخذ بقفا صاحبنا عن قليل، فاحتل لنفسك ولنا. » فكتب إلى طاهر بطاعته وأخبره أنّه لو كان هو النازل في الجانب الشرقي مكان هرثمة لكان يحمل نفسه على كلّ هول، وأعلمه قلّة ثقته بهرثمة ويناشده ألّا يحمله على مكروه عظيم إلّا أن يضمن له القيام دونه، ووعده بإدخال هرثمة وقطع الجسور وأنّه يتّبع هواه ويؤثر رضاه، وأنّه إن لم يضمن ذلك فليس يسعه تعريضه للسفلة والغوغاء والرعاع والتلف.
فكتب طاهرا إلى هرثمة يلومه ويعجّزه ويقول:
« جمعت الأجناد وأتلفت الأموال دون أمير المؤمنين ودوني في مثل حاجتي إلى النفقات وقد توقّفت عن قوم هيّنة شوكتهم يسير أمرهم توقّف المحجم الهائب لهم، استعدّ للدخول فقد أحكمت الأمر على دفع العسكر وقطع الجسور وأرجو ألّا يختلف عليك في ذلك اثنان، إن شاء الله. » فأجابه هرثمة:
« أنا عارف ببركة رأيك ويمن مشورتك فمر بما أحببت، فلن أخالفك. » قال: فكتب بذلك طاهر إلى خزيمة.
خزيمة ودعوته للمأمون
وكان كتب طاهر إلى محمد بن عليّ بن عيسى بمثل ذلك قبل، فلمّا كانت ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرّم سنة ثمان وتسعين ومائة، وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن عليّ بن عيسى على جسر دجلة، فقطعاه وركّزا أعلامهما عليه وخلعا محمدا، ودعوا لعبد الله المأمون، وسكن أهل الجانب الشرقي ولزموا منازلهم وأسواقهم من يومهم ذلك، ولم يدخل هرثمة حتى تقدّمه قوم وعادوا إليه فحلفوا أنّه لا يرى مكروه فدخل حينئذ.
وباكر طاهر من غد ذلك اليوم وهو يوم الخميس المدينة وأرباضها، والكرخ وأسواقها، وهدم قنطرتى الصراة العتيقة والحديثة واشتدّ عندهما القتال، وباشر طاهر القتال بنفسه وقاتل بين يديه أصحابه حتى هزم أصحاب محمد، وفرّوا على وجوههم لا يلوى أحد على أحد حتى دخل قسرا بالسيف، وأمر مناديه بالأمان لمن لزم منزله، ووضع بقصر الوضّاح وسوق الكرخ والأطراف قوّادا وجندا في كلّ موضع على قدر حاجته منهم، وقصد إلى مدينة أبي جعفر فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر الخلد من لدن الجسر إلى باب خراسان وباب الشام وباب الكوفة وباب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبّها في دجلة بالخيول والسلاح، وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش، فنصب المجانيق خلف السور على المدينة وبإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد ورماه.
وخرج محمد بأمّه وولده إلى مدينة أبي جعفر وتفرّق عنه عامّة جنده وخصيانه وجواريه في السكك والطرق لا يلوى منهم أحد على أحد وتفرّق الغوغاء والسفلة. وتحصّن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه، وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما.
فحكى طارق الخادم وكان من خاصّة محمد - وكان المأمون بعد ذلك أيضا يقدّمه - أن محمدا سأله يوما من الأيّام وهو محصور - أو قال في آخر يوم من أيّامه - أنّ أطعمه شيئا. قال: فدخلت المطبخ فلم أجد شيئا فجئت إلى حمرة العطّارة وكانت خازنة الجوهر فقلت لها:
« إنّ أمير المؤمنين جائع، فهل عندك شيء؟ فإني لم أجد في المطبخ شيئا؟ » فقالت لجارية لها يقال لها بنان:
« أيّ شيء عندك؟ » فجاءت بدجاجة ورغيف، فأتيته بهما فأكل وطلب ماء يشربه فلم يجد في خزانة الشراب ماء، فأمسى وكان عزم على لقاء هرثمة، فما شرب ماء حتى أتى عليه.
ذكر اتفاقات عجيبة
حكى إبراهيم بن المهدي أنّه كان نازلا مع محمد المخلوع في مدينة المنصور في قصره بباب الذهب لمّا حصره طاهر. قال: فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن يتفرّج من الضيق الذي هو فيه، فصار إلى قصر القرار في قرن الصراة في جوف الليل، ثم أرسل إليّ فصرت إليه، فقال لي:
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)