غلبة السوداء على الحسن بن سهل

وفي هذه السنة غلبت السوداء على الحسن بن سهل حتى شدّ في الحديد وحبس. وكتب بذلك قوّاد الحسن إلى المأمون فأتاهم الجواب: أن يكون على عسكره دينار بن عبد الله ويعلمهم أنّه قادم على إثر كتابه.
ضرب إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد

وفي هذه السنة ضرب إبراهيم بن المهدي، عيسى بن محمد بن أبي خالد وحبسه.
ذكر السبب في ذلك

كان عيسى بن محمد يكاتب حميدا والحسن ويظهر لإبراهيم طاعة ونصيحة، وكلّما قال له إبراهيم: تهيّأ لقتال حميد، تعلّل عليه بأرزاق الجند وأشباه ذلك، حتى واقف الحسن وحميدا على أن يسلّم إبراهيم إليهم يوم الجمعة انسلاخ شوّال. وسعى بعيسى بعض أهله إلى إبراهيم وكان عيسى سأل إبراهيم أن يصلّى الجمعة بالمدينة فأجابه إلى ذلك، فلمّا تكلّم عيسى بما بلغه وسعى إليه حذر وبعث إلى عيسى يسأله أن يصير إليه ليناظره في بعض أموره. فلمّا صار إليه عاتبه ساعة فأخذ عيسى ينكر بعض ما يقول.
فلمّا واقفه على أشياء وعلامات أمر به فضرب وحبسه، وأخذ أمّ ولد له وصبيانا صغارا فحبسهم، وطلب خليفة له يقال له العبّاس فاختفى.
فلمّا عرف أهل بيت عيسى وإخوته وأصحابه خبره مشى بعضهم إلى بعض وحرّضوا الناس على إبراهيم فاجتمعوا، وكان رأسهم العبّاس خليفته، فشدّوا على عامل إبراهيم على الجسر فطردوه وقطعوا الجسر وطردوا كلّ عامل لإبراهيم في الكرخ وغيره في الجانب الغربي.
وكتب العبّاس إلى حميد يسأله أن يقدم عليهم حتى يسلّموا إليه بغداد.
فجاء حميد حتى نزل نهر صرصر طريق الكوفة وخرج إليه قوّاد أهل بغداد، فوعدهم ومنّاهم فقبلوا ذلك منه، ووعدهم أن يضع لهم العطاء في الياسرية على أن يصلّوا يوم الجمعة فيدعوا للمأمون، ويخلعوا إبراهيم.
فأجابوه إلى ذلك.
فبلغ ذلك إبراهيم فأخرج عيسى من الحبس وسأله أن يكفيه أمر هذا الجانب وأخذ منه كفلاء، فعبر إليهم عيسى واخوته مع قوّاد الجانب الشرقي وعرض عليهم العطاء، فشتموه وقالوا:
« لا نرضى إبراهيم. »
احتيال من عيسى

ثم تكاثر الناس على عيسى، فانصرف بأصحابه نحو باب خراسان، ثم رجع عيسى كأنّه يريد قتالهم واحتال حتى صار في أيديهم شبه الأسير، فأخذه بعض قوّاده فأتى به منزله، ورجع الباقون إلى إبراهيم فأخبروه، فاغتمّ وقلق، وقد كان المطّلب مستترا فظهر ليلحق بحميد فغمز به فأخذ وحمل إلى إبراهيم فحبسه. ثم عرف إبراهيم انخراق الأمر فأطلقه وأطلق سهل بن سلامة وكان عند الناس أنّه مقتول. فلمّا دخل حميد بغداد أخرجه إبراهيم.
وكان يدعو في مسجد الرصافة كما كان يدعو. فإذا كان الليل ردّه إلى حبسه. فلمّا كان بعد أيّام خلّى سبيله فذهب واستتر.
وكثر العيث ببغداد وظهر الشطّار والعيّارون، واختفى الفضل بن الربيع، وأخذ القوّاد وبنو هاشم يلحقون بحميد واحدا واحدا، فسقط في يد إبراهيم وشقّ عليه مداواة أمره.
ذكر الخبر عن هرب إبراهيم بن المهدي واستتاره

وأخذ إبراهيم يدارى أصحابه يوم الثلاثاء لاثنتي عشر ليلة بقيت من ذي الحجّة سنة ثلاث ومائتين. فلمّا جنّ به الليل هرب واستتر، وبعث المطّلب إلى حميد:
« إني قد أحدقت بدار إبراهيم. » وكتب إلى عليّ بن هشام بمثل ذلك. فأقبلوا إلى دار إبراهيم فطلبوه فيها فلم يجدوه. ولم يزل إبراهيم متواريا حتى قدم المأمون، وكان من أمره ما كان.
وكانت أيّام إبراهيم كلّها سنة وأحد عشر شهرا واثنى عشر يوما.
وغلب عليّ بن هشام على شرقيّ بغداد وحميد بن عبد الحميد على غربيّها.
ودخلت سنة أربع ومائتين

قدوم المأمون العراق والرجوع إلى لبس السواد

وفيها قدم المأمون العراق وانقطعت مادّة الفتن ببغداد.
ذكر الخبر عن ذلك

لمّا صار المأمون إلى النهروان أقام ثمانية أيّام، وخرج إليه أهل بيته وقوّاده ووجوه الناس، وكان كتب إلى طاهر وهو بالرقّة أن يوافيه إلى النهروان، فوافاه بها ثم. دخل مدينة السلام ولباسه ولباس أصحابه: أقبيتهم وقلانسهم وطرزهم وأعلامهم كلّها، الخضرة وطاهر معه، فلم يكن يدخل إليه أحد من القوّاد والناس كافّة إلّا في ثياب خضر مدّة، ثم تكلّم في ذلك بنو العبّاس خاصّة وخاطبوا طاهر بن الحسين وكاتبه أيضا قوّاد خراسان. وكان المأمون أمر طاهر أن يسأله حوائجه. فكان أوّل حاجة سأله أن يرجع إلى لبس السواد وزيّ دولة الآباء.
فلمّا رأى المأمون طاعة الناس له في لبس الخضرة مع كراهتهم لها جمع الناس. ثم دعا بسواد فلبسه، ودعا بخلعة سواد فألبسها طاهرا. ثم دعا لقوّاده بخلع السواد، وطرح الناس الخضرة.
ودخلت سنة خمس ومائتين

ولاية طاهر بن الحسين

وفيها ولّى المأمون طاهر بن الحسين من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق.
ذكر السبب في ذلك