كان المأمون ولّاه الحربة والشّرط وجانبي بغداد ومعاون السواد. فاتفق أنّ محمد بن أبي العباس ناظر عليّ بن الهيثم بين يدي المأمون في التشيّع ودار الكلام بينهما إلى أن قال محمد لعليّ: « يا نبطيّ، ما أنت والكلام؟ » وكان المأمون متّكئا، فجلس وقال: « الشتم عيّ والبذاء لؤم. وقد أبحنا الكلام، فمن قال الحقّ حمدناه ومن جهل وقفناه. فاجعلا بينكما أصلا ترجعان إليه. » فعادا إلى المناظرة وعاد محمد لعليّ بالسفه. فقال عليّ:
« لو لا جلالة مجلسه وما وهب الله من رأفته وما نهى عنه آنفا، لعرّقت جبينك. وكفاك من جهلك غسلك المنبر بالمدينة. » فجلس المأمون وكان متّكئا فقال:
« وما غسلك المنبر، ألتقصير مني في أمرك أم لتقصير المنصور في أمر أبيك؟ لو لا أنّ الخليفة إذا وهب استحى أن يرجع فيه لكان أقرب شيء بيني وبينك إلى الأرض رأسك. قم، وإيّاك ما عدت. » فخرج محمد بن أبي العبّاس ومضى إلى طاهر وهو زوج أخته، فقال له:
« كان من قصّتى كيت وكيت. » وكان يحجب المأمون على الشراب فتح الخادم وحسين يسقيه. فركب طاهر إلى الدار ودخل فتح يستأذن له، فقال المأمون:
« إنّه ليس من أوقاته ولكن ائذن له. » فدخل طاهر فسلّم، فردّ وقال:
« اسقوه رطلا. » فأخذه في يده اليمنى وقال له:
« اجلس. » فجلس وشربه، ثم شرب المأمون وقال:
« اسقوه الثاني. »
ففعل كفعله الأوّل، ثم نهض. فقال له المأمون:
« اجلس. » فقال: « يا أمير المؤمنين ليس لصاحب الشرط أن يجلس بين يدي سيّده. » قال المأمون:
« ذاك في مجلس العامة، فأمّا في مجلس الخاصّة فطلق. » قال: وبكى المأمون وتغرغرت عيناه، فقال له طاهر:
« يا أمير المؤمنين لا تبك عيناك. فو الله لقد دانت لك البلاد وأذعن لك العباد وصرت إلى المحبّة في كلّ أمرك. » فقال: « أبكى لأمر ذكره ذلّ وستره حزن، ولن يخلو أحد من شجن.
فتكلّم بحاجتك التي جئت لها. » قال: « يا أمير المؤمنين، محمد بن أبي العبّاس أخطأ، فأقله عثرته وارض عنه. » قال: « قد رضيت عنه وأمرت بصلته، ورددت عليه منزلته. ولو لا أنّه ليس من أهل الأنس لأحضرته. » قال: وانصرف طاهر ثم دعا طاهر بهارون بن جبعويه فقال:
« إنّ أهل خراسان يتعصّب بعضهم لبعض وإنّ لي إليك حاجة. خذ معك ثلاثمائة ألف درهم فأعط الحسين الخادم مائتي ألف درهم وأعط كاتبه محمد بن هارون مائة ألف، وسله أن يسأل المأمون: لم بكى؟ » قال: ففعل ذلك. فلمّا تغدّى المأمون قال:
« يا حسين اسقني. »
قال: « لا والله لا سقيتك، أو تقول لي لم بكيت حين دخل عليك طاهر. » قال: « يا حسين وكيف عنيت بهذا حتى سألتنى عنه؟ » قال: « لغمّى بذلك. » قال: « يا حسين، أمر إن خرج من رأسك قتلتك. » قال: « يا سيّدي ومتى أخرجت لك سرّا؟ » قال: « إني ذكرت محمدا أخي وما ناله من الذّلة، فخنقتني العبرة، فاسترحت إلى الإفاضة، ولن يفوت طاهرا مني ما يكره. » فأخبر حسين طاهرا بذلك. فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد فقال له:
« إنّ الثناء مني ليس برخيص، وإنّ المعروف عندي ليس بضائع، فغيّبنى عن عينه. » فقال له:
« سأفعل، فبكّر عليّ غدا. » وركب ابن أبي خالد إلى المأمون، فلمّا دخل إليه قال له:
« ما بتّ البارحة. » فقال له:
« ولم ويحك؟ » قال: « لأنّك ولّيت خراسان غسّان وهو ومن معه أكلة رأس، وأخاف أن تخرج عليه خارجة من الترك فتصطلمه. » قال: « لقد فكّرت في ذلك، فمن ترى؟ » قال: « طاهر بن الحسين. » قال: « ويلك يا أحمد، هو والله خالع. »
قال: « أنا الضامن له. » قال: « فأنفذه. » قال: فدعا طاهرا من ساعته فعقد له وشخص من ساعته. فنزل في بستان جليل يحمل إليه في كلّ يوم ما أقام فيه مائة ألف. فأقام شهرا ثم شخص إلى خراسان.
وكان طاهر استخلف ابنه بالرقّة على قتال نصر بن شبث.
ذكر نادرة لكاتب صارت سببا لصلاح حاله وحال الكتاب ببغداد

تحدّث محمد بن خالد بن رودى المدائني الكاتب قال:
كان مخلد يلقّب بلبد لطول عمره فحدّثني أنّ المأمون أوّل ما قدم العراق حظر أن يقلّد الأعمال إلّا الشيعة الذين قدموا معه من خراسان. فطالت عطلة كتّاب السواد وعمّاله وكانوا يحضرون داره في كلّ يوم حتى ساءت حال أكثرهم. فخرج يوما بعض مشايخ الشيعة وكان مغفّلا، فتأمّل وجوههم فلم ير فيهم أسنّ من مخلد، فجلس إليه ثم قال له:
« إنّ أمير المؤمنين قد أمرنى أن أتخيّر ناحية من نواحي الخراج صالحة المرفق ليوقّع بتقليدى إيّاه، فاختر لي أنت ناحية. »
فقال: « إني لا أعرف لك عملا أولى من مرتدات البحر وصدقات الوحش وخراج وبار. » فقال: « اكتبه لي بخطّك. » فكتب ذلك له بخطّه، فذهب الشيعي حتى عرض الرقعة على المأمون وسأله تقليده ذلك العمل. فقال له:
« من كتب لك هذه الرقعة؟ » قال: « شيخ من الكتّاب يحضر الدار كلّ يوم. » قال: « هلمّه. » فلمّا أدخل، قال له المأمون:
« ما هذا يا جاهل، قد بلغ بك الفراغ إلى مثل هذا؟ » فقال: « يا أمير المؤمنين أصحابنا هؤلاء ثقات يصلحون لحفظ ما تحصّل استخراجه وصار في أيديهم. فأمّا شروط الخراج، حكمه، وما يجب تعجيل استخراجه، وما يجب تأخيره، وما يجب إطلاقه، وما يجب منعه، وما يجب إنفاقه، وما يجب الاحتساب، به فلا يعرفونه، وتقليدهم يعود بذهاب الارتفاع، فإن كنت يا أمير المؤمنين لا تثق بنا فمر بأن يضمّ إلى كلّ رجل منهم رجل منّا، فيكون الشيعي يحفظ الأموال ونحن نجمعه. » فاستصاب المأمون كلامه، وأمر بتقليد عمّال السواد وكتّابهم، وأن يضمّ إلى كلّ واحد منهم واحد من الشيعة. وضمّ مخلد إلى ذلك الشيخ، فقلّده ناحية جليلة.
وفيها ولّى المأمون عيسى بن محمد بن أبي خالد أرمينية وأذربيجان لمحاربة بابك.
ودخلت سنة ست ومائتين

وفيها ولّى المأمون عبد الله بن طاهر الجزيرة إلى مصر
ذكر السبب في ذلك

كان يحيى بن معاذ بالجزيرة فمات في هذه السنة، فدعا المأمون عبد الله بن طاهر فقال:
« يا عبد الله، إني أستخير الله عز وجل منذ شهر وأرجو أن يخير الله لي.
إنّ الرجل يصف ابنه ليطريه لرأيه فيه، وليرفعه، وقد رأيتك فوق ما وصفك أبوك. وقد مات يحيى بن معاذ واستخلف ابنه وليس بشيء. وقد رأيت توليتك مصر ومحاربة نصر بن شبث. » فقال: « السمع والطاعة لأمير