









لمكتفي والتأهب للشخوص إلى حرب القرمطي
ولليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة أمر المكتفي بالله بإعطاء الجند أرزاقهم والتأهّب للشخوص إلى حرب القرمطي بناحية الشام.
فأطلق للجند في دفعة واحدة مائة ألف دينار، وذلك أنّ أهل مصر والشام كتبوا يشكون ما لقوا من ابن زكرويه المعروف بصاحب الشامة، وأنّه قد أخرب البلاد وقتل الناس. وحكوا أشياء عظيمة ممّا لقوه منه ومن أخيه قبله وقتلهم الرجال، وأنّه لم يبق منهم إلّا عدد قليل.
فأخرجت مضارب المكتفي فضربت بباب الشمّاسية ومعه قوّاده وغلمانه وجيوشه.
ثم رحل وسلك طريق الموصل ومضى أبو الأغرّ، فنزل وادي بطنان قريبا من حلب. فلمّا استقرّ ونزل معه جميع من معه نزع أكثرهم ثيابهم ودخلوا الوادي يتبرّدون بمائه وكان يوما شديد الحرّ. فبينا هم كذلك إذ وافاهم جيش القرمطي صاحب الشامة وقد تقدّمهم المطوّق فكبسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقا كثيرا وانتهب العسكر، وأفلت أبو الأغرّ فدخل حلب، وأفلت معه ألف رجل وكانوا عشرة آلاف.
وصار القرمطي إلى باب حلب فحاربهم أبو الأغرّ فيمن بقي معه من أصحابه وأهل البلد، فذهبوا وانصرفوا عنه بما أخذوا من عسكره من الكراع والسلاح والأموال والمتاع بعد حرب كانت بينهم. ومضى المكتفي بمن معه من الجيش حتى انتهوا إلى الرقّة فنزلها وسرّح الجيوش إلى القرمطي جيشا بعد جيش.
ثم ورد كتاب من بدر الحمامي صاحب ابن طولون يخبر فيه، أنّه واقع القرمطي صاحب الشامة فهزمه ووضع في أصحابه السيف ومضى من أفلت منهم نحو البادية، وأنّ أمير المؤمنين وجّه في إثره الحسين بن حمدان بن حمدون.
وورد كتاب آخر من البحرين من ابن بانو يذكر فيه أنّه واقع قرابة لأبي سعيد الجنّابى ووليّ عهده من بعده فهزمه وكان مقامه بالقطيف فوجد قتيلا بين القتلى، فاحتزّ رأسه، وأنّه افتتح القطيف فدخلها.
وفيها وجّه القاسم بن عبيد الله الجيوش إلى صاحب الشامة، وولّى حربه محمّد بن سليمان الكاتب وكان إليه ديوان الجيش، وضمّ إليه جميع القوّاد وكتب إلى من تقدّمه من القوّاد بالانضمام إليه وأن يسمع الجميع له ويطيعوه.
ودخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين
ولمّا توجّه محمّد بن سليمان مع جيوش المكتفي وتولّى حرب صاحب الشامة، والمكتفي بالرقّة، كتب إليه بمناهضة صاحب الشامة بمن معه فنهض إليه.
ذكر مسيره وظفره بالقرمطي
فلمّا صار بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا لقوا أصحاب القرمطي. وكان القرمطي قدّم أصحابه وتخلّف هو في جماعة من أصحابه لأجل حفظ مال كان جمعه وجعل سواده وراءه. فالتحمت الحرب بين العسكرين واشتدّت، فهزم أصحاب القرمطي فقتلوا وأسر منهم خلق كثير وتفرّق الباقون في البوادي، وتبعهم السلطان.
فلمّا رأى القرمطي هزيمة أصحابه حمّل فيما قيل أخا له يكنّى أبا الفضل مالا وتقدّم إليه أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر في موضع فيصير. إليه وركب هو وابن عمّه المسمّى: المدّثّر والمطوّق صاحبه وغلام له روميّ وأخذ دليلا وسار يريد الكوفة عرضا في البرّيّة حتى انتهى إلى موضع يعرف بالدالية من أعمال الفرات وقد نفد ما كان معهم من الزاد، فوجّه بعض من كان معه ليأخذ لهم بعض ما يحتاجون إليه.
فدخل الدالية المعروفة بدالية ابن طوق ليشتري ما يحتاج إليه فأنكر زيّه وسئل عن أمره فجمجم فأعلم المتولّى مسلحة هذه الناحية خبره، وكان يعرف بأبي خبزة خليفة ابن كشمرد عامل المكتفي بالرحبة وطريق الفرات. فركب في جماعة وسأل هذا الرجل عن خبره وهدّده فأخبره أنّ صاحب الشامة خلف رابية هنالك في ثلاثة نفر. فمضى إليهم فأخذهم وصار بهم إلى صاحبه. فوجّه بهم ابن كشمرد إلى المكتفي بالرقّة.
ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروا أكثر أولياء القرمطي وأشياعه.
وكتب محمّد بن سليمان بالفتح وكان المباشر للحرب وصاحب الظفر الحسين بن حمدان فقرّظه محمّد بن سليمان في كتاب الفتح وأثنى عليه وعلى أصحابه.
وأدخل صاحب الشامة إلى الرقّة ظاهرا للناس على فالج وعليه برنس حرير ودرّاعة ديباج وبين يديه المدّثّر والمطوّق على جملين.
رجوع المكتفي إلى بغداد بالقرمطي والمدثر والمطوق وعاقبة أمرهم
ثم إنّ المكتفي خلّف عساكره مع محمّد بن سليمان وشخص هو في خاصّته وغلمانه وشخص معه القاسم بن عبيد الله من الرقّة إلى بغداد وحمل معه القرمطي والمدّثّر والمطوّق وحمل من أسر في الوقعة، وذلك في أوّل صفر من هذه السنة.
وأراد المكتفي أن يدخل القرمطي إلى بغداد على دقل منصوب على ظهر الفيل، فلم يمكن ذلك إلّا بهدم طاقات للأبواب التي يجتاز بها الفيل مثل باب الطاق وباب الرصافة. ثم استسمج الهدم فعمل حينئذ كرسيّ نصب على ظهر الفيل وكان ارتفاع الكرسيّ ذراعين ونصفا ودخل المكتفي بغداد وقدّم الأسرى بين يديه على جمال مقيّدين عليهم دراريع حرير وبرانس حرير والمطوّق وسطهم غلام ما خرجت لحيته قد جعل في فيه خشبة مخروطة وشدّت إلى قفاه كهيئة اللجام، وذلك أنّه لمّا دخل الرقّة كان يشتم الناس إذا دعوا عليهم ويبصق عليهم، ففعل ذلك به ببغداد. ثم أمر المكتفي ببناء دكّة في المصلّى العتيق من الجانب الشرقيّ تكسيرها عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، وارتفاعها نحو من عشرة أذرع، وبنى لها درج يصعد إليها.
وكان محمّد بن سليمان لمّا خلّفه المكتفي بالرقّة يلقط من كان في تلك النواحي من قوّاد القرمطي وقضاته وأصحاب شرطه فأخذهم وقيّدهم وانحدر مع من معه من الجيش إلى بغداد على طريق الفرات، وأمر القوّاد الذين ببغداد بتلقى محمّد بن سليمان والدخول معه. فدخل بغداد وبين يديه الأسراء حتى صار إلى الثريّا فخلع عليه وطوّق بطوق من ذهب وسوّر بسوارين من ذهب وخلع على جميع القوّاد وسوّروا. ثم إنّ صاحب الشامة أخذ وهو في الحبس سكرّجة عن المائدة التي تدخل إليه فكسرها وأخذ شظيّة منها فقطع بها بعض عروقه من يد نفسه فخرج منه دم كثير ثم شدّ يده فلمّا وقف المتولّى خدمته على ذلك منه سأله:
« لم فعل ذلك؟ » فقال: « هاج بي الدم فأخرجته. » فترك حتى صلح ورجعت إليه قوّته.
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)