فعرّفه أنّ الصواب في اجابته إليه والمبادرة إلى بغداد التي خرجت عن يده وهي دار الملك فأذن له في المصالحة. فردّ من يومه الطالقاني بالصلح وأنفذ معه الخلع واللواء والقاضي أبا الحسين ابن أبي الشوارب ليستحلف ابن حمدان ورجع مع مال التعجيل.
وبعد نفوذ الطالقاني جاء جعفر بن ورقاء وتكينك من عند بجكم إلى الموصل ثم تبعهما محمّد بن ينال الترجمان في مرقعة منهزمين من يد ابن رائق ووصفوا أنّه لمّا ظهر من استتاره ببغداد انضمّ إليه ثلاثمائة رجل من القرامطة فلقيه بديع غلام جعفر بن ورقاء وانهزم بديع وخرج إلى ابن رائق وهو بالمصلّى جماعة من الجند والحجريّة وخلق من العامّة وقالوا:
« نحن نقاتل بين يديك. » فأعطاهم خمسة دراهم وثلاثة دراهم.
وكان جعفر بن ورقاء وأحمد بن خاقان وابن بدر الشرابي في دار السلطان وما يليها فراسلهم ابن رائق وسألهم الإفراج له ليمضى إلى داره التي هي دار مونس. فأنزلها بجكم فمنعوه من ذلك فقاتلهم وانهزموا وقتل ابن بدر، واستأمن إلى ابن رائق جماعة من الرجال، فوعدهم بالعطاء وأعطاهم خواتيم طين تذكرة بالمواعيد، وصار إلى دار السلطان [ ولم يدخلها صيانة ] لمن فيها وراسل والدة الراضي بالله وحرمه برسالة جميلة وصار إلى دار مونس التي كان ينزلها بجكم فقاتله تكينك عنها وانهزم تكينك وملك ابن رائق الدار.
ثم أقبل محمّد بن ينال الترجمان من واسط في أربعة آلاف من الأتراك والديلم وغيرهم ليدفع ابن رائق عن بغداد فتلقّاه ابن رائق بالنهروان وجرت بينهم حرب شديد وانهزم الترجمان وصار في مرقّعة إلى الموصل.
وأقبل ابن رائق يثير ودائع بجكم وأمواله وأنفذ أبا جعفر ابن شيرزاد إلى بجكم بجواب الصلح منه فتقدّم إليه بجكم المقام وأنفذ بجواب الرسالة قاضى القضاة أبا الحسين عمر على أن يقلّد طريق الفرات وديار مضر وجند قنّسرين والعواصم وينفذ إليها. ورجع الطالقاني وابن أبي الشوارب القاضي من عند ابن حمدان بتمام الصلح وبعض المال فانحدر الراضي وبجكم من الموصل ولمّا صار قاضى القضاة إلى ابن رائق لقيه وقرّر أمره على تقلّد الأعمال التي تقدّم ذكرها فخرج ابن رائق من بغداد متوجّها إلى أعماله ووصل الراضي وبجكم إلى بغداد يوم السبت لتسع خلون من شهر ربيع الأوّل.
موت الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات وتقليد أبي جعفر محمد بن شيرزاد الوزارة

وفيها مات الوزير أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بالرملة.
وكان الراضي أنفذ خادما يستدعيه فوصل الخادم وقد مات. فكانت مدّة وقوع اسم الوزارة عليه سنة واحدة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يوما.
وقلّد مكانه أبا جعفر محمّد بن يحيى بن شيرزاد وسلّم إليه عليّ بن خلف، فصادره على خمسين ألف دينار وسفّر أبو جعفر بن شيرزاد في الصلح بين بجكم وبين البريدي. فتمّ ما شرع فيه وضمن أبو عبد الله البريدي أعمال واسط بستمائة ألف دينار في السنة.
ولمّا اتّفق موت الوزير أبي الفتح وصولح البريدي شرع أبو جعفر ابن شيرزاد في تقليد أبي عبد الله البريدي الوزارة وأشار بذلك فأنفذ الراضي بالله أبا الحسين إلى أبي عبد الله البريدي في تقلّد الوزارة، فامتنع منها، ثم استجاب إليها، وتقلّد الوزارة وخلّفه عبد الله بن عليّ النّفري بالحضرة كما كان يخلّف الفضل بن جعفر.
وكان بجكم قلّد بالبا التركيّ أعمال المعاون بالأنبار فكاتبه يلتمس منه أن يقلّده أعمال طريق الفرات بأسرها ليكون في وجه ابن رائق وهو بالشام.
فقلّده ذلك فنفذ إلى الرحبة وغلب عليها وكاتب ابن رائق وأقام له الدعوة في أعمال طريق الفرات وعظم أمره بها واتصل خبره ببجكم.
ذكر سرعة تلافى بجكم أمر بالبا قبل أن يستفحل

أنفذ بجكم غلامه يوستكين وعدلا حاجبه وقطعة من جيشه نحو أربعمائة رجل فوصلوا إلى الأنبار وقت العصر من يومهم وساروا من سحر ليلتهم إلى هيت وأخذوا منها الأدلّاء فسلكوا طريق البرّيّة ووصلوا إلى الرحبة في خمسة أيّام فدخلوها من بابين من أبواب الرحبة وجميع ذلك بوصيّة بجكم ورسمه، فعملا بما رسم. فعرف بالبا الخبر وهو على طعامه فوثب إلى سطح واستتر عند بعض الحاكة وأخذ من عنده وانحدروا به إلى الأنبار. ثم أدخلاه بغداد مشهّرا على جمل عليه نقنق وهو مصلوب ثم خفى أمره فيقال ان بجكم سمّه.
ودخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة

وفيها تزوّج بجكم سارة بنت الوزير أبي عبد الله أحمد بن محمّد البريدي بحضرة الراضي على صداق مائتي ألف درهم.
واشتدّ أبو جعفر ابن شيرزاد في معاملة التنّاء وزاد في المساحة واحتجّ عليهم بعلوّ الأسعار ووفورها وطالبهم بالترييع والتسعير والسلف وأظهر ظلمه.
وفيها سار الأمير أبو عليّ الحسن بن بويه إلى واسط وكان البريديّون بها.
فأقام الأمير أبو عليّ في الجانب الشرقي منها والبريديّون في الجانب الغربي.
ذكر السبب في ذلك

كان أبو عبد الله أنفذ جيشا إلى السوس وقتل قائدا من الديلم.
واضطرّ أبا جعفر الصيمري إلى التحصّن بقلعة السوس وكان متقلّدا أعمال الخراج بها. وخاف أبو الحسين أحمد بن بويه أن يصير البريدي إلى الأهواز من البصرة وكان أبو عليّ الحسن بن بويه أخوه مقيما بباب إصطخر فكتب إليه أبو الحسين أخوه يستنجده فوافاه يطوى المنازل طيّا في عشرة أيّام.
وكانت الضرورة دعت أبا الحسين أحمد بن بويه إلى أن خرج من السوس. فلمّا وصل أخوه أبو عليّ إلى السوس دخل أبو الحسين أحمد بن بويه الأهواز وكان أصحاب وشمكير قد تغلّبوا على إصبهان. فسار الأمير أبو عليّ الحسن بن بويه إلى واسط طمعا في أن يحصل له، فاضطرب رجاله لأنّه ما كان أنفق فيهم منذ سنة واستأمن من أصحابه مائة رجل إلى البريديين. وسار بجكم والراضي من بغداد لحربه فأشفق أن يقع التضافر عليه ويستأمن من رجاله. فانصرف إلى الأهواز ومنها إلى رامهرمز. ثم سار إلى إصبهان ففتحها واستأسر بضعة عشر قائدا من قوّاد وشمكير ورجع الراضي بالله وبجكم إلى بغداد.
وفيها خرج بجكم إلى الجبل فلمّا بلغ قرميسين عاد إلى بغداد ومعه مستأمنه الديلم.
ذكر السبب في خروج بجكم إلى الجبال ورجوعه عنها وسبب فساد الحال بينه وبين البريدي بعد الوصلة والصلاح

لمّا صاهر بجكم البريدي وخلّص ما بينهما كاتبه أن ينفذ إلى الجبل لفتحها وأن يخرج هو إلى الأهواز لفتحها ودفع أبي الحسين أحمد بن بويه عنها. وأنفذ إليه حاجبه عدلا في خمسمائة رجل نجدة ليضمّهم إلى رجاله.
قال أبو زكريا السوسي: وأخرجنى معه لأن أزعجه وأحثّه على المسير مع الجيش كلّه إذ كان ابتداؤهم بالسوس. قال: فحصلت بواسط وأظهر البريدي بما وردت وعدل الحاجب له، حتى إذا حصل بجكم بحلوان طمع البريدي في المسير إلى بغداد وأخذ الدفائن التي لبجكم في داره والعود بها إلى واسط وكانت عظيمة. فما زال يتربّص ويدافع، ويقدّم رجلا ويؤخّر أخرى، تارة تشره نفسه إلى المال وتارة يرهب من مكاشفة بجكم، ويتوقّع مع ذلك دائرة على بجكم من قتل أو هزيمة فيتمكّن ممّا يريد.
وامتدّت أيّامنا حتى أقمنا زيادة على شهر وكتب بجكم ترد علينا بأن نعرّفه ما علمناه فإذا أقرأناها البريدي قال:
« أنا سائر غير متلوّم. » ثم يتراخى ففطنّا لما في نفسه وقلت لعدل سرّا:
« أنفذ إلى بجكم من يعرّفه الخبر. » فبادر إليه بركابيّ يثق به. فلمّا وصل إلى بجكم لم يلبث أن ركب الجمّازات ووافى مدينة السلام وخلّف عسكره وراءه.
وسقطت الأطيار على البريدي بدخول بجكم بغداد وأنّه لا يدرى أهو منهزم أم مجتاز فأبلس ودهش وتحيّر وهمّ بالقبض عليّ وجذبني إلى البصرة وعملت أنا على الاستتار فخفت أن يثيرنى ويخرجني لأنّ واسط بلد صغير فكنت على ذلك أتردّد إليه متجلّدا. ثم دعاني وقت العصر بعدّة غلمان فلم أشك في أنّه للقبض عليّ. فوصلت إليه وقت المغرب وقد قام فدخل إلى كلّة له هربا من البقّ فقال لي:
« عرفت الخبر؟ » قلت: « ما ذا؟ » فقال: « سقط طائر قبل العصر بأنّ بجكم قد سار إلى واسط. » فقلت: « هذا باطل متى ورد بغداد ومتى خرج؟ » فقال: « دع هذا عنك، فإني لا أشكّ فيه. قم اخرج الساعة إليه وأزل ما أوحشه مني وهات يدك. » فناولته إيّاها وجعلها على أذنه وقال:
« خذنى إلى النخّاسين وبعني فإني لا أخالفك، واكفني هذا الباب ولا تسألنى عمّا تعمل. » فقبّلت يده ورجله والأرض بين يديه وقلت له:
« أمضى أتأهّب. » فقال: « قد تأهّبت لك وقدّم لك طيّار وجرّدت خمسين غلاما لبدرقتك وانزل إلى الطيّار ففيه زاد يكفيك إلى الحضرة وغلمانك يتلاحقون بك. » فلم أتمالك سرورا ثم خشيت أن يكون قد اغتالنى وإني أخرج فيؤخذ بي إلى البصرة. ونهضت من عنده فما تاب إليّ عقلي إلّا بفم الصلح. فلمّا وصلت إلى نهر سابس لقيني خادم من دارى ببغداد برسالة بجكم إليّ أن استتر، وأسرّ بذلك إليّ وسألنى من معي من غلمان البريدي عمّا ورد به الخادم فعرّفتهم أنّه أخبرني بحال عليلة لي وأنّها مشفية، وسرت مبادرا.
وأصبح البريدي نادما على إنفاذه إيّاى ووجّه خلفي من يطلبني لأنّ طائرا سقط عليه بما آيسه من صلاح بجكم له، وأغرى بي في الكتاب فكفانى الله.
ووصلت إلى دير العاقول وبها أحمد بن نصر القشوري. فخرجت إليه وأراد أن يأخذ الطيّار ويوقع بالغلمان. فلم أتركه وبرزت للغلمان ورددتهم في الطيّار وجلست أنا في طيّار أحمد بن نصر ووافيت الزعفرانيّة ولقيت بها بجكم وصعدت إليه فحدّثته بالحديث واجتهدت في إصلاحه للبريدى وردّه إلى بغداد، فأبى فقال:
« لو لقيتني وأنا على درجة من دارى لما تهيّأ لي أن أعود فإنّها تكون هزيمة فكيف وقد سرت ووصلت إلى ههنا. » وانحدرت معه فقبض على أبي جعفر بن شيرزاد بواسط لأنّه كان سبب البريدي عنده وهو الذي أشار بوصلته.
إزالة اسم الوزارة عن البريدي وإيقاعه على سليمان بن الحسن

وأظهر بجكم صرف أبي عبد الله البريدي عن الوزارة وأزال اسمها عنه وأوقعه على أبي القاسم سليمان بن الحسن. فكان اسم الوزارة عليه وخلع عليه خلع الوزارة والأمور يدبّرها كاتب بجكم وهو ابن شيرزاد إلى أن قبض عليه.
فكانت مدّة وقوع اسم الوزارة على أبي عبد الله البريدي سنة واحدة وأربعة أشهر وأربعة عشر يوما.
وكان بجكم عند إخراج مضربه إلى الزعفرانية متوجّها إلى البريدي أحبّ أن يكتم خبر انحداره. وكان انحداره في حديدي فضبط الطرق ومنع من نفوذ كتاب لأحد لئلا يكتب بخبر انحداره.
ذكر اتفاق ظريق غريب

كان معه في الحديدى كاتب له على أمر داره وجرايات حاشيته وكان له أخ في خدمة البريدي فلمّا جلس بجكم في الحديدى سقط على صدر الحديدى طائر فصاده غلمان بجكم وجاءوا به إلى مولاهم فوجد على ذنبه كتابا فقرأ فإذا هو كتاب من كاتبه هذا إلى أخيه بخطّه يعرّفه فيه انحدار بجكم ومن أنفذ على الظهر من الجيش وسائر أسراره وعزائمه. فلمّا وقف عليه بجكم عجب واغتاظ وأحضر هذا الكاتب ورمى إليه بالكتاب فسقط في يده ولم يمكنه جحده لأنّه بخطّه المعروف فاعترف به فأمر به فرمى بالزوبينات بحضرته إلى أن قتله ورمى به في الماء وسار إلى واسط فوجد البريدي قد انحدر منها ولم يقف.
ابن رائق ينفذ ابنه ليقتل قصاصا

وفي ذي الحجّة من هذه السنة ورد الخبر بأنّ ابن رائق أوقع بأبي نصر ابن طغج أخي الأخشيد. فانهزم أصحاب أبي نصر ابن طغج واستؤسر وجوه قوّاده وقتل أبو نصر ابن طغج فأخذه ابن رائق وكفّنه وحنّطه وحمله في تابوت إلى أخيه الأخشيد وأنفذ معه ابنه مزاحم بن محمّد بن رائق وكتب إلى الأخشيد معه كتابا يعزّيه فيه بأخيه ويعتذر ممّا جرى وأنّه ما أراد قتله وأنّه قد أنفذ إليه ابنه ليقيده به إن أحبّ ذلك.
فتلقّى الأخشيد فعله ذلك بالجميل وخلع على أبي الفتح مزاحم وردّه إلى أبيه واصطلحا على أن يفرج ابن رائق للأخشيد عن الرملة ويكون باقى الشام في يد ابن رائق ويحمل إليه الأخشيد عن الرملة مائة وأربعين ألف دينار.
دخول الترجمان من الجبل منهزما

وفيها دخل أبو نصر محمّد بن ينال الترجمان من الجبل منهزما من الديلم واتصل خبر هزيمته ببجكم وهو بواسط فوجّه بمن ضربه في منزله بالمقارع وقيّده وحبسه مدّة ثم رضى عنه.
ودخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمائة

قبض بجكم على كاتبه ابن شيرزاد

وفيها كان القبض من بجكم على كاتبه ابن شيرزاد واستكتب أبا عبد الله الكوفي فكانت مدّة كتابة ابن شيرزاد لبجكم وتدبيره الملك وقيامه مقام الوزراء تسعة عشر شهرا وثلاثة عشر يوما.
وحين أراد القبض عليه كاتب تكينك خليفته على يد مسرع بأن يحضر أبا القاسم الكلواذى وأصحاب الدواوين والعمّال والمهندسين ويتقدّم إليهم بأن يتواقفوا على أمر المصالح بالسواد وأن يعملوا عملا بما يحتاج إليه ناحية ناحية فإذا فرغ منه تسلّمه منهم وقبض على فلان وفلان - قوم أسماهم له من الكتّاب - فإذا حصلوا كتب على عدّة أطيار بخبر حصولهم.
فأحضرهم تكينك وناظرهم في دار بجكم على أمر المصالح. فلمّا فرغوا من ذلك وأرادوا الانصراف اعتقل من أسمى له منهم وفيهم أبو الحسن طازاذ بن عيسى ومحمّد بن الحسن بن شيرزاد والمعروف برهرمه وجماعة من الكتّاب والعمّال وكتب بخبر القبض عليهم. فلمّا عرف خبرهم وحصولهم في القبض قبض حينئذ على أبي جعفر ابن شيرزاد وزيره.
من دلائل دهاء بجكم

وممّا يستدلّ به على دهاء بجكم ما حكاه ثابت عن أبي عبد الله الكوفي قال:
قال بجكم بعد قبضه على أبي جعفر ابن شيرزاد: كان يقال لي إنّ أبا جعفر موسر كثير المال وكنت أظنّ أنّ أعداءه يكثرون عليه. فأردت أن أمتحن صحّة ما يقال فيه فقلت له يوما:
« قد أودعت الأرض مالا كثيرا وعملت على أن أودع الناس شيئا آخر ولست أثق بأحد ثقتي بك وأريد أن أودع عندك شيئا فهل تنشط لذلك. » فقال لي:
« وكم مبلغه؟ » فقلت: « مائة ألف دينار. » فقال لي مسرعا:
« نعم. » ولم يستكثرها ولا رأيت في وجهه إعظاما لها. فلمّا رأيت قوّة قلبه ونشاطه للأمر وأنّ المقدار لم يهله ولا عظم في نفسه علمت أنّ الذي قيل في يساره وكثرة ماله حقّ. فسلّمت إليه مائة ألف دينار وتركته مدّة طويلة ثم قلت له:
« قد احتجت إلى تلك الدنانير فينبغي أن تردّها. » فقال: « نعم. » وحمل بعد أيّام جزء منها ثم اقتضيته فحمل شيئا آخر ثم اقتضيته فحمل جزء آخر فأظهرت غضبا وقلت له: « دفعتها إليك جملة وتردّها تفاريق. » فارتاع لغضبي وصياحي عليه ودهش فخجل وقال:
« أنا أصدق الأمير ليس لي من أثق به في هذه الأحوال إلّا أختى وليس تطيق حمل الجميع ولا لها حيلة إلّا أن تحمله شيئا بعد شيء. » فسكتّ. وقلت: « يجوز ».
وحصّلت من كلامه أنّ الذي يجرى على يده أمر ودائعه هو أخته. فلمّا قبضت عليه وطالبته، أخذ يتماتن. فوجّهت إليه:
« لا تماتن، فإنّ أختك قد وقعت في يدي. » ولم تكن قد وقعت وإنّما أردت أن أرعبه. قال: فانحلّ وبلغ ما أردته.
موت الراضي بالله

وفيها في ليلة الجمعة للنصف من شهر ربيع الأوّل مات الراضي بالله وكان قد انكسف القمر كلّه وكان موته بالاستسقاء الزّقّى، واستتر كاتبه أبو الحسن سعيد بن عمرو بن سنجلا وانقضت أيّامه.
وكان رجلا أديبا شاعرا حسن البيان يحبّ محادثة الأدباء ومعاشرتهم ولا يفارق الجلساء وكان سمحا سخيّا واسع النفس.
ما قاله سنان بن ثابت لبجكم في علاج خلقه

وطمع بجكم في جماعة من ندمائه وظنّ أنّه ينتفع مع عجمته بآدابهم.
فلمّا نظر لم يجد من يفهّمه ما ينتفع به إلّا سنان بن ثابت. فإنّ سنانا كان ينادمه الراضي بالله.
قال سنان: دعاني بجكم ووصلني وأكرمنى ثم قال لي:
« أريد أن أعتمد عليك في تدبيري وأمور جسمي ومصالحي وفي أمر آخر هو أهمّ إليّ من أمر بدني وهو أمر أخلاقى. فقد وثقت بعقلك وفضلك وقد غمّنى غلبة الغضب والغيظ عليّ وافراطهما فيّ حتى أخرج إلى ما أندم عليه من ضرب وقتل. فأنا أسألك أن تثقف ما أعمله ثم تعالجنى ممّا تكرهه وإذا عرفت لي عيبا لم تحتشم أن تذكره لي ثم ترشدني إلى علاجه ليزول عني. » قال: فقلت له:
« السمع والطاعة، ولكن في العاجل اسمع مني جملة علاج ما أنكرته من نفسك إلى أن يجيء التفصيل.
« اعلم أيّها الأمير بأنّك قد أصبحت وليس فوق يدك يد لمخلوق، وأنّه لا يتهيّأ لأحد منعك ممّا تريد ولا أن يحول بينك وبين ما تهواه أيّ وقت أردته، وأنّك متى أردت شيئا بلغته في أيّ وقت شئت، لا يفوتك منه شيء.
« ثم اعلم أنّ الغيظ والغضب يحدث في الإنسان سكرا أشدّ من سكر الشراب المسكر بكثير. فكما أنّ الإنسان يعمل في وقت السكر من النبيذ ما يندم عليه وما لا يعقل به ولا يذكره إذا صحا، كذلك يحدث في حال السكر من الغضب بل أشدّ. فيجب كما يبتدأ بك الغضب وتحسّ بأنّه قد ابتدأ يغلبك ويسكرك وقبل أن يشتدّ ويقوى ويتفاقم ويخرج من يدك فضع في نفسك أن تؤخّر العقوبة على الذنوب وتتركها. تغبّ ليلة واثقا بأنّ ما تريد أن تفعله في الوقت لا يفوتك عمله في غد. وقد قيل: « من لم يخف فوتا حلم » فإنّك إذا فعلت ذلك وبتّ ليلتك وسكنت فلا بدّ لفورة الغضب من أن تبوخ وتسكن وتصحو من السكر الذي أحدثه لك الغضب. وقد قيل: « إنّ أصحّ ما يكون الرأي إذا استدبر الإنسان ليلته واستقبل نهاره ».
« فإذا صحوت من سكرك فتأمّل الأمر الذي أغضبك، فإن كان ممّا يجوز فيه العفو ويكفى فيه العتاب والتهديد أو التوبيخ أو العزل، فلا تتجاوز ذلك. فإنّ العفو أحسن بك وأقرب لك إلى الله عز وجل. وليس يظنّ بك المذنب ولا غيره العجز ولا تعذّر القدرة. وإن كان ممّا لا يحتمل العفو عاقبت حينئذ على قدر الذنب ولم تتجاوزه إلى ما يقبح ذكرك ويزيغ دينك ويمقت عليه نفسك وإنّما يشتدّ هذا عليك عند تكلّفه أوّل دفعة وثانية وثالثة، ثم يصير عادة فيسهل لك ثم تستلذّه إذا علمت أنّه فضيلة. » فاستحسن ذلك بجكم ووعد أنّه يفعله، وما زال ينبهه على شيء شيء حتى صلحت أخلاقه وكفّ عن القتل والعقوبات الغليظة واستحلى ما كان يشير به من استعمال العدل والإنصاف ورفع الجور والظلم وعمل به حتى قال:
« قد تبيّنت أن العدل أربح للسلطان بكثير وأنّه يحصّل له دنيا وآخرة وأنّ موادّ الظلم وإن كثرت وتعجّلت سريعة النفاد والفناء والانقطاع، وهو مع ذلك كأنّه لا يبارك فيها وتحدث حوادث يتحرّمها ثم يعود بخراب الدنيا وفساد الآخرة. »
فقلت له: « وبالضد، فإنّ موادّ العدل تنمى وتزيد وتدوم ويبارك فيها عند ابتداء العمل به. » وعمل بواسط وقت المجاعة دار ضيافة وببغداد بيمارسنا وعدل في أهل واسط وأحسن إلى أهلها،