إلّا أنّ مدّته لم تطل. فقتل عن قرب، ولله تدبير في أرضه وله أمر هو بالغه. خلافة المتقي لله أبي إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله

لمّا مات الراضي بالله بقي الأمر في الخلافة موقوفا انتظارا لقدوم أبي عبد الله الكوفي من واسط واحتيط على دار السلطان وانتظر أمر بجكم فيمن ينصب للخلافة فورد كتابه على أبي عبد الله الكوفي يأمر فيه: أن يجتمع مع الوزير الذي كان يزر للراضى بالله وهو أبو القاسم سليمان بن الحسن وكلّ من تقلّد الوزارة مع أصحاب الدواوين والقضاة والعدول والفقهاء والعلويين والعبّاسيين ووجوه البلد، وشاورهم فيمن ينصب للخلافة ممّن يرتضى مذاهبه وتحمد طرائقه. فمن وجدت فيه هذه الأحوال عقدت له الخلافة.
فلمّا اجتمعوا ذكر بعضهم إبراهيم بن المقتدر، فتفرّق الناس عن هذا ذلك اليوم من غير تقرير لأمر. فلمّا كان اليوم الثاني دفع كتاب بجكم إلى كاتب فقام وقرأه على الناس وذكر إبراهيم.
فقال محمّد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي:
« هذا الرجل من ولد المقتدر، فقل لنا هذا الرجل المذكور في الكتاب، يجب أن يكون من ولد المقتدر أو من غيرهم. » فقال أبو عبد الله الكوفي:
« من كانت فيه هذه الأوصاف نصب في الخلافة كائنا من كان. » فقال له:
« يحتاج أن يكون الخطاب في هذا سرّا. » فقام أبو عبد الله فدخل إلى بيت وأقبل يدخل إليه الناس اثنان اثنان ويقول لهما:
« قد وصف لنا إبراهيم بن المقتدر. فأيّ شيء تقولون؟ » فإذا سمعا ذلك لم يشكّا في أنّه شيء قد تقرّر وورد فيه أمر بجكم، فيقولون هو موضع لما أهلّ له، وكلاما في هذا المعنى. فلمّا استوفى كلام الجماعة تقدّم بحمله ليعقد له الأمر في دار بجكم ثم يحمل إلى دار السلطان.
وانحدر أبو عبد الله الكوفي وعرضت الألقاب على المتقي لله فاختار منها هذا اللقب، وأخذت البيعة على الناس وأنفذ الخلعة واللواء إلى بجكم مع أبي العبّاس أحمد بن عبد الله الإصبهاني إلى واسط، فانحدر بها وخلع عليه وأخذ البيعة عليه للمتقي لله.
وأطلق بجكم لأصحابه صلة البيعة نصف رزقه أو دون ذلك ولم يطلق للكتّاب ولا للنقباء وأشباههم شيئا. ووجّه بجكم قبل استخلاف المتّقى فحمل من دار السلطان فرسا كان استحسنه وآلات كان اشتهاها. وخلع المتقي لله على سلامة الطولونى وقلّده حجبته وأقرّ سليمان بن الحسن على وزارته وإنّما كان له من الوزارة الاسم فقط والتدبير إلى أبي عبد الله الكوفي.
ورود الخبر بدخول ابن محتاج إلى الري وقتله ما كان الديلمي وهزيمته لوشمكير

وفيها ورد الخبر بدخول أبي على ابن محتاج في جيش خراسان إلى الري وقتله ما كان الديلمي وهزيمته لوشمكير إلى طبرستان.
ذكر السبب في ذلك

كان ماكان مستقرّا بكرمان من قبل صاحب خراسان حتى بلغه قتل مرداويج فاجتمع عليه استئمان رجاله إلى عماد الدولة علي بن بويه ومجاورته إيّاه وطمعه في معاودة أعماله الأولى من جرجان وطبرستان.
فصار إلى خراسان واستعفى من ولاية كرمان وسأل ولاية جرجان. فوليها وسار إليها وفيها بلقاسم ابن بانجين من قبل وشمكير فقدّم ما كان كتابا إلى وشمكير يداريه فيه ويستنزله عن أعماله التي كانت في يده ويستعيده إلى حال المودّة والموادعة، وكان الإجماع قد وقع من الجيل والديلم أنّه لم ير فيهم أشجع ولا أنجد ولا أفرس من ماكان وأقرّ له بذلك كلّ شجاع مذكور وكلّ متقدّم مشهور.
فصادفت رسالته من وشمكير ضعف قلبه بقتل أخيه مرداويج وقرب عهده بالمصيبة وإشفاقه من صاحب خراسان ومن جهة عماد الدولة علي بن بويه.
فاستجاب له إلى النزول عن جرجان وكتب إلى صاحبه بلقسم ابن بانجين بتسليمها إليه. فلمّا مضت له مدّة استنزله ما كان أيضا عن سارية فنزل له أيضا عنها.
فتأكّدت الحال بينهما واستحكمت المودّة واستوحش صاحب خراسان من تضافرهما وآل الأمر إلى أن خلع ما كان طاعته وأسقط خطبته. فسار حينئذ أبو على ابن محتاج إلى جرجان لمواقعته في عسكر كثيف أمدّه به صاحب خراسان وكتب ما كان إلى وشمكير بالصورة واستنجده. فأنجده بعسكر قويّ ثم أتبعه أيضا بعسكر ثان مع شيرج بن ليلى وحاصر ابن محتاج ما كان واشتدّ به الحصار إلى أن أكل أصحابه لحوم الجمال والبغال.
فانتهز هذه الفرصة ركن الدولة الحسن بن بويه واغتنم شغل وشمكير بما كان فطمع في الريّ وكاتب أبا عليّ ابن محتاج صاحب جيش خراسان وأشار عليه بمناجزة القوم ووعده بالمعاونة وكذلك فعل عماد الدولة كاتبه وأشار عليه بالمناجزة ووعده بأن يسيّر أخاه إلى الريّ في عسكر قويّ.
وعرف وشمكير الخبر وكتب إلى ما كان بالصورة وأشار عليه بتسليم جرجان إلى الخراسانية وكتب إلى شيرج وإلى سائر عسكره بالانصراف ففعل ما كان ذلك وعاد الجيش بأجمعه إلى الريّ وحصل ما كان بسارية وتمكّن ابن محتاج من جرجان واتصلت المكاتبة بينه وبين عماد الدولة وركن الدولة واستحكمت المودّة بينهم واتّفقوا على حرب وشمكير حين اختلط عسكراهما وصارا عسكرا واحدا واشتملت عدّة العساكر على سبعة آلاف من الديلم والجيل سوى الأتراك والعرب وأظهرا من السلاح والجنن والآلات والدوابّ أمرا عظيما. فترافدا في التدبير لأنّ وشمكير كان منفردا بإطلاق النفقات والأموال وإقامة الأنزال والعلوفات وتفقّد القوّاد والرجال لأنّ الريّ وأعمالها كانت في يده.
فأمّا ما كان فإنّه تفرّد بمباشرة الحرب وترتّب منها في القلب. فسار ابن محتاج على طريق الدامغان حتى قرب منها وأقام الديلم والجبل مصافّها وبات الفريقان على أهبة لمباكرة الحرب والمناجزة وكان وشمكير ضرب عدّة خركاهات للمصافّ ونصب المطارد والأعلام وأحضر الطعام للناس وأجلس ما كان في الصدر يأكل ويطعم ويجلس من يرى ووشمكير قائم متردّد على رسمهم في ذلك. فكان ما كان يقول:
« يا با طاهر، لم تأكل معنا ثم تتوفّر على النظر بعد ذلك؟ » فيقول: « يا با منصور، نحن بازاء أمر قد قرب انفصاله. فإن كان لنا فسوف نأكل معا ونطعم وإن كان لغيرنا فسوف يأكل ويطعم. » وكانا يتعاملان معاملة النظراء ويتخاطبان بالكنى ويتساويان في جميع أحوالهما. فما استتمّوا طعامهم حتى ورد عليهم الخبر بأنّ ابن محتاج رحل عن موضعهم عادلا عن سمتهم إلى إسحاقاباذ ليجتمع معه العدد الذي أنفذه ركن الدولة، لأنّه كان سار على طريق قم وقاشان. فارتحلا جميعا في الوقت إلى هذه القرية، وأعاد المصافّ بها ووافى ابن محتاج وقد عبّى جيشه كراديس.
ذكر حيلة في الحرب تفرق بها الجيش المجتمعون ودخل بينهم الغدر فأزال تعبئتهم وهزمهم

تقدّم ابن محتاج إلى أصحابه أن يطرقوا القلب ويلحّوا عليه وكان فيه ما كان وجمرة العساكر وان يتطاردوا لهم ويستجرّوهم ثم وصّى الكراديس التي بإزاء الميمنة والميسرة أن يناوشوهم مناوشة خفيفة بمقدار ما يشغلهم عن أن يصيروا مددا لمن في القلب ولا يطلبوا المناجزة بل يقفوا بازائهم على هذا السبيل. ففعلوا ذلك وألحّوا على القلب ثم تطاردوا لهم كالمنهزمين فطمع ما كان وأصحابه الذين كانوا في القلب فيهم فاتّبعوهم وفارقوا مصافّهم وبعدوا عن ميمنتهم وميسرتهم وصار بينهم فضاء كثير.
فحينئذ أمر ابن محتاج الكراديس التي بإزاء الميمنة والميسرة أن يتركوا من بازائهم ويدخلوا في الفضاء الذي اتسع لهم وراء القلب وأمر الذين كانوا بإزاء الحرب أن يحملوا ويحقّقوا عليه مواجهين له. فانكسر الديلم وحصلوا بين الكراديس ولم يكن لهم مهرب فقتلوهم كما شاءوا.
وكان ما كان قد ترجّل وأبلى بلاء حسنا وظهرت منه آثار لم ير مثلها.
فوافاه سهم عائر وقع في جبينه فنفذ الخوذة والرأس حتى طلع من قفاه وسقط ميتا. وأفلت وشمكير وقوم من أصحاب الخيل إلى سارية وأسر الباقون وقتلوا بأجمعهم.
وملك ابن محتاج الريّ وأخذ رأس ما كان بخوذته والسهم فيه وحمل على هيئته وحالته إلى خراسان مع الأسارى ورؤوس القتلى وكانوا عددا جمّا يقال: إنّهم نحو ستة آلاف. ثم حمل بعد ذلك رأس ما كان إلى بغداد بعد مقتل بجكم. لأنّ بجكم ينتسب إلى ما كان ويزعم أنّه تربيته وقد كان أظهر حزنا وغمّا شديدا لمّا سمع بقتله وجلس للعزاء. فلمّا قتل بجكم ورد أبو الفضل العبّاس ابن شقيق المرسوم كان بالترسّل بين ولاة خراسان وبين السلطان ومعه رأس ما كان وفيه السهم وعليه الخوذة وذلك في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
ذكر غلطة وقعت من ابن محتاج في استنامته إلى جيش غريب حتى قتل خلق من أصحابه وانتهب سواده ونجا بنفسه

كان الحسن بن الفيروزان ابن عمّ ماكان وصنيعته وكان قريبا منه في الشجاعة. إلّا أنّه كان شرسا متهوّرا زعر الأخلاق. فلمّا قتل ما كان التمس منه وشمكير أن يدخل في طاعته وينحاز إليه فلم يفعل. ثم لم يقتصر على التثاقل عنه حتى أطلق لسانه فيه وقال: هو الذي أسلم ما كان إلى القتل وخذّله ونجا بنفسه. فأفسد ما بينه وبين وشمكير بهذا الضرب من الكلام والوقيعة فيه. فقصده وشمكير وهو يومئذ بسارية. فانصرف عن سارية وصار إلى ابن محتاج داخلا في طاعته ومستنهضا له على وشمكير. فقبله ابن محتاج وأحسن إليه وساعده على قصد وشمكير.
فلقيه بظاهر سارية واتصلت الحرب بينهما أيّاما إلى أن ورد الخبر على ابن محتاج بوفاة نصر بن أحمد صاحب خراسان. فصالح وشمكير وأخذ ابنا له يقال له: سالار، رهينة وواقفه على أمور تقررت بينهما وانصرف إلى جرجان وجذب الحسن بن الفيرزان معه وهو غير طيب النفس بما فعله وأراد منه أن يتمم الحرب ثم يستخلف الحسن ويمتدّ بعد ذلك إلى خراسان.
فلمّا لم يفعل ابن محتاج ذلك انجذب الحسن بن الفيرزان معه على هذا الحقد ودبّر أن يطلب غرّته في طريقه ويفتك به. فلمّا صارا إلى الحدّ بين أعمال جرجان وخراسان وثب الحسن على ابن محتاج وأوقع بعسكره ليقتله. فأفلت منه وقتل حاجبه وانتهب سواده واسترجع رهينة وشمكير أعنى ابنه سالار وعاد إلى جرجان فاستولى عليها وعلى أعمال الدامغان وسمنان والقلعة التي كان يعتصم بها.
وكان وشمكير صار إلى الريّ فملكها. فلمّا فعل الحسن بابن محتاج ما فعل عاد إلى مواصلة وشمكير وبدأه بالمجاملة وردّ عليه ابنه الذي كان رهينة عند ابن محتاج. وأراد بذلك أن يستظهر على الخراسانية به إن عاودوا حربه. فتسلّم وشمكير ابنه وحاجزه في الجواب ولم يصرّح له بما ينقض شرائط ابن محتاج عليه.
ثم إنّ ركن الدولة قصد الريّ وحارب وشمكير فانهزم وشمكير واستأمن أكثر رجاله إلى ركن الدولة وصار إلى طبرستان فاغتنم الحسن ابن الفيرزان ضعف وشمكير فسار إليه واستأمن إلى الحسن بقية أصحابه وانهزم وشمكير إلى خراسان على طريق جبل شهريار.
فلمّا حصل وشمكير بخراسان رأى الحسن بن الفيرزان أن يواصل أبا على ركن الدولة وينحاز. إليه فراسله ورغب في مواصلته. فأجابه إلى ذلك وتمّت المصاهرة بينهما بوالدة الأمير على ابن ركن الدولة، أعنى فخر الدولة وهي بنت الحسن بن الفيرزان.
حوادث حدثت في هذه السنة منها مقتل بجكم

وفي هذه السنة فرغ من مسجد براثا وجمّع فيه.
وفيها اشتدّ الغلاء ببغداد وبلغ الكرّ من الدقيق مائة وثلاثين دينارا وأكل الناس الحشيش وكثر الموت حتى كان يدفن في قبر واحد جماعة من غير غسل ولا صلاة وظهر من قوم ديانة وصدقة وتكفين ومن آخرين فجور وغصب وهم الأكثر. وفيها انبثق نهر الرّفيل ونهر بو فلم يقع عناية بتلافيهما حتى خربت بادوريا بهذين البثقين بضعة عشر سنة.
وفيها قتل بجكم.
ذكر سبب قتله

كان ورد جيش البريدي إلى المذار وأنفذ بجكم نوشتكين وتوزون في جيش للقائه فكانت بينهما وقعة عظيمة كانت أوّلا على أصحاب بجكم. فكتبا إلى بجكم يسألانه أن يلحق بهما فخرج بجكم من داره بواسط يوم الأربعاء عشرة خلت من رجب للمسير إلى المذار ليلحق عسكره وأصحابه. فورد كتاب توزون ونوشتكين بظفرهما وهزيمة جيش البريدي وأنّه قد استغنى عن انزعاجه فأنفذ بجكم بالكتاب إلى بغداد وكتب به كتاب هناك قرأ على المنابر.
وهمّ بجكم بالرجوع من حيث وصل إليه الكتاب بالخبر وكانت خزائنه قد سارت. فأشار عليه أبو زكريا السوسي بأن لا يرجع وقال له: « تمضى وتتصيّد. » فعمل على ذلك. فلمّا بلغ نهر جور عرف أنّ هناك قوما من الأكراد مياسير فشره إلى أموالهم وقصدهم متهاونا بهم في عدد يسير من غلمانه وعليه قباء طاق بلا جبّة. فهرب الأكراد من بين يديه وتفرّقوا ورمى واحدا منهم فأخطأ ورمى آخر فأخطأ واستدار من خلفه غلام من الأكراد وهو لا يعرفه فطعنه بالرمح في خاصرته فقتله وذلك بين الطيب والمذار يوم الأربعاء لتسع بقين من رجب. واضطرب عسكره جدّا ومضى ديلمه خاصة إلى البريدي وكانوا ألف وخمسمائة رجل فقبلهم وأضعف أرزاقهم في دفعة واحدة.
وكان بنو البريدي عملوا على الهرب وقد ضاقت عليهم البصرة لمراسلة بجكم أهلها بما سكّن نفوسهم فكانوا مجتمعين بمطارا. فلمّا بلغ بنى البريدي قتل بجكم فرّج عنهم ونفّس خناقهم وعاد أتراك بجكم إلى واسط وسار تكينك بهم إلى بغداد ونزلوا في النجمى وأظهروا طاعة المتقي لله وصار أحمد بن ميمون كاتب المتقي لله قديما هو المدبّر للأمور وصار أبو عبد الله الكوفي من قبله.
فكانت مدّة تقلّد أبي عبد الله الكوفي كتابة بجكم وتدبيره المملكة خمسة أشهر وثمانية عشر يوما ومدّة إمارة بجكم سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيّام.
ووجّه المتقى بجماعة من حجّابه فوكّلهم بدار بجكم ولم يتعرّض لشيء ممّا فيها حذرا من أن يرد خبر لبجكم يبطل الخبر الأوّل.
دفائن بجكم في البيوت والصحارى

فلمّا صحّ عنده قتله أحضر يكاق صاحب تكينك فأثبت المواضع التي فيها المال مدفونا. فسأل عن سبب معرفته بها فذكر أنّه كان يخرج من الخزانة ويستدلّ على أنّه لدفين، ثم يتّتبع الأثر سرّا. فلمّا عرف البيت الذي فيه الدفين والموضع المظنون فيه المال طلب له ثقة وضمّ إلى نجاح خادم المتقى، فاستخرج شيء كثير في قدور كبار منها عين ومنها ورق. فلمّا فرغ ممّا وجد بذل للحفّارين أن يأخذوا التراب باجرتهم فامتنعوا، فأطلق لهم ألفى درهم ثم تقدّم بغسل التراب فغسل وأخرج منه ستّة وثلاثون ألف درهم.
وكان بجكم قد دفن في الصحارى ولم يقتصر على ما دفنه في البيوت فكان الناس يتحدّثون أنّه إذا دفن في الصحراء شيئا ومعه من يعاونه قتله لئلّا يدلّ على ما يدفنه في وقت آخر فبلغ بجكم ما يقوله الناس فعجب منه.
فحكى سنان بن ثابت قال:
قال لي بجكم: فكّرت فيما دفنته في دارى من المال وقلت قد يجوز أن يحال بيني وبين الدار بحوادث تحدث فلا أصل إليها فيتلف مالي وروحي، إذ كان مثلي لا يجوز أن يعيش بغير مال فدفنت في الصحراء وعلمت أنّه لا يحال بيني وبين الصحراء.
فبلغني أنّ الناس يشنّعون عليّ بأنّى أقتل من يكون معي. ولا والله ما قتلت أحدا على هذه السبيل. وأنا أحدّثك كيف كنت أعمل: كنت إذا أردت الخروج للدفن أحضرت بغالا عليها صناديق فرّغ إلى دارى فاجعل في بعضها المال وأقفل عليها وأدخل من أريد أن يكون معي من الرجال إلى باقى الصناديق التي على ظهور البغال وأطبق عليهم وأقفل عليهم وأسيّر بالبغال، ثم آخذ أنا مقود القطار وأسير إلى حيث أريد وأردّ من يخدم البغال وأنفرد وحدي في وسط الصحراء، ثم افتح عن الرجال فيخرجون ولا يدرون أين هم من أرض الله، وأخرج المال فيدفن بحضرتى وأجعل لنفسي علامات، ثم أردّ الرجال إلى الصناديق وأطبقها عليهم وأقفلها وأقود البغال إلى حيث أريد، وأخرج الرجال فلا يدرون إلى أين مضوا ولا من أين رجعوا، واستغنى عن القتل.
واستوزر المتقي لله أبا الحسين أحمد بن محمّد بن ميمون وخلع عليه واستحلف أبا عبد الله الكوفي وطلب تكينك فاستتر.
وقدم الترجمان من واسط، فأقرّه المتقي لله على الشرطة ببغداد.
وفيها أصعد البريديون من البصرة بعد قتل بجكم.