









موافاة ابن شيرزاد بغداد
ووافى أبو جعفر ابن شيرزاد لخمس بقين من المحرّم فدخل بغداد. فلم يشكّ المتقي لله والجماعة في أنّه إنما وافى لما أرجف به. ولقي المتقي لله في اليوم الذي وصل إلى بغداد فيه وحمل الوزير أبو الحسين والترجمان المتقي لله على القبض عليه فلم يفعل. وبادر أبو جعفر بالانصراف وأمر ونهى وأطلق القراريطي من الاعتقال ونظر فيما كان ينظر فيه الوزير.
ووافى أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان فنزل باب حرب في جيش كثير فخرج إليه المتقي لله وحرمه والوزير وأبو الحسين ابن مقلة والترجمان واستتر ابن شيرزاد وخرج وجوه أهل الحضرة وكتّابها فلمّا بلغ المتقى تكريت ظهر ابن شيرزاد وطالب الناس وخبطهم.
اشتباك الحرب بين سيف الدولة وتوزون
وانحدر سيف الدولة من الموصل ومعه الجيش وبلغ توزون وهو بواسط ما جرى بالحضرة من خروج المتقى والوزير من بغداد. فجرّد موسى ابن سليمان في ألف رجل وبادر به إلى بغداد. وامتدّ موسى إلى باب الشمّاسية وعسكر هناك. وأقام توزون حتى عقد واسطا على البريدي ثم أصعد ودخل بغداد وقلّد الشرطة غلامه صافيا.
وانحدر ناصر الدولة ومعه الجيش ووصل إلى تكريت فتلقّاه الخليفة وسار توزون إلى عكبرا وعبر من الجانب الشرقي إلى قصر الجصّ بسرّ من رأى وصاعد المتقي لله إلى الموصل ومعه أبو الحسين الوزير وأبو إسحاق القراريطي وأبو زكريا السوسي.
وسار سيف الدولة للقاء توزون فاشتبكت الحرب بينهما أسفل من تكريت بفرسخين وناصر الدولة بتكريت. فدامت الحرب بين سيف الدولة وتوزون يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء. فلمّا كان يوم الخميس انهزم سيف الدولة وأصعد معه ناصر الدولة ونهب الأعراب بعض سوادهما وملك توزون وشغّب أصحاب توزون فانحدر إلى بغداد.
وتأهّب سيف الدولة للقاء توزون ثانية فانحدر إلى تكريت وخرج توزون إلى باب الشماسية ثم سار إلى ناحية أخرى وواقعه هناك فانهزم سيف الدولة وتبعه توزون. فلمّا وصل سيف الدولة إلى الموصل سار منها وسار ناصر الدولة والمتقى والوزير وسائر من معهم إلى نصيبين ودخل توزون الموصل ومعه ابن شيرزاد وأبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي واستخرج ابن شيرزاد من الموصل نحو مائة ألف دينار.
ورحل المتقى وحرمه ومن معه من نصيبين إلى الرقّة ولحق بهم سيف الدولة، وقد كان توزون عند خروجه من بغداد زوّج ابنته من أبي عبد الله البريدي وعقد الاملاك بالشمّاسية وأنفذ المتقي لله أبا زكريّا السوسي إلى توزون في رسالة يقول فيها:
« إني استوحشت منك لأجل البريديين لقبح ما يفعلونه دفعة بعد دفعة وأبلغت أنكما اجتمعتما وصرتما يدا واحدة فخرجت من الحضرة والآن فقد مضى ما مضى. فإن آثرت رضاي فصالح ناصر الدولة وارجع إلى الحضرة.
فإني إذا رأيتك مطيعا لي عدت واستقامت لك الأمور بي وبرضاي وكان الله عونك. » قال أبو زكريّا: فلمّا وردت حضرة توزون اتّهمنى وهمّ بقتلى، فخلّصنى ابن شيرزاد وقال:
« أيها الأمير أنا والله سألت أبا زكريا الخروج مع الخليفة لميله إلينا وليكون خليفتنا بحضرته فإن كان متّهما فأنا متّهم. » ثم أدّيت الرسالة فتقبّلها ابن شيرزاد وأشار على توزون بالإجابة وسفرت في الصلح إلى أن تمّ وصحّ لأبي جعفر ابن شيرزاد قبل الصلح وبعده زيادة على مائتي ألف دينار، وعقد البلد على ناصر الدولة ثلاث سنين كلّ سنة بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف درهم وانصرف توزون إلى بغداد.
وتواترت الأخبار بنزول الأمير أبي الحسين أحمد بن بويه واسطا وكان على وعد من البريديّين بعسكر الماء فأخلفوه وانحدر إليه توزون محاربا له والتقيا في الموضع المعروف بقباب حميد وطالت الحرب بينهما بضعة عشر يوما على اجتهاد شديد بين الفريقين إلّا أنّ توزون كان يتأخّر كلّ يوم ويتقدّم الديلم على سبيل الزحف وعلى عادتهم في مثل ذلك وكثر القتلى من الجانبين إلى أن عبر توزون نهر ديالى وحصل في الجانب الذي يلي بغداد وقطع جسورا كان عقدها عليه.
فلمّا صار بينهما النهر ثبت الأتراك وكان مع توزون زبازب وخيل في الماء فيها غلمان رماة. فكانوا يستولون في كلّ يوم على قطعة من خزائن أحمد بن بويه وزواريق عسكره ثم يحولون بين العسكر وبين الماء فيعطشون هم ودوابّهم. فرأى معزّ الدولة أن يصعد على ديالى إلى نحو جسر النهروان ليبعد عن دجلة ويقرب من الماء ويحتال للميرة. فقد كانت ضاقت عليه وأحسّ توزون بذلك.
ذكر حيلة تمت على معز الدولة حتى انهزم بعد استظهار منه
وعبر توزون بخمسمائة من الأتراك مع تكين الشيرازي وألف فارس من العرب فيهم إبراهيم المطوّق وقطينة وأمثالهم من حيث لم يشعر بهم معزّ الدولة. فلمّا سار وسار سواده في أثره خرج عليهم القوم فحالوا بينه وبين السواد ووقعوا في العسكر على غير تعبئة. وتعجّل توزون فعبر بجماعة من أصحابه سباحة ولم يزل يقتل ويأسر حتى ملّ وأفلت معزّ الدولة مع الصيمري ونفر يسير معه بأسوأ حال وحصل بالسوس واجتمع إليه نفر من الفلّ بعد أيام وعاد توزون إلى بغداد.
ابن شيرزاد يخلع على اللص
وفي صفر من هذه السنة ظهر لصّ يقال له: ابن حمدي وكان أعيا السلطان. فخلع عليه ابن شيرزاد وأثبته برسم الجند ووافقه على أن يصحّح في كلّ شهر خمسة عشر ألف دينار ممّا يسرقه وأصحابه، وأخذ خطّه بها فكان يستوفيها منه ويأخذ البراءات وروزات الجهبذ بما يؤدّيه أوّلا أوّلا.
وفي هذه السنة قتل أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف.
ذكر السبب في قتل البريدي أخاه وما جرى بعد قتله إياه وعاقبة أمره
كان أبو عبد الله البريدي لمّا حاصره سيف الدولة أيام مقامه بواسط أحد عشر شهرا ثم توزون بعده ضاقت به الأمور فاضطربت رجاله وعملوا على الاستئمان إلى أبي يوسف أخيه ليساره واستقرض من أبي يوسف قرضا بعد قرض. فكان يعطيه النزر اليسير وذكر تخلّفه وتضييعه وأنه بالإقبال تمّ له ما تمّ لا لتدبير. ثم تعدّى ذلك فصار يذكر جنونه وعجلته. وصحّ عند أبي عبد الله أنّ أبا يوسف يريد القبض عليه واعتقاله لأن يجرى عليه جراية على تقتير. فاستوحش كلّ واحد منهما من صاحبه.
فحكى إسرائيل الجهبذ وكان خصيصا بأبي عبد الله أنه استدعاه وشكا إليه حاله في الإضاقة ثم قال:
« قم إلى أبي يوسف أخي - وأومأ إلى درج بين يديه وفتحه فإذا فيه حبّ لؤلؤ وياقوت أحمر وأزرق يبهر الناظرين - وقال: احمل هذا إليه وسله أن يقرض عليه عشرة آلاف دينار. » وكان ما في الدرج قد وهبه بجكم لابنته سارة التي تزوّج بها. وكان بجكم أخذه من دار الخليفة فأخذه أبو عبد الله منها.
قال إسرائيل: فمضيت إلى أبي يوسف وحدّثته بجميع ما خاطبني به أخوه وأخرجت الدرج إليه.
فقال لي:
« يا أبا الطيّب من سوء تحصيله يرى، ولو مدّت دجلة مالا لبددّه هذا رجل حصّل له من واسط في كرّاته التي تولّاها ثمانية آلاف ألف دينار أما وجب أن يستظهر بألف ألف دينار. » فقلت: « يا سيدي ومن أولى به منك على تصرّف كل حال؟ فتفضّل بما طلب. » فقال: « إني قد أعطيته إلى هذا الوقت ومنذ انصرف من واسط خمسين ألف دينار وما تمتلئ عينه. ابعث إلى الجوهريّين وأحضرهم حتى يقوّموا هذا الجوهر وأعطيه قيمته. » فوجّه إليهم وحضروا وأخرجه إليهم فقالوا:
« لا قيمة له تحدّ، وإذا حضر ملك يرغب نحكّم صاحبه ولو انتهى في السوم إلى أقصى غاية. » فاشتطّ وقال:
« يا جهّال، من قال لكم إني مروان الأموي - فإنه كان راغبا في الجوهر وحضر للابتياع - أو خمارويه بن أحمد وابن الجصّاص؟ قوّموه بما إذا طالبتكم به بكرة صحّحتموه العصر. » فقوّموه خمسة آلاف دينار. فقال:
« أعطونى خطوطكم بها. » فثبّتوا ثم ردوها إلى خمسين ألف درهم وضمنوها فقال:
« هذا أعطيك. » فقلت: « يا سيدي، اجعلها خمسة آلاف دينار. » فقال: « قم ودع في القيمة فضلا لطلبه فإنّه سيعاود ويطلب. » فانصرفت بخمسين ألف درهم إلى أبي عبد الله وحدّثته الحديث، فقال:
« لا إله إلّا الله قل له: يا أبا يوسف جنوني الذي ذكرته وقلّة تحصيلى أقعدك هذا المقعد وصيّرك كقارون. » ثم عدّد ما عمله معه ودمعت عينه وتبيّن الشرّ في وجهه.
فلمّا كان بعد أيام نحو العشرة أقام غلمانه وفيهم يانس وإقبال وربيب وملّاح يانس في مخترق قد سقّف بين باب داره - وكانت دار فضلان الساجي - بالأبلّة وبين الشطّ فتمكّن له هؤلاء ووثبوا عليه بالسكاكين وما زال يصيح:
« يا أخي قتلوني قتلوني. » وأبو عبد الله يقول:
« إلى لعنة الله. » فخرج أبو الحسين أخوه وكان ينزل في جواره إلى روشن دجلة وقال:
« يا أخي قتلته؟ » فقال: « يا فاعل خربت اسكت وإلّا ألحقتك به. »
فجمع أبو الحسين نفسه وشغّب الجند وظنّوه حيّا فنبشه وأظهره لهم فسكنوا. ثم أعاده إلى قبره.
وانتقل إلى الدار بمسماران. فساعة ملكها طلب الجوهر فأحضره.
قال إسرائيل: دخلت إليه فقال لمّا رآني:
« يا غلام هات الدُّرج. » فأحضره إيّاه فقال لي:
« يا أبا الطيّب أخذنا المال والجوهر ومضى الفاعل بن الفاعل إلى لعنة الله. » ثم أودع أبو عبد الله هذا الجوهر ابنه أبا القاسم سرّا وأمره أن يستره. فلمّا توفّى أبو عبد الله وملك الأمر بعده أخوه أبو الحسين طلب هذا الجوهر طلبا شديدا فلم يجد له أثرا. وقيل: أودعه من لا يعرف.
ولمّا خرج ابنه إلى هجر أخذه معه فسأله الهجريّون أن يريهم إيّاه ففعل ذلك ووهب لهم منه حبّة واحدة.
فلمّا حضر مدينة السلام في أيّام أبي الحسين معزّ الدولة طلبه منه ليراه فأحضره عنده ووسّط أبا مخلد عبد الله بن يحيى ليبتاعه منه فامتنع من بيعه ثم رأى الوجه في بيعه. فاستجاب فقوّم بما قوّمه تجّار البصرة.
فقال أبو مخلد:
« حطّ منه ثمن الحبّة التي أخذها الهجريّون. » فأعطى ثلاثة آلاف دينار عن قيمة خمسة وأربعين ألف درهم وأحاله بذلك على كار التمر واستوفاه.
وكان أبو عبد الله البريدي يتّهم أبا الحسن ابن أسد بالتضريب بينه وبين أخيه وقيل له:
« إنّ عنده ستة عشر ألف ألف درهم. » فلمّا ملك الأمير أخرج إليه دفتر فيه ثبت ودائع أبي يوسف بخطّه، فلم يجد فيه وديعة عند أحد إلّا ما عند ابن أسد، فطالبه بها وبسط منه وأقرّه على ما كان يتولّاه فمضى إلى منزله وحمل إليه ألفي ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، ولم يظهر له، وعرّفه أنه لا وجه للباقي وأنّ أخاه حصّل عليه ذلك من عجز بعد عجز لحقه في مدّة سنة معه وأخذ خطّه بها أنها وديعة له عنده. وكان في أسفل الثبت الذي وجد له: « عمل لكلّ سنة عملا بالضمان وما صحّ منه بالأمانة وما تحصّل من العجز الذي أخذ خطّه به ».
وجمع ذلك وكان بإزاء العجز وهو ثلاثة عشر ألف ألف وخمسمائة ألف درهم.
فقامت قيامة أبي عبد الله وقال:
« دم أخي في رقبة ابن أسد فإني قتلته طمعا في المال. » فمضى ولم يصل إليه. ثم آمنه فظهر وقام بحجّته شفاها وذكر أنّ له بقايا هذه السنة في النواحي زيادة على أربعة آلاف ألف وله أصحاب منهم أبو العلاء صاعد بن ثابت وأبوه وأخوه وأبو على الأنبارى وقد هرب فتوسّط أمره القاضي أبو الحسين بن نصرويه. وصحّ لأبي عبد الله جميع الوجوه على أحوال قبيحة مع الألفى الألف والخمسمائة الألف الدرهم الموجودة عشرة آلاف ألف درهم وتاه الباقي وذهبت نفس أبي يوسف.
وفيها قبض أبو العباس اشكورج الديلمي وكان توزون قلّده الشرطة ببغداد على ابن حمدي اللصّ وضرب وسطه فخفّ مكروه اللصوص عن الناس وانقطع شرّهم بعد أن تحارس الناس بالليل بالبوقات وامتنع عنهم النوم خوفا من كبساته.
وفيها ورد الخبر بدخول الأمير أبي الحسين أحمد بن بويه واسط وانحدر من كان بها من أصحاب البريدي إلى البصرة.
وفيها صار محمد بن ينال الترجمان إلى سيف الدولة وهو بالرقّة فعاتبه سيف الدولة على أشياء بلغته عنه وكان اتهم بأنه عقد الرئاسة لنفسه على العجم وواطأه المتقي لله على الإيقاع بسيف الدولة فجحد محمّد بن ينال ذلك، فلمّا خرج من حضرته بعد العتاب وثب به غلمان سيف الدولة بسيوفهم فقتلوه.
وفيها ورد الخبر بموت سليمان بن الحسن أبي طاهر القرمطي وأنه جدّر ومات وصار الأمر لإخوته بعده.
ذكر الخبر عن الإصبهاني الذي احتال لقتل القرامطة بأيديهم حتى كاد يفنيهم
كان ابن سنبر يعادى المعروف بأبي حفص الشريك، فاحتال في حياة أبي طاهر بأن أحضر رجلا من أهل إصبهان فكشف له أسرارا كان أبو سعيد الجنّابى كشفها له في حياته ولم يكشفها لغيره وعرّفه مواضع دفائن له لم يعلم بها غيره ولم يعلم أبو طاهر أن أباه أبا سعيد كشف ذلك لابن سنبر فقال ابن سنبر لهذا الرجل الإصبهاني:
« امض إلى أبي طاهر وعرّفه أنّك الرجل الذي كان أبوه وهو يدعوان إليه فإذا هو سألك عن العلامات والدليل أظهرت له هذه الأسرار. » وشرط ابن سنبر على هذا الإصبهاني أن يكون إذا تمكّن من الأمر قتل أبا حفص الشريك فضمن له الإصبهاني ذلك فمضى إلى أبي طاهر وأعطاه العلامات وحدّثه بالأسرار فلم يشكّ في صحة تلك العلامات فوثب أبو طاهر وقام بين يديه وسلّم الأمر إليه وقال لأصحابه:
« هذا هو الذي كنت أدعوكم إليه والأمر له. » فتمكّن الرجل من الأمر وثبت ووفى بما كان ضمنه لابن سنبر وقتل أبا حفص الشريك.
ثم كان يأمر أبا طاهر وإخوته بقتل من يشاء ويقول: « قد مرض » يعنى أنه قد شكّ في الدين فيقتل وأخذ يقتل واحدا واحدا من رؤساء القوم وأهل البصائر منهم والنجدة وأمره ممتثل مطاع لا يخالف إلى أن أتى على عدد كثير منهم. وكان إذا أمر الرجل أن يقتل أخاه أو أباه أو ابنه لم يتوقّف وبادر إلى امتثال أمره فخافه أبو طاهر وبلغه أنه عمل على قتله فقال لإخوته:
« قد وقع عليّ غلط وشبهة في أمر هذا الرجل وليس هو صاحب الأمر الذي يعرف ضمائر القلوب ولا تخفى عليه الأسرار ويمكنه أن يبرئ المريض ويعمل كل ما يريد. » وجاءوا إلى الرجل فعرّفوه أنّ والدتهم عليلة وسألوه أن يدخل إليها ونوّموا والدتهم على فراش وغطّوها بإزار فدخل إليها فلمّا رآها قال لهم:
« هذه علّة لا يبرأ صاحبها فطهّروها » معناه اقتلوها.
فلمّا قال لهم ذلك قالوا لأمّهم: « اجلسي. » فجلست. وقالوا: « إنها لفى عافية وأنت كذّاب. » فقتلوه.
وكان لهم سبعة من الوزراء أكبرهم ابن سنبر وكان أبو طاهر له إخوان:
أبو القاسم سعيد بن الحسن وأبو العباس الفضل بن الحسن ولهم أخ آخر لا يدخل معهم في أمورهم يقال له أبو يعقوب إسحاق مقبل على الشرب والقصف وأمر الثلاثة واحد وكلمتهم واحدة لا يخلفون فكانوا إذا أرادوا عقد أمر أو ورد عليهم أمر ركبوا وأصحروا واتفقوا على ما يعملون ولا يطلعون أحدا على أمرهم فإذا انصرفوا أمضوا ما اتفقوا عليه.
موت أبي عبد الله البريدي
وفي هذه السنة مات أبو عبد الله البريدي بحمّى حادّة مكث فيها سبعة أيام فكان بين قتله أخاه أبا يوسف وبين موته ثمانية أشهر وثلاثة أيام فتبارك الله ربّ العالمين. فتحدّث أبو القاسم ابن أبي عبد الله البريدي بعد زوال أمره ومصيره إلى بغداد أنّ أباه لمّا مات بالبصرة انتصب أخوه أبو الحسين مكانه وكان لأبي عبد الله عسكر مقيم بنهر الأمير بإزاء الأمير أبي الحسين أحمد بن بويه وعسكر آخر بمطارا وكان ديلم أبي عبد الله مضمومين إلى يانس غلامه وكانوا يميلون إليه وكان بين يانس وبين أبي الحسين مباينة في الباطن وعداوة ولمّا تمكّن أبو الحسين من الرئاسة أخذ في الاستطالة على الديلم والأتراك ويستخفّ بهم فنفرت قلوبهم منه وأحسّ يانس بذلك فمضى إلى أبي القاسم مولاه وابن مولاه أبي عبد الله فقال له:
« إن كان عندك مال أصلحت لك قلوب الرجال وعقدت لك الرئاسة. » فاعترف له أبو القاسم أن عنده ثلاثمائة ألف دينار فأصلح له قلوب الديلم والرجال وواطأهم على الإيقاع بأبي الحسين وعقد الرئاسة لأبي القاسم وضمن لهم عنه الإحسان فسار الجيش الذي كان بنهر الأمير إلى مسماران وكان أبو الحسين بها فكبسوه وهو نائم فخرج من تحت الكلّة ومضى ماشيا متنكرا إلى الجعفرية وكاتب الهجري يستجير بهم وقصدهم فقبلوه أحسن قبول وسألهم أن يعاونوه على الرجوع إلى البصرة وردّه إلى أمره فضمنوا له ذلك وأقام عندهم نحو الشهر وتقررت الرئاسة بالبصرة لأبي القاسم ابن أبي عبد الله.
ثم سار أبو الحسين من هجر ومعه من إخوة أبي طاهر اثنان وصاروا إلى سور البصرة فوجدوا أبا القاسم قد حفظه بالرجال واحترس منه فلم تكن لهم حيلة في الوصول إلى البلد وطال مقامهم فضجر الهجريون وكاتبوا أبا القاسم وسفروا بينه وبين عمّه في الصلح وسألوه أن يؤمنه ويأذن له في الدخول إلى البصرة واحتاط أبو القاسم في أمره إلى أن تأهّب واختار الشخوص إلى بغداد فأذن له وأطلقه فخرج وصار إلى مدينة السلام.
طمع يانس في الرئاسة وتمكن أبي القاسم منها
ثم طمع يانس في الرئاسة وإزالة أبي القاسم عنها فواطأ روستاباش فلمّا انعقد الأمر بينهما تحرّك روستاباش والديلم واجتمعوا في دار روستاباش وآثر روستاباش الإيقاع بيانس والتفرّد بالرئاسة فلمّا خرج يانس من عنده أتبعه بمن يوقع به فتحرّك يانس ورماه الديلمي بزوبين ووقع في ظهره وهرب وصار إلى خراب بقرب دار أبي القاسم ولم يعرف له أحد خبرا وكان ليلا وسار روستاباش إلى دار لشكرستان وكان نقيب الديلم والمدبّر ليأنس.
وكان قد جزع أبو القاسم لمّا عرف الخبر وهمّ بالجلوس في طيّاره والخروج عن داره فلمّا عرف لشكرستان أنّ روستاباش قد أوقع بيانس وعزم على التفرّد بالرئاسة لم يطعه وصاح الديلم وزبرهم فتفرّقوا ومضى بعضهم في الوقت معتذرا وهرب روستاباش بالليل عند تفرّق الناس عنه واستتر وأصبح أبو القاسم وقد استقام أمره وعرف خبر يانس فحمله إلى داره مكرما ووجد روستاباش فنفاه إلى حيدة وعولج يانس إلى أن برأ وأبو القاسم متهم له فلمّا كان بعد أيام قبض عليه وعلى لشكرستان وصادر يانسا على مائة ألف دينار ثم نفاه إلى عمان فلمّا حصل على الحديدى لينزل به خرج إليه بعض غلمان أبي القاسم فقتله وقتل لشكرستان وتمكّن أبو القاسم من الرئاسة.
وفيها عرض لتوزون يوما وهو جالس للسلام والناس وقوف بين يديه صرع فوثب ابن شيرزاد وموسى بن سليمان ومدّا في وجهه رداء كان على رأس موسى وحجزوا بينه وبين الناس لئلّا يروه على تلك الصورة وصرف الناس وقيل لهم:
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)