كر ما جرى عليه أمر ابن بقية

كان محمد ابن بقية مستوحشا من بختيار لما يعرف من سوء معتقده له، فتوقف بواسط وترددت بينهما كتب ورسائل على يد أبي الحسن محمد ابن عمر العلوي وأبي نصر ابن السراج. فاستحلفا كل واحد منهما لصاحبه فأصعد حينئذ وامتنّ على بختيار بأنّه إنّما استعصى على عضد الدولة بسببه ومن أجله. فقبل منه وزاد في إكرامه وتجددت بين ابن بقية وبين أبي الفتح ابن العميد مودة ومعاهدة.
ألقاب جديدة

وفي هذه السنة لقّب أبو الحسن علي بن ركن الدولة: فخر الدولة، ولقب المرزبان بن بختيار: إعزاز الدولة، ولقب عمران بن شاهين: معين الدولة، ولقب محمد بن بقية: نصير الدولة، مضافا إلى لقبه الأول ولقب أبو الفتح ابن العميد: ذا الكفايتين وخلع على من حضر من هؤلاء من جهة أمير المؤمنين وأنفذت الخلع إلى من غاب.
وبنى محمد بن بقية أمره على تمكين الوحشة وتوكيد العداوة بين بختيار وبين ابن عمه عضد الدولة وأكثر من التسوّق والتنفّق والبذخ والتبجح، وأطلق لسانه إطلاق من لا يترك للصلح موضعا، وثارت الفتن بين العامة وزالت السياسة التي أسسها عضد الدولة من قمع العيارين وظفر ابن بقية بالمعروف بابن [ أبى ] عقيل صاحب الشرطة الذي كان من قبل سبكتكين وكان من أهل السنة وقد قتل طائفة من أهل الشيعة، فأمر بقتله فقتل في وسط الكرخ بين العامة، فزادت ضراوة العيارين وعاد الفساد وخاف التجار على أنفسهم وأموالهم. وأخذ ابن بقية في خدمة الطائع لله ومناصحته وعقد مصاهرة بينه وبين بختيار.
وتجددت لبختيار نية في الخروج إلى الكوفة على أن الظاهر فيه زيارة المشهد بالغريّ والباطن التصيد، فشخص إليها وصحبه الحسين بن موسى النقيب ومحمد بن عمر العلوي وأقام محمد بن بقية ببغداد وقد كان تنكّر لمحمد بن عمر وقبض عليه لينكبه فلم يطلق ذلك بختيار ولم يتركه في يده إلّا ساعة من النهار حتى انتزعه منه. فلمّا دخل الكوفة نزل على محمد بن عمر وفي ضيافته فخدمه ولاطفه وجرت بينهما مؤانسات وخلوات واتصل ذلك بمحمد بن بقية وقيل له:
« قد سعى بك ووافق بختيار على نكبتك ».
فاستوحش ابن بقية واستعدّ للانحدار إلى واسط على سبيل المقاطعة والمخالفة وساعده على ذلك بعض الجند فشرعت والدة بختيار في إصلاح الحال وكوتب بختيار بالصورة فثنى وجهه مبادرا إلى بغداد وقدم أمامه كتبه ورسائله مع الحسين بن موسى الموسوي بالتلافى وإنكار كل شيء بلغه عنه وأخذ لكل واحد منهما على صاحبه يمينا على التصافي والتراضي فخرج حينئذ محمد بن بقية متلقيا له عائدا إلى طاعته.
واتصل بمحمد بن بقية وبختيار أنّ عضد الدولة يريد العود إلى العراق فخرج ابن بقية إلى واسط لجمع المال وإعداد زاد وعتاد واستعمل ضروبا من القبيح في الكلام والهجر ومنع شذاءات كانت هناك من الاجتياز وواطأ عمران على منع إجازتها وغير ذلك من ضروب الجهل وذلك للحين المتاح له والشقاء المصبوب عليه حتى تأدى أمره إلى أقبح صورة في الهلاك بأنواع العذاب والمثلة كما سنذكره في موضعه إن شاء الله.
تجدد الوحشة بين ابن بقية وبين بختيار

وتجددت بينه وبين بختيار وحشة أخرى بعد عوده إلى بغداد واقتضت الحال القبض على سهل بن بشر النصراني ضامن الأهواز ونكبته التي تأدت إلى القتل.
ذكر السبب في ذلك

كان ابن بقية لا يثق ببختيار على تصرف كل حال ولا يدع التحرز منه ونصب العيون عليه وأشدّ ما يكون نفورا منه إذا حلف ووثق له فانهمك في استمالة الجند ومتابعة الخلع عليهم والصلات لهم ونصب الموائد وعمل الدعوات وأمر أن يحمل المال إلى خزائنه.
ووافق بختيار على شيء يقيمه له وصار كالحاجر عليه فمتى طالبه بزيادة على ذلك بعث الجند على مطالبته وأحالهم عليه. فضاق ذرع بختيار به وخاطب جماعة من حاشيته وشيوخ قواده في تدبير يوقعه عليه حتى يتمكن من نكبته ويستكتب سهل بن بشر وسهل يومئذ في عمله بالأهواز فأخرج إليه جماعة من كبار قوّاده فيهم الحسن بن أحمد بن بختيار والحسن بن فيلسار وتكيدار الجيلي وجماعة مثلهم وراسله على أيديهم بإيقاع الحيلة عليه.
فلمّا وصل إليه هؤلاء القواد برسائل بختيار وعلاماته تقرر الرأي على أن يفلّ الجيش عنه الذين ببغداد ويظهر سهل ومن معه بالأهواز الشغب عليه وترك الرضا به.
وورد الخبر بذلك إلى بغداد وقد ضعف بختيار عن إمضاء تلك العزيمة وقد استصلح ابن بقية الجند وملك الأمر فأظهر حينئذ ما في نفسه وعاتب بختيار ووبخه وذكّره الأيمان التي لا زال يحلفها ثم يعود ناقضا لها وتغاضب عليه وتثاقل عنه فرّق بختيار في يده وأنكر أن يكون ما أجرى إليه الأهوازيون بأمره وعلمه فقال:
« فأطلق يدي فيهم. » فأجابه إلى ذلك وأمضى حكمه عليهم فألزمه أن يقبض على سهل بن بشر ويسلمه إليه وأن ينفى القواد الذين أظهروا ما أظهروه ففعله وأنفذ إبراهيم ابن إسماعيل الحاجب إلى الأهواز وأمره أن يحتال على سهل بن بشر حتى يقبض عليه ويبادر به إلى الحضرة فمضى مسرعا ووصل إلى الأهواز واحتال حتى حضر سهل بن بشر في منزل أحد القواد فقبض عليه وعرّفه فساد جميع الأمر الذي كان خائضا فيه وحمله للوقت فسلمه إلى ابن بقية.
وقد كان الحسن بن فيلسار سبق إلى مدينة السلام فتلافى محمد بن بقية واستصلح نيته وأما الحسن بن أحمد بن بختيار وتكيدار فإنّه استدعاهما، فلمّا قربا من بغداد طردا ونفيا عن العسكر، فعاد الحسن إلى بلده ولحق تكيدار بعضد الدولة. وجد محمد بن بقية في مطالبة سهل بن بشر بالأموال وبسط عليه المكاره واستخرج منه كل ما أمكنه ثم قتله بالعذاب مع جماعة من الناس سنذكرهم.
وفي أثر القبض على سهل بن بشر قلّد بختيار أخاه أبا إسحاق أعمال الأهواز وأنفذه إليها مع طائفة من الجيش وذلك بسفارة محمد بن بقية لأنّه كان استعان بأبي إسحاق ووالدته على بختيار فأعاناه وبلّغاه ما أحب فقضى حقهما بهذا التقليد.
وقبض ابن بقية على صاحبه أبي نصر السرّاج وعذّبه حتى قتله
ذكر السبب في ذلك

هجمت على ابن بقية علة من حرارة ففصد منها في اليوم الثاني فما أمسى إلّا ذاهب العقل مسجّى يخور خوار الثور ولا يسيغ طعاما ولا شرابا ولا يسمع كلاما ولا يحير جوابا وظهرت في فمه رغوة واختلج وجهه وعلا نفسه ولحقه الفواق الشديد واجتمعت فيه أعراض الموت التي لا رجاء معها.
وقد كانت لأبي نصر السراج نعمة فاتسعت في أيامه وعظمت بالدخول في الأمور المنكرة وضروب الشر والسعايات وأعداؤه كثيرون.
وكان ابن بقية اصطنع رجلا يقال له: الحسن بن بشر الراعي، وكان في الأصل نصرانيا من رأس عين، فصحب بنى حمدان بالموصل فدخل في الإسلام لشيء ظهر منه وخاف فأسلم ثم خاف خوفا ثانيا فهرب إلى بغداد واتصل بمحمد بن بقية وحظى عنده فقرب منه ورفعه من حال إلى حال حتى قلّده واسطا. ثم استدعاه إلى بغداد فقلّده خلافته، وتولدت بينه وبين أبي نصر السرّاج منافسة ومضاغنة. فلمّا وقع اليأس من محمد بن بقية استتر ابن الراعي وبادر أبو نصر ابن السراج إلى بختيار فضمن له من جهة أسباب ابن بقية أموالا عظيمة وكتب أسماء أقاربه وأصحابه وكتّابه وسائر أسبابه، فركب بختيار إلى ابن بقية حتى شاهده في علّته.
ذكر اتفاق طريف في سلامة ابن بقية من علته ثم من قبض بختيار عليه

إنّ بختيار أدركته رقّة شديدة له مع اجتهاده كان في هلاكه وتبرمه به لاستبداده بالأموال والعساكر. فأشار عليه ابن السرّاج بالقبض على الجماعة قبل أن يستتروا فتوقف عن ذلك وألحّ عليه إلحاحا شديدا فلم ينفعه ذلك وأحسّ عيال ابن بقية وأسبابه بما فعله ابن السرّاج فحذروا منه. ثم تماسك محمد بن بقية في اليوم الرابع من علته بعد أن تردد إليه بختيار دفعتين في كل يوم في مدة الحذر عليه وسكنت أطرافه ورجى رجاء ضعيفا وتزايد ذلك الرجاء إلى أن أفاق وهو ساكت ومضت أيام يسيرة فنهض وتراجع إلى عاداته.
وظهر ابن الراعي صاحبه واجتمع أسبابه المتحققون به فصدقوه عن فعل ابن السرّاج وضمنه ابن الراعي منه بمائة ألف دينار فقبض عليه فصح من أمواله وودائعه وأثمان غلاته والمأخوذ من أسبابه أكثر مما ضمنه ابن الراعي ثم بسطت عليه المكاره وأصناف العذاب وحبس في صندوق ومنع الطعام حتى مات أقبح ميتة.
وفي هذه السنة اضطربت كرمان على عضد الدولة
ذكر السبب في ذلك

كان في أعمال كرمان خلق من الرجالة الجرومية لهم بأس شديد وهم متمسكون بالطاعة وأحد وجوههم رجل يقال له: طاهر بن الصمّة، وكان واسع الحال والمعاملة، فدخل في ضمانات ضمنها وثمار ابتاعها فحصلت عليه أموال طمع فيها وشره إلى كسرها.
وكان عضد الدولة قد سار إلى العراق للإيقاع بالأتراك وخرج وزيره أبو القاسم المطهر بن عبد الله إلى عمان فلم يبق بفارس من العساكر إلّا شيء يسير فخلع طاهر بن الصمّة الطاعة وجمع إلى نفسه هؤلاء الرجالة بالاسلحة التامة واستكثر من عددهم.
واتفق أن كان في نواحي خراسان أمير وجيه من أمراء الأتراك السامانية يقال له يوزتمرّ عظيم المنظر جبار البنية معروف بالبأس والشدة وقد استوحش من محمد بن إبراهيم بن سمجور صاحب جيش خراسان ونفر منه فكاتبه طاهر ابن الصمّة وأطمعه في أعمال كرمان فسار إليه وصار يدا واحدة في الاستيلاء إلّا أنّ الإمارة ليوزتمر.
فبعد مدة شغب الرجال الجرومية فاتهم طاهر أنّه بعثهم على الهيج ففسدت الحال بينهما وزاد الفساد حتى اقتتلا قتالا شديدا فظفر به يوزتمر وأخذه أسيرا وقتل خلقا من رجاله. واتصل ذلك ببعض أولاد الياس وهو الحسين بن محمد بن الياس وهو في بعض أعمال خراسان وطمع في الاستيلاء على كرمان وجمع جمعا وصار إليها وانضمّ هؤلاء الرجال الجرومية إليه وأمثالهم من كل ضرب من الدعّار.
وقد كان المطهر بلغ من إصلاح عمان ما أراد وفتح جبالها وأوقع بالشراة وانكفأ راجعا إلى أرجان عاملا على المسير إلى حضرة عضد الدولة بالعراق فورد عليه الأمر بالمسير إلى كرمان ليتلافى تلك الحادثة فعاد إلى شيراز وبرز عنها لتسع ليال بقين من رجب سنة أربع وستّين وسار لطيّته مسير السرايا لا يلوى ولا ينثني فأوقع بكل من وجد في طريقه من أهل التهمة وقتل وصلب وسمل العيون ومثل بكلّ مثلة وبالغ في القسوة إقامة للهيبة وأسرع المسير حتى انقضّ على يوزتمر فلم يعرف خبره إلّا مع وصوله فبرز إليه وواقعه فانهزم إلى البلدة وهو ببمّ وتحصّن في قلعة وسطها حصينة فحاصره فيها مطهّر إلى أن أعطى بيده واستأمن وأحضر معه طاهر بن الصمة أسيرا فتسلمه المطهر ثم أمر به فشهر ونودى عليه ثم ضرب عنقه وأعناق جماعة يجرون مجراه وأنفذ يوزتمر إلى بعض القلاع فاعتقله بها وكان آخر العهد به.
ثم خرج المطهر في طلب الحسين بن محمد بن الياس وكان قد جمع عشرة آلاف رجل في أسلحة تامة مستعدين للقتال فلمّا أشرف عليهم استكثر عدّتهم وهاله أمرهم ولم يجد من الحرب بدا. فناصبهم الحرب على باب جيرفت فحملوا عليه حملة ثبت لها ثم حملت ميمنته فأثرت فيهم وألجأتهم الى سور المدينة واختل نظامهم فأكب العسكر عليهم بالنشاب ولم يجدوا مهربا فقتلوا بأسرهم وهرب الحسين وطلب فجيء به أسيرا ولم يعرف خبره بعد ذلك وتطهرت كرمان منه.
ودخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة