أقول: وهذا وإن صح حجة لما قلناه، فلو كان النبي نهى عن كتابة الأحاديث مطلقا لماهم بها عمر وأشار بها عليه الصحابة، فأما عدوله عنها فلسبب آخر كما رأيت. لكن الخبر منقطع؛ لأن عروة لم يدرك عمر: فإن صح فإنمًا كانت تلك الخشية في عهد عمر ثم زالت. وقد قال عروة نفسه كما في ترجمته من تهذيب التهذيب: (وكنا نقول لا نتخذ كتابًا مع كتاب الله، فمحوت كتبي. فوالله لوددت أن كتبي عندي وإن كتاب الله قد استمرت مريرته) يعني قد استقر أمره وعلمت مزيته، وتقرر في أذهان الناس أنه الأصل، والسنة بيان له. فزال ماكان يخشى من أن يؤدي وجود كتاب للحديث إلى أن يكب الناس عليه ويدَعوا القرآن.
قال أبو رية: (وعن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب إلى الأمصار من كان عنده شيء فليمحه).
أقول: وهذا منقطع أيضًا، يحيى بن جعدة لم يدرك عمر، عروة أقدم منه وأعلم جدًا، وزيادة يحيى منكرة، لوكتب عمر إلى الأمصار لاشتهر ذلك، وعنده علي وصحيفته، وعند عبد الله بن عمرو صحيفة كبيرة مشهورة.
قال أبو رية: (وروى ابن سعد عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يملي علي أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها: مثناة كمثناة أهل الكتاب. قال فمنعني القاسم بن محمد يومئذ أن أكتب حديثًا).
أقول: وهذا منقطع أيضًا إنما ولد القاسم بعد وفاة عمر ببضع عشرة سنة.
ثم ذكر خبر زيد بن ثابت وقد مر، ثم قال: (وعن جابر بن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليًا يخطب يقول: «أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه فإنما هلك الناس حين تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم»).
26
أقول: ذكره ابن عبد البر من طريق شعبة عن جابر، ولم أجد لجابر بن عبد الله بن يسار ذكرًا. وقد استوعب صاحب التهذيب مشايخ شعبة في ترجمته ولم يذكر فيهم من اسمه جابر إلا جابر بن يزيد الجعفي، فلعل الصواب (جابر عن عبد الله بن يسار)، وجابر الجعفي ممقوت كان يؤمن برجعة عليٍّ إلى الدنيا، وقد كذبه جماعة في الحديث منهم أبو حنيفة، وصدقه بعضهم في الحديث خاصة بشرط أن يصرح بالسماع. ولم يصرح هنا، وعبد الله بن يسار لا يعرف. وقد كان عند علي نفسه صحيفة فيها أحاديث عن النبي كما مر. فإن صحت هذه الحكاية فإنما قال: (أحاديث علمائهم) ولم يقل: (أحاديث أنبيائهم)، وكلمة (حديث) بمعنى: (كلام) واشتهارها فيما كان عن النبي اصطلاح متأخر، وقد كان بعض الناس يثبتون كلام علي في حياته، وفي مقدمة صحيح مسلم عن ابن عباس ما يعلم منه أنه كان عنده كتاب فيه قضاء علي، منها ما عرفه ابن عباس ومنها ما أنكره ولفظه: «فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل»، ثم ذكر عن طاوس قال: (أتي ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي…) فإن صحت هذه الحكاية فكأن بعض الناس كتب شيئًا من كلام علي أو غيره من العلماء فتناقله الناس فبلغ عليًا ذلك فقال ما قال.
قال أبو رية: (وعن الأسود بن هلال قال: «أتى عبد الله بن مسعود بصحيفة فيها حديث فدعا بماء فمحاها ثم غسلها ثم أمر بها فأحرقت ثم قال: أذكر الله رجلا يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها. بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون».
أقول: روى الدارمي هذه القصة من وجه آخر: (عن الأشعت [بن أبي الشعثاء سليم بن أسود] عن أبيه -وكان من أصحاب عبد الله قال: رأيت مع رجل صحيفة فيها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فقلت له: أنسخنيها، فكأنه بخل بها، ثم وعدني أن يعطينيها، فأتيت عبد الله فإذا هي بين يديه فقال: «إن ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة... أقسم لو أنها ذكرت له بدار الهند (كذا) -أراه يعني مكانًا بالكوفة بعيدًا- إلا أتيته ولو مشيًا». لا ريب أنه لم يكن في الصحيفة تلك الكلمات فقط وإلا ما طلب استنساخها؛ لأنه قد حفظها فيمكنه أن يكتبها إن شاء من حفظه. وعند الدارمي قصة أخرى تفسر لنا هذه، ذكرها في باب كراهية أخذ الرأي، وفيها: إن قومًا تحلقوا في المسجد (في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مائة، فيكبرون، فيقول: هللوا مائة فيهللون…) وذكر إنكار ابن مسعود عليهم فكأنه
27
كان في تلك الصحيفة وصف طريقة للذكر بتلك الكلمات ونحوها بعدد مخصوص وهيأة مخصوصة كما يبينه قول ابن مسعود: (إن ما في الكتاب بدعة وفتنة وضلالة).
وقد ذكر الدارمي رواية أخرى في صحيفة جيء بها من الشام فمحاها ابن مسعود. وفيها (فقال مرة [بن شرحبيل الهمداني أحد كبار أصحاب ابن مسعود]: أما إنه لوكان من القرآن أو السنة لم يمحه، ولكن كان من كتب أهل الكتاب).
ثم قال أبو رية (ص25): (هناك غير ذلك أخبار كثيرة…).
أقول: ذكر ابن عبد البر عن مالك «أن عمر أراد أن يكتب الأحاديث أو كتبها ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله» وهذا معضل، وقد مرت رواية عروة عن عمر وبيان وجهها.
وذكر عن أبي بردة بن أبي موسى أنه كتب من حديث أبيه، فعلمه أبوه فدعا بالكتاب فمحاه. وقد أخرج الدارمي نحوه ثم أخرج عن أبي بردة عن أبيه (أن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فتبعوه وتركوا التوراة) وهذا كما مر عن عمر.
وذكر عن أبي نضرة قال: (قيل لأبي سعيد [الخدري]: لو أكتبتنا الحديث فقال: لا نكتبكم، خذوا عنا كما أخذنا عن نبينا . ثم ذكره من وجه آخر في سنده من لم أعرفه وفيه: (أتريدون أن تجعلوها مصاحف؟) ثم من وجه ثالث بنحوه. وهذا من أبي سعيد بمعنى ما مر عن عمر وأبي موسى.
وذكر عن سعيد بن جبير قال: «كنا نختلف في أشياء فكتبتها في كتاب ثم أتيت بها ابن عمر أسأله عنها خفيًا فلو علم بها كانت الفيصل بيني وبينه» وفي رواية: (كتب إليَّ أهل الكوفة مسائل ألقى بها ابن عمر، فلقيته فسألته عن الكتاب ولو علم أن معي كتابًا لكانت الفيصل بيني وبينه). وهذا ليس مما نحن فيه إنما هو باب كراهية الصحابة أن تكتب فتاواهم وما يقولونه برأيهم.
وذكر عن ابن عباس أنه قال: (إنا لا نكتب العلم ولا نكتبه). وقد ذكر عن هارون بن عنترة عن أبيه أن ابن عباس أرخص له أن يكتب.
هذا وقد أخرج الدارمي بسند رجاله ثقات عن أنس أنه كان يقول لبنيه: «يا بني قيدوا هذا العلم» وذكر ابن عبد البر ولفظه: «قيدوا العلم بالكتاب» وروي هذا من قول النبي ومن قول عمر ومن قول ابن عمر، وإنما يصح من قول أنس رضي الله عنه.
وروى الدارمي وابن عبد البر وغيرهما بسند حسن أن أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه سئل عن كتاب العلم فقال: (لا بأس به).
وأخرج الدارمي وغيره بسند رجاله ثقات عن بشير بن نهيك -وهو ثقة- قال: «كنت أكتب ما أسمع من
28
أبي هريرة، فلما أردت أن أفارقه أتيته بكتابه فقرأته عليه وقلت له: هذا ما سمعت منك؟ قال: نعم».
فالحاصل أن ما روي عن عمر وأبي موسى من الكراهة إنما كان كما صرحا به خشية أن يكب الناس على الكتب ويدعوا القرآن، وأما من عاش بعدهما من الصحابة فمنهم أبو سعيد بقي على الامتناع، ومنهم ابن عباس امتنع ورخص، ومنهم من رأى أنه قد زال المانع كما قال عروة الراوي امتناع عمر: «إن كتاب الله قد استمرت مريرته» وقد مر ذلك، ورأوا أن الحاجة إلى الكتابة قد قويت؛ لأن الصحابة قد قلوا وبقاء الأحاديث تتناقل بالسماع والحفظ فقط لا يؤمن معه الخلل، فرأوا للناس الكتابة كما مر عن أبي هريرة وأبي أمامة وأنس رضي الله عنهم. وأما التابعون فغلبت فيهم الكتابة إلا أن من كان ذا حافظة نادرة كالشعبي والزهري وقتادة كانوا لا يرون إبقاء الكتب لكن يكتب ما يسمع ثم يتحفظه فإذا أتقنه محاه- وأكثرهم كانت كتبه باقية عنده كسعيد بن جبير، والحسن البصري، وعبيدة السلماني، ومرة الهمداني، وأبي قلابة الجرمي، وأبي المليح، وبشير بن نهيك، وأيوب السختياني، ومعاوية بن قرة، ورجاء بن حيوة وغيرهم. [4]