أقول: هذا من أحكام ابن حزم (2: 39)، وتعقبه بقوله: (مرسل ومشكوك فيه… ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد.. ) وسيأتي الكلام في الإكثار.
قال (ص30): (وروى ابن عساكر عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة «لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس». وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث [عن الأول] أو لألحقنك بأرض القردة).
38
أقول: قد علمت حال تاريخ ابن عساكر، وقد أعاد أبو رية هذا الخبر (ص163) ويأتي الكلام عليه هناك وبيان سقوطه. وأسقط أبو رية هنا كلمة "عن الأول" لغرض خبيث، وصنع مثل ذلك (ص115) و(ص126)، وفعل (ص163) فعلة أخرى، ويأتي شرح ذلك في الكلام عليها إن شاء الله.
قال: (وكذلك فعل معهما عثمان بن عفان).
أقول: لم يعزه، ولم أجده.
قال: (وروى ابن سعد وابن عساكر عن محمود بن لبيد [6] قال سمعت عثمان بن عفان على المنبر يقول: «لا يحل لأحد يروي حديثًا لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر، فإنه لم يمنعني أن أحدث عن رسول الله أن لا أكون أوعى أصحابه، إلا أني سمعته يقول: من قال عليَّ ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار».
أقول: هو عند ابن سعد عقب السيرة النبوية في باب: (ذكر من كان يفتي بالمدينة) رواه ابن سعد عن محمد بن عمر الأسلمي وهو الواقدي أحد المشهورين بالكذب، وكان ابن عساكر رواه من طريقه، وحال تاريخ ابن عساكر قد مر، وأحاديث عثمان ثابتة في أمهات الحديث كلها، ولم يزل يحدث حتى قتل.
قال: وفي جامع بيان العلم… عن الشعبي عن قرظة بن كعب قال: «خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر إلى صرار ثم قال لنا: أتدرون لِمَ مشيت معكم؟ قلنا أردت أن تشيعنا وتكرمنا، قال: إن مع ذلك لحاجة خرجت لها، إنكم لتأتون بلدة لأهلها دويّ كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله وأنا شريككم». قال قرظة: «فما حدثت بعده حديثًا عن رسول الله... » وفي رواية أخرى: «إنكم تأتون أهل قرية لها دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث لتشغلوهم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله».
وفي الأم للشافعي «... فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا. قال: نهانا عمر».
أقول اختلف في وفاة قرظة والأكثرون أنها كانت في خلافة علي، ووقع في صحيح مسلم في رواية ما يدل أنه تأخر بعد ذلك ولعلها خطأ. وسماع الشعبي منه غير متحقق، وقد جزم ابن حزم في الإحكام (2/138) بأنه لم يلقه، وردّ هذا الخبر وبالغ كعادته، ومما قاله: إن عمر نفسه رويت عنه خمسمائة حديث ونيف، فهو مكثر بالقياس إلى المتوفين قريبًا من وفاته. أقول: مع اشتغاله بالوزارة لأبي بكر ثم بالخلافة. وكذلك رده ابن عبد البر في كتاب العلم (2/121-123) وأطال، قال: (والآثار الصحاح عنه -أي: عمر – من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرظة هذا، وإنما يدور على بيان عن الشعبي وليس مثله حجة في هذا الباب؛ لأنه يعارض السنة والكتاب) وذكر آيات وأحاديث وآثارًا عن عمر في الحض على تعلم السنن، والشعبي لم يذكر في طبقات المدلسين، لكن ذكر أبو حاتم في ترجمة سليمان بن قيس اليشكري أن أكثر ما يرويه الشعبي عن جابر إنما أخذه الشعبي من صحيفة سليمان بن قيس اليشكري عن جابر، وهذا تدليس. ثم أقول: كان قد تجمع في العراق كثير من العرب من أهل اليمن وغيرهم وشرعوا في تعلم القرآن، فكره عمر أن يشغلوا عنه بذكر مغازي النبي ونحوها من أخباره التي لا حكم فيها. ولا مانع أن يجب
39
فيما فيه حكم أن تتوخى به الحاجة، وإن كان الخبر الآتي يخالف هذا.
قال: وكان عمر يقول: «أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل به».
أقول: عزاه إلى البداية والنهاية، وهو فيها عن الزهري، ولم يدرك عمر. وعلق عليه أبو رية قوله: (أي السنة العملية) فإن أراد اصطلاح شيخه: (السنة العملية المتواترة) فلا يخفى بطلانه؛ لأن هذا اصطلاح محدث، وإنما المراد ما يترتب عليه عمل شرعي، فيدخل في ذلك جميع الأحكام والآداب وغيرها، ولا يخرج إلا القصص ونحوها، استحب الإقلال من القصص ونحوها، ولم يمنع من الإكثار فيما فيه عمل.
ثم قال: (ولا غرابة في أن يفعل عمر ذلك؛ لأنه كان لا يعتمد إلا على القرآن والسنة العملية، فقد روى البخاري عن ابن عباس «أنه لما حضر النبي وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي: هلم أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده. فقال عمر: إن النبي غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله».
أقول: تكلم بعض المتأخرين في هذا الحديث وذكر أنه لوكانت الواقعة بنحو هذه الصورة لما أغفل الصحابة ذكرها والتنويه بشأنها، فما باله لم يذكرها إلا ابن عباس مع أنه كان صغيرًا يؤمئذ. ويميل هذا المتأخر إلى أنها كانت واقعة لا تستحق الذكر تجسمت في ذهن ابن عباس واتخذت ذاك الشكل، والذي يهمنا هنا أن نتبين أنه من المعلوم يقينًا أن عمر لا يدعي كفاية كتاب الله عن كل ما سواه بما فيه بيان الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، إذن فإنما ادعى كفاية القرآن عن أمر خاص، ودلالة الحال تبين أنه ذاك الكتاب الذي عرض عليهم النبي أن يكتبه لهم. والظاهر أنه قد كان جرى ذكر قضية خاصة بدا للنبي أن يكتب لهم في شأنها، فرأى عمر أن حكمها في القرآن، وأن غاية ما سيكون في ذاك الكتاب تأكيد أو زيادة توضيح أو نحو ذلك، فرأى أنه لا ضرورة إلى ذلك مع ما فيه من المشقة على النبي في شدة وجعه.
هذا وفي رسالة الشافعي (ص422-445)، وإعلام الموقعين (1: 61-98، 74)، وأحكام ابن حزم (2: 137-141) وكتاب العلم لابن عبد البر (2: 121-124) وغيرها آثار كثيرة تبين تمسك عمر بالأحاديث والسنن، ورجوعه إليها، وعنايته بها، وحثه على تعلمها وتعليمها، وأمره باتباعها، فمن أحب فليراجعها، ومعنى ذلك في الجملة متواتر.