قال أبو رية (ص64): (وكلمة التوحيد)، وذكر ما لا علاقة له بالرواية بالمعنى. ثم قال (66): (حديث الإسلام والإيمان) فذكر عن صحيح مسلم حديث طلحة: «جاء رجل من أهل نجد…» وحديث جبريل برواية أبي هريرة، وحديث أبي أيوب: «جاء رجل إلى النبي فقال: دلني على عمل… إلخ»، وحديث أبي هريرة: «أن أعرابيًا جاء… إلخ» ثم ذكر عن النووي: (اعلم أنه لم يأت في حديث طلحة ذكر الحج، ولا جاء ذكره في حديث جبريل من رواية أبي هريرة، وكذا غير هذه الأحاديث لم يذكر في بعضها الصوم ولم يذكر في بعضها الزكاة، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يقع في بعضها ذكر الإيمان… وقد أجاب القاضي عياض وغيره رحمهم الله بجواب لخصه أبو عمرو بن الصلاح وهذبه فقال: (… هو من ثقات الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه…).
أقول: أما هذه الأحاديث فلا يتعين فيها ذاك الجواب بل لا يتجه، فإن واقعة حديث جبريل لا علاقة لها ببقية الأحاديث، وذكر الإيمان فيه؛ لأن جبريل أراد بيان جمهرة الدين، وبقية الأحاديث ليس بواجب أن يذكر فيها الإيمان اكتفاء بعلم السائل به مع أن في ما ذكر له ما يستلزمه، وحديث طلحة وحديث أبي هريرة في الأعرابي يظهر أنها واقعة واحدة يحتمل أنها وقعت قبل أن ينزل فرض الحج فلذلك لم يذكر، وحديث أبي أيوب يحتمل أن يكون واقعة أخرى وقعت قبل فرض الحج والصوم فلذلك لم يذكرا فيه، وأما صلة الرحم وأداء الخمس فليسا من الأركان العظمى فلا يجب ذكرهما في كل حديث. هذا وحديث جبريل قد ورد من رواية عمر بن الخطاب وثبت في بعض طرقه ذكر الحج، وصحح ابن حجر ذلك في الفتح بأنه قد جاء في رواية أن الواقعة كانت في أواخر حياة النبي ص. فعلى هذا فسقوطه من رواية أبي هريرة من عمل بعض الرواة كأنه كان عنده أيضًا حديث أبي هريرة مع الأعرابي وليس فيها ذكر الحج فحمل هذه عليها، والله أعلم. ومثل هذا ليس من الرواية بالمعنى، إنما هو من ترك الراوي شيئًا من الحديث نسيه أو شك فيه، ولا يقتضي تركه إحالة لمعنى الحديث، وكثيرًا ما يقع في الكتاب والسنة ترك بيان بعض الأمور في موضع لائق به اعتمادًا على بيانه في موضع آخر، وليس هذا بأكثر من مجيء عموم أو إطلاق في القرآن ومجيء تخصيصه أو تقييده في السنة.
59
قال (ص68): حديث: «زوجتكها بما معك» ذكر أنه روي على ثمانية أوجه: (1- قد زوجتكها بما معك من القرآن، 2- زوجتكها على ما معك… إلخ، 3- أنكحتكها بما… إلخ، 4- قد ملكتكها بما… إلخ، 5- قد أملكتكها بما… إلخ، 6- قد أمكناكها… إلخ، 7- أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها، 8- خذها بما معك… إلخ).
أقول: الثامنة لم تذكر في فتح الباري، والسابعة سندها واهٍ، والسادسة صوابها على ما استظهره في الفتح (أملكناكها)، والست الأولى معناها واحد، وكذا حكمها عند جمهور أهل العلم. وقال قوم: لا يصح العقد إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح كما في الثلاث الأولى، فأما الثلاث التي تليها فلا يصح التزويج بها. وأجابوا عن هذه الروايات بأن أرجحها وأثبتها عن النبي ص هي التي بلفظ التزويج، فتحصل من هذا أن الرواية بالمعنى وقعت، ولكن لم يترتب عليها مفسدة، ولله الحمد. على أن المعنى الأهم في الحديث وهو التزويج بتعليم القرآن لم تختلف فيه الروايات.
قال (ص68): (حديث الصلاة في بني قريظة) ذكر أنه وقع عند البخاري: «لا يصلين أحدكم العصر إلا…» وعند غيره: «لا يصلين أحدكم الظهر إلا…» مع اتحاد المخرج.
أقول: في الفتح إن الذي عند أهل المغازي (العصر)، وكذلك جاء من حديث عائشة ومن حديث كعب بن مالك. ورواه جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر، قال أبو حفص السلمي عن جويرية: (العصر) وقال أبو غسان عن جويرية: (الظهر). ورواه أبو عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية، فقال البخاري عنه: (العصر) وقال مسلم وغيره عنه: (الظهر)، فذكر ابن حجر احتمالين: حاصل الأول بزيادة أن جويرية قال مرة: (العصر) كما رواه أبو حفص السلمي، ومرة (الظهر) كما رواه عنه أبو غسان، وكتبه عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية على الوجهين فسمعه البخاري من عبد الله على أحدهما، ومسلم وغيره على الآخر. وكأن البخاري راجع عبد الله في ذلك ففتش عبد الله أصوله فوجد الوجه الذي فيه (العصر) فأخذ به البخاري لعلمه أنه الصواب. الاحتمال الثاني أن يكون البخاري إنما سمعه من عبد الله بلفظ (الظهر) ولم يكتبه البخاري إلا بعد مدة من حفظه فقال: (العصر) أخطأ لفظ شيخه وأصاب الواقع.
أما ما ذكر أن البخاري كان يحفظ ثم يكتب من حفظه فإن صح ذلك فهذا صحيحه فيه آلاف الأحاديث وقل حديث منها إلا وقد رواه جماعة غيره عن شيخه وعن شيخ شيخه، وقد تتبع ذلك المستخرجون عليه وشراحه فإذا لم يقع له خطأ إلا هذا الموضع -على فرض أنه أخطأ- كان هذا من أدفع الحجج لتشكيك أبي رية.
قال أبو رية (ص69): (وبلغ من أمرهم أنهم كانوا يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم، ثم يعزونه إلى كتب السنة).
أقول: حاصله أن البيهقي يروي عن كتبه الأحاديث بأسانيده إلى شيخ البخاري أو شيخ شيخه ومن فوقه، ويقع
60
في لفظه مخالفة للفظ البخاري مع اتفاق المعنى، ومع ذلك يقول: (أخرجه البخاري عن فلان) ولا يبين اختلاف اللفظ، وكذا يصنع البغوي. وأقول: العذر في هذا واضح، وهو اتفاق المعنى مع جريان العادة بوقوع الاختلاف في بعض الألفاظ، وكتاب البخاري متواتر، فأقل طالب حديث يشعر بالمقصود.
وذكر قول النووي في حديث "الأئمة من قريش": (أخرجه الشيخان) مع أن لفظها: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان». أقول: المعنى قريب، وقد يكون النووي رحمه الله وَهِمَ، ومثل هذا لا يقدم ولا يؤخر؛ لأن الصحيحين متواتران.
قال أبو رية (ص70): (ضرر رواية الحديث بالمعنى) وساق عبارة طويلة لابن السيد البَطَلْيَوْسي في أسباب الاختلاف. وفيها (ص72-73) ما يخشى منها، وقد قدمنا (ص21-22، 55) ما فيه الكفاية.
وذكر (ص74) حديث: «إن يكن الشؤم ففي ثلاث» وسيأتي النظر فيه بعد النظر في عدالة الصحابة الذي ذكره أبو رية في كتابه (ص310-327).
وقال (ص75): (ضرر الرواية بالمعنى من الناحية اللغوية والبلاغية…).
أقول: قد قدمتُ ما يعلم منه أن من الأحاديث ما يمكن أن يحكم العارف بأنه بلفظ النبي ص، ومنها ما يمكن أن يحكم بأنه بلفظ الصحابي، ومنها ما يمكن أن يحكم بأنه على لفظ التابعي، فهذه يمكن الاستفادة منها في العربية، وما عدا ذلك ففي القرآن وغيره ما يكفي.
وذكر (ص71-78) فصولًا من فروع الرواية بالمعنى يعلم جوابها مما تقدم.
وقال: (ص78): (تساهلهم فيما يروى في الفضائل، وضرر ذلك).