









فشهدت فعاد ابن عمر بطيب الثناء على أبي هريرة وقال له: «يا أبا هريرة! كنت ألزمنا لرسول اللهوأعلمنا بحديثه» وممن روى هذا الحاكم في المستدرك (3: 510) وصححه وأقره الذهبي. وفي تهذيب التهذيب والإصابة: (وقال ابن عمر: «أبو هريرة خير مني وأعلم» زاد في الإصابة: "بما يحدث". وفي الإصابة: أخرج مسدد من طريق عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: «كان ابن عمر إذا سمع أبا هريرة يتكلم قال: إنا نعرف ما يقول، لكنا نجبن ويجترئ» وعاصم وأبوه ثقتان. وفي المستدرك (3: 510) من طريق
119(… جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رجل لابن عمر: «إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول اللهفقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به، ولكنه اجترأ وجبنا» هكذا ذكره الذهبي في تلخيص المستدرك: (جرير عن الأعمش…) وقد سمع أبو وائل من ابن عمر فأخشى أن يكون ذكر حذيفة مزيدًا على سبيل الوهم. والله أعلم. وفي الإصابة (روينا في فوائد المزكي تخريج الدارقطني من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: «إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه» فقال له مروان: «أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟ قال: لا. فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أكثر أبو هريرة. فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا. ولكنه اجترأ وجببنا. فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا»، وقد روى ابن عمر عن أبي هريرة كما في التهذيب وغيره. قال أبو رية: (وممن اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وعلي).
أقول: هذا أخذه من كتاب ابن قتيبة، وإنما حكاه ابن قتيبة عن النظام بعد أن قال ابن قتيبة: (وجدنا النظام شاطرًا من الشطار، يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها، ويدخل في الأدناس، ويرتكب الفواحش والشائنات… ثم ذكر أشياء من آراء النظام المخالفة للعقل والإجماع، وطعنه على أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة. فمن كان بهذه المثابة كيف يقبل نقله بلا سند؟ ومن الممتنع أن يكون وقع من عمر وعثمان وعلي وعائشة أو واحد منهم رمي لأبي هريرة بتعمد الكذب أو اتهام به ثم لا يشتهر ذلك ولا ينقل إلا بدعاوى من ليس بثقة ممن يعادي السنة والصحابة كالنظام وبعض الرافضة. وقد تقدم ويأتي ثناء بعض أكابر الصحابة على أبي هريرة وسماع كثير منهم منه وروايتهم عنه. وأطبق أئمة التابعين من أبناء أولئك الأربعة وأقاربهم وتلاميذهم على تعظيم أبي هريرة والرواية عنه والاحتجاج بأخباره. وعند أهل البدع من المعتزلة والجهمية والرافضة والناصبة حكايات معضلة مثل هذه الحكاية تتضمن الطعن القبيح في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة وغيرهم، وفي كثير منها ما هو طعن في النبي. والحكم في ذلك واحد، وهو تكذيب تلك الحكايات البتة.
120قال أبو رية: (ولما قالت له عائشة: «إنك لتحدث حديثًا ما سمعته من النبي-أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار إذ قال لها... - شغلك عنه
المرآة والمكحلة. وفي رواية: ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكن أرى ذلك شغلك»).
أقول: تتمة الرواية الأخيرة كما في البداية: («فقالت: لعله»). والذي أنكره أبو رية من جواب أبي هريرة عظيم الفائدة للباحث المحقق، وذلك أن أبا هريرة كان شديد التواضع، وقد تقدم أمثلة من ذلك، وعائشة معروفة بالصرامة وقوة العارضة، فجوابه يدل على قوة إدلاله بصدقه ووثوقه بحفظه، ولو كان عنده أدنى تردد في صدقه وحفظه لاجتهد في الملاطفة، فإن المريب جبان، وسكوت عائشة بل قولها («لعله»): أي لعل الأمر كما ذكرت يا أبا هريرة. يدل دلالة واضحة أنه لم يكن عندها ما يقتضي اتهام أبي هريرة، هذا وحجة أبي هريرة واضحة فإن عائشة لم تكن ملازمة للنبيبل انفردت عن الرجال بصحبته
في الخلوة، وقد انفردت بأحاديث كثيرة تتعلق بالخلوة وغيرها فلم ينكرها عليها أحد، ولم يقل أحد -ولا ينبغي أن يقول-: إن سائر أمهات المؤمنين قد كان لهن من الخلوة بالنبي
مثل ما لها فما بال الرواية عنهن قليلة جدًا بالنسبة إلى رواية عائشة.
قال: على أنه لم يلبث أن عاد فشهد بأنها أعلم منه… ذلك أنه لما روى حديث: «من أصبح جنبًا فلا صوم عليه». أنكرت عليه عائشة هذا الحديث فقالت: «إن رسول الله كان يدركه الفجر وهو جنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم، وبعثت إليه بأن لا يحدث بهذا الحديث عن رسول الله، فلم يسعه إزاء ذاك إلا الإذعان والاستخذاء وقال: إنها أعلم مني، وأنا لم أسمعه من النبي، وإنما سمعته من الفضل بن العباس».
أقول: لم أجد حديث أبي هريرة هذا بلفظ: «فلا صوم عليه» وإنما وجدته بلفظ: «فلا يصم» ونحوه، ولا ريب أنه كان في رمضان يلزمه قضاء ذاك اليوم. هذا وقوله: «هي أعلم» لا يناقض جوابه المتقدم، وإنما المعنى هي أعلم بذاك الشأن الذي تتعلق به المسألة ووجه ذلك واضح. وقد عرفت صرامة عائشة وشدة إنكارها ما ترى أنه خطأ. وسيأتي طرف من ذلك، وشدتها على أبي هريرة خاصة، فاقتصارها إذ بلغها حديثه هذا على أن بعثت إليه أن لا يحدث بهذا الحديث121وذكرها فعل النبي ص يدل دلالة قوية أنها عرفت الحديث ولكنها رأت أنه منسوخ بفعل النبي ص. ويؤيد هذا أن ابن اختها وأخص الناس بها وأعلمهم بحديثها عروة بن الزبير استمر قوله على مقتضى الحديث الذي ذكره أبو هريرة، وهذا ثابت عن عروة، وانظر فتح الباري (4: 124)، وذكر مثله أو نحوه عن طاوس وعطاء وسالم بن عبد الله بن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي، وهؤلاء من كبار فقهاء التابعين بمكة والمدينة والبصرة والكوفة. والنظر يقتضي هذا، وشرح ذلك يطول. وكأن عروة حمل فعل النبي ص الذي ذكرته عائشة على الخصوصية أو غيرها مما لا يقتضي النسخ، واستدل الجمهور على النسخ بقول الله تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ } قالوا: فهذه الآية نسخت بالإجماع ما كان قبل ذلك من تحريم الجماع في ليالي رمضان بعد النوم وهي تتضمن إحلاله في آخر جزء من الليل بحيث ينتهي بانتهاء الليل، ومن ضرورة ذلك أن يصبح جنبًا، فهذان شاهدا عدل بصحة حديث أبي هريرة وصدقه: الأول اقتصار عائشة على ما اقتصرت عليه؛ الثاني مذهب تلميذها وابن اختها عروة؛ وثمّ شاهد ثالث، وهو أن المتفق عليه بين أهل العلم وعليه دل القرآن أنه كان الحكم أولًا تحريم الجماع في ليالي رمضان بعد النوم، وأن من فعل ذلك لم يصح صومه ذلك اليوم، والحكمة من ذلك -والله أعلم- أن يطول الفصل بين الجماع وبين طلوع الفجر، ولما كان من المحتمل أن يلجأ بعض الناس إلى السهر طول الليل ويجامع قبيل الفجر بحجة أنه إنما جامع قبل النوم ناسب ذلك أنه يحرم كونه جنبًا عند طلوع الفجر ليضطر من يريد الجماع ممن يسهر إلى أن يقدمه قبل الفجر بمدة تتسع له وللغسل بعده فيحصل بذلك المقصود من طول الفصل، وهذا هو مقتضى حديث أبي هريرة. وشاهد رابع: وهو أنّا مع علمنا بصدق أبي هريرة وأمانته لو فرضنا جدلًا خلاف ذلك فأي غرض شخصي لأبي هريرة في أن يرتكب الكذب على النبي ص ليحمل الناس على ما تضمنه حديثه؟ لا غرض له البتة، وإذًا فلا بد أن يكون كان عنده دليل فهم منه ذلك، وقد عرفنا أنه قلما يلجأ إلى الاستنباط الدقيق وإنما يتمسك بالنصوص، وقد نص هو على أن دليله هو ذاك الحديث فبان أن الحديث كان عنده، فهذه أربعة شهود على صدق أبي هريرة في هذا الحديث.122وفوق ذلك ما ثبت من دينه وأمانته ودل عليه الكتاب والسنة كما يأتي في فصل عدالة الصحابة، وشهد به جمع من الصحابة وأجمع عليه أهل العلم، فهذا هو الحق، وما بعد الحق إلا الضلال.
قال أبو رية: (فاستشهد ميتًا، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله ص كما قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث).
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)