أقول: بل هو من المفتين بلا نزاع، غير أنه لم يمكن من المكثرين؛ لأنه كان يتوقى ويحب أن يكفيه الفتوى غيره كما تقدم (ص123). وفي فتوح البلدان (ص92-93): [47] إن عمر لما ولى قدامة بن مظعون إمارة البحرين بعث معه أبا هريرة على القضاء والصلاة، ثم ولاه الإمارة أيضًا، فترك عمر تولية قدامة القضاء والصلاة مع أنه من السابقين وأهل بدر، وتوليته ذلك أبا هريرة شهادة فاطمة بأن أبا هريرة من علماء الصحابة، وأنه أعلم من بعض السابقين البدريين.
قال: (ص15): (ولا من القراء الذين حفظوا القرآن).
148
أقول: قد تقدم رد هذا آنفًا (ص 146).
قال: (ولا جاء في فضله حديث عن الرسول) وعلق عليه: (روى البخاري وغيره… في فضل طائفة كبيرة من أجلاء الصحابة لم نر فيهم أبا هريرة).
أقول: نعم، لم يعقد البخاري لذكر أبي هريرة بابًا في فضائل الصحابة، لكن عنده في كتاب العلم أبواب تخص أبا هريرة كباب: حفظ العلم وباب الحرص على العلم وغيره ذلك، وله باب في صحيح مسلم في كتاب فضائل الصحابة، وكذا في السنن والمستدرك وغيرها. وقد مضى أثناء الترجمة أشياء من فضائله ويأتي غيرها.
وقال: (ص185): (تشيع أبي هريرة لبني أمية).
أقول: أسرف أبو رية في هذا الفصل سبًا وتحقيرًا وتهمًا فارغة، وبحسبي أن أقول: قد ورد أن النبي لما بعث العلاء بن الحضرمي على البحرين أصحبه أبا هريرة وأوصاه به خيرًا. [48] ومن ثم أخذت حال أبي هريرة المالية تتحسن، ولم يتحقق لي متى رجع، وبعد وفاة العلاء بن الحضرمي استعمل عمر مكانه أبا هريرة، [49] وقدم أبو هريرة مرة على عمر بخمسمائة ألف لبيت المال فأخبره فاستكثر ذلك ولم يكد يصدق، وقدم مرة -لا أدري هذه أم بعدها- بمال كثير لبيت المال وقدم لنفسه بعشرة آلاف. [50] وثبت عن ابن سيرين «أن عمر سأل أبا هريرة فأخبره فأغلظ له عمر وقال: فمن أين لك؟ فقال: خيل نتجت وغلة رقيق لي وأعطية تتابعت عليَّ». [51] قال ابن سيرين: «فنظروا فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعا عمر ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه من كان خيرًا منك؟ طلبه يوسف عليه السلام. فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة... ». انظر البداية (8: 113) وابن سيرين من خيار أئمة التابعين، والسند إليه بغاية الصحة. قال ابن كثير: (وذكر غيره أن عمر غرمه) وسيأتي ذلك. فمن كان له في عهد عمر خيل تناتج ورقيق يغل مع عطائه في بيت المال كغيره من الصحابة، ومع ما كان الأئمة يتعهدون به الصحابة من الأموال زيادة على المقرر كل سنة بحسب توفر المال في بيت المال، أقول: من كانت هذه حاله كيف يسوغ أن يقال له: إنه إنما تمول في عهد بني أمية؟ ويزعم أبو رية -من وحي شيطانه- أن بني أمية هم أقطعوا أبا هريرة وبنوا مسكنه بالعقيق وبذي الحليفة ويجعله أبو رية قصورًا وأراضي، وأعجب من ذلك زعمه أنهم زوجوه ابنة غزوان، وينعى على أبي هريرة أنه
149
كان ممن نصر عثمان (وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها) ويزعم أنه مال إلى معاوية، وهذه من وحي الشياطين وتقولات الرافضة والقصاصين، ولا نثبت لأبي هريرة صلة بمعاوية إلا أنه وفد إليه بعد استقرار الأمر له كما كان يفد إليه بنو هاشم وغيرهم، وينعى عليه استخلاف مروان له على إمرة المدينة، وتقدم (ص108) أن ذلك الاستخلاف لم يزد أبا هريرة إلا تواضعًا وانكسارًا وتهاونًا بالإمارة، فإن كان لذلك أثر فهو إحياؤه كثيرًا من السنة، كما تقدم. وأحاديث أبي هريرة في فضائل أهل البيت معروفة وكذلك محبته لهم وتوقيرهم وشدة إنكاره على بني أمية لما منعوا أن يدفن الحسن بن علي مع جده ، وقوله لمروان في ذلك: «والله ما أنت بوال، وإن الوالي لغيرك، فدعه، ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، وإنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك» يعني معاوية. راجع البداية (8: 108) ومن المتواتر عنه تعوذه بالله من عام الستين وإمارة الصبيان، كان يعلن هذا ومعاوية حي، وذلك يعني موت معاوية وتأمر ابنه يزيد وقد كان ذلك عام الستين بعد موت أبي هريرة بمدة.
قال أبو رية (ص188): (روى البيهقي عنه أنه لما دخل دار عثمان وهو محصور استأذن في الكلام، ولما أذن له قال: «إني سمعت رسول الله يقول: إنكم ستلقون بعدي فتنة واختلافًا، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله… أو ما تأمرنا؟ فقال: عليكم بالأمين وأصحابه، وهو يشير إلى عثمان» وقد أورده أحمد بسند جيد.
أقول: الحديث في المستدرك (3: 99) وفيه (عليكم بالأمير) وهو الظاهر، وفي سنده مقال لكنه ليس بمنكر. وقول أبي هريرة: (وهو يشير إلى عثمان) يريد أنه يفهم أن النبي أشار بقوله (الأمير) إلى عثمان ولو أراد أبو هريرة -وقد أعاذه الله- أن يكذب لجاء بلفظ صريح مؤكد مشدد.
قال: (ولما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: «أصبت ووفقت، أشهد لسمعت رسول الله يقول..... قال فأعجب ذلك عثمان وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف». وهذا الحديث من غرائبه وهو ينطق ولا ريب بأنه ابن ساعته).
أقول: عزاه أبو رية إلى البداية (7: 216) وهو هناك من رواية الواقدي وهو متروك مرمي بالكذب عن [أبي بكر بن عبد الله بن محمد] بن أبي سبرة وهو كذاب يضع الحديث.
150
قال: (ومن غرائبه كذلك ما رواه البيهقي قال: أصبت بثلاث مصيبات…. ) ذكر قصة المزود مطولة، وأسرف أبو رية في التندر والاستهزاء وعزا الخبر إلى البداية (6: 117) وهو مروي من طرق في أسانيدها ضعف، واللفظ الذي ساقه أبو رية من رواية يزيد بن أبي منصور الأزدي عن أبيه عن أبي هريرة، وأبو منصور الأزدي مجهول ولا يدرى أدرك أبا هريرة أم لا؟ وفيه أن المزود ذهب حين قتل عثمان.
قال أبو رية: (وهذا الحديث رواه عنه أحمد ولكن قال فيه… وعلقه في سقف البيت…).
أقول: أما هذه الرواية فرجالها ثقات، ولفظه: «أعطاني رسول الله ص شيئًا من تمر فجعلته في مكتل فعلقناه في سقف البيت، فلم نزل نأكل منه حتى كان آخره أصابه أهل الشام حيث أغاروا على المدينة» يعني مع بسر بن أرطأة، وذلك بعد قتل عثمان بمدة وهذه الرواية الأخيرة ليس فيها ما ينكر، والظاهر أن الإعطاء كان في أواخر حياة النبي ص.
وقد جاءت أحاديث كثيرة بمثل هذا من بركة ما يدعو فيه النبي ص، وهذا المعنى متواتر قطعًا، حتى كان عند الصحابة كأنه من قبيل الأمور المعتادة من كثرة ما شاهدوه ومن يؤمن بقدرة الله عز وجل وإجابته دعاء نبيه وخرق العادة له لا يستنكر ذلك، نعم يتوقف عما يرويه الضعفاء والمجهولون؛ لأن من شأن القصاص وأضرابهم أن يطولوا القضايا التي من هذا القبيل ويزيدوا فيها ويغيروا في أسانيدها، والله المستعان.
قال أبو رية (ص189): (ومما [زعم المفتري أن أبا هريرة] وضعه في معاوية ما أخرجه الخطيب عنه: ناول النبي ص معاوية سهمًا فقال: «خذ هذا السهم حتى تلقاني به في الجنة»).
أقول: في سنده وضاح بن حسان عن وزير بن عبد الله -ويقال: ابن عبد الرحمن الجزري– عن غالب بن عبيد الله العقيلي، وهؤلاء الثلاثة كلهم هلكى متهمون بالكذب، ورابعهم أبو رية القائل إن أبا هريرة كيت وكيت. والخبر أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات، وقد تفتن فيه الكذابون فرووه من حديث جابر، ومن حديث أنس، ومن حديث ابن عمر، وغير ذلك. راجع اللآلئ المصنوعة (1: 219).
قال: (وأخرج ابن عساكر وابن عدي والخطيب البغدادي عنه: سمعت رسول الله ص يقول: «إن الله ائتمن على وحيه ثلاثًا أنا وجبريل ومعاوية»).