الياسمينة قد عانق الحب روحي لأول مرة بينما كان القدر يخط أول كلمة من حكاية مستقبلي في دار المطران بولس غالب. وفي هذه الساعة وقد جلس والدي وخطيبي ليضفرا إكليل زواجي أراك جالساً بجانبي وأشعر بنفسك متموجة حولي كطائر ظامئ يحوم مرفرفاً فوق ينبوع ماء يخفره ثعبان جائع مخيف فما أظلم هذه الليلة وما أعمق أسرارها". فأجبتها وقد تخيلت القنوط شبحاً مظلماً قابضاً على عنق حبنا ليميته في طفولته "سيظل هذا الطائر حائما مرفرفاً فوق الينبوع حتى يضنيه العطش فيرديه أو يقبض عليه الثعبان المخيف فيمزقه ويلتهمه".
فقالت متأثرة وصوتها يرتجف كالأوتار الفضية "لا. لا يا صديقي فليبق هذا الطائر حياً. ليبق هذا البلبل مغرداً حتى المساء، حتى ينتهي الربيع، حتى ينتهي العالم، حتى تنتهي الدهور لا تخرصه لأن صوته يحييني ولا توقف جناحيه لأن حفيفهما يزيل الضباب عن قلبي".
فهمست متنهداً "الظمأ يقتله يا سلمى والخوف يميته".
فأجابت والكلام يتدفق بسرعة من بين شفتيها المرتعشتين "إن ظمأ الروح أعذب من ارتواء المادة وخوف النفس أحب من طمأنينة الجسد. ولكن اسمع يا حبيبي ــ اسمعني جيداً ــ أنا واقفة الآن في باب حياة جديدة لا أعرف عنها شيئاً. أنا مثل عمياء تتلمس بيدها الجدران مخافة السقوط. أنا جارية أنزلني مال والدي إلى ساحة النخاسين فابتاعني رجل من بين الرجال. أنا لا أحب هذا الرجل لأنني أجهله وأنت تعلم أن المحبة والجهالة لا تلتقيان ولكنني سوف أتعلم محبته، سوف أطيعه وأخدمه وأجعله سعيداً سوف أهبه كل ما تقدر المرأة الضعيفة أن تهب الرجل القوي، أما أنت فلم تزل في ربيع العمر. أمامك الحياة طريقاً وسيعة مفروشة بالأزهار والرياحين، سوف تخرج إلى ساحة العالم حاملا ً قلبك مشعلاً متقداً، سوف تفتكر بحرية، وبحرية تتكلم وتفعل سوف تكتب على وجه الحياة لأنك رجل، سوف تعيش سيداً لأن فاقة والدك لا تجعلك عبداً، وأمواله لا تنزل بك إلى سوق النخاسين حيث تباع البنات وتشترى، سوف تقترن بالصبية التي تختارها لنفسك من بين الصبايا فتسكنها صدرك قبل أن تسكنها منزلك وتشاركها بأفكارك قبل أن تساهمها الأيام والليالي.
وسكتت دقيقة كيما تسترجع أنفاسها ثم زادت بصوت تتابعه الغصات " ولكن أههنا تفرقنا سبل الحياة لتذهب بك إلى أمجاد الرجل وتسير بي إلى واجبات المرأة؟ أهكذا ينقضي الحلم الجميل وتندثر الحقيقة العذبة؟ أهكذا تبتلع اللجة نغمة الشحرور وتنثر الرياح أوراق الوردة وتسحق الأقدام كأس الخمر؟ أباطلاً أوقفتنا تلك الليلة أمام وجه القمر وباطلاً ضمنا الروح في ظلال هذه الياسمينة؟ هل تسرعنا بالصعود نحو الكواكب فكلت أجنحتنا وهبطت بنا إلى الهاوية؟ هل فاجأنا الحب نائماً فاستيقظ غاضباً ليعاقبنا أم هيجت أنفسنا نسمات الليل فانقلبت ريحاً شديدة لتمزقنا وتجرفنا كالغبار إلى أعماق الوادي؟ لم نخالف وصية ولم نذق ثمراً فكيف نخرج من هذه الجنة ــ لم نتآمر ولم نتمرد فلماذا نهبط إلى الجحيم.. لا لا وألف لا ولا. إن الدقائق التي جمعتنا هي أعظم من الأجيال، والشعاع الذي أنار نفسينا هو أقوى من الظلام، فإن فرقتنا العاصفة على وجه هذا البحر الغضوب فالأمواج تجمعنا على ذلك الشاطئ الهادئ وإن قتلتنا هذه الحياة فذاك الموت يحيينا.... إن قلب المرأة لا يتغير من الزمن ولا يتحول مع الفصول، قلب المرأة ينازع طويلاً ولكنه لا يموت، قلب المرأة يشابه البرية التي يتخذها الإنسان ساحة لحروبه ومذابحه، فهو يقتلع أشجارها ويحرق أعشابها ويلطخ صخورها بالدماء ويغرس تربتها بالعظام والجماجم ولكنها تبقى هادئة ساكنة مطمئنة، ويظل فيه الربيع ربيعاً والخريف خريفاً إلى نهاية الدهور... والآن قد قضي الأمر فماذا نفعل؟ قل ماذا نفعل وكيف نفترق وأين ومتى نلتقي؟ هل نحسب الحب ضيفاً غريباً أتى المساء وأبعده الصباح، أتحسب هذه العاطفة النفسية حلماً أبانه الكرى ثم أخفته اليقظة؟ أتحسب هذا الأسبوع ساعة سكر ما لبثت أن قضت بالصحو والانتباه؟ ارفع رأسك لأرى عينيك يا حبيبي. افتح شفتيك لأسمع صوتك. تكلم أخبرني، حدثني هل تذكرني بعد أن تغرق العاصفة سفينتي أيامنا؟ هل تسمع حفيف أجنحتي في سكينة الليل؟ هل تشعر بأنفاسي متموجة على وجهك وعنقك؟ هل تصغي لتنهداتي متصاعدة بالتوجع منخفضة بالمغصات؟ هل ترى خيالي قادماً مع خيالات الظلام مضمحلاً مع ضباب الصباح؟ قل لي يا حبيبي ــ قل لي ماذا تكون لي بعد أن كنت نوراً لعيني ونغمة لأذني وجناحاً لروحي، ماذا تكون؟".