والأمة مجمعة على أن هذا القرآن الذي لا تصح الصلاة الا به ولا تصح الخطبة إلا بآية منه ولا يقرأه حائض ولا جنب ولما اختلف اهل الحق والمعتزلة فقال أهل الحق القرآن كلام الله غير مخلوق وقالت المعتزلة هو مخلوق لم يكن اختلافهم في هذا الموجود دون ما في نفس الباري مما لا يدرى ما هو ولا نعرفه ولما أمر الله تعالى بترتيل القرآن بقوله سبحانه {ورتل القرآن ترتيلا} [المزمل 4] لم يفهم منه المسلمون إلا هذا الموجود ولما قال الوليد بن المغيرة {إن هذا إلا قول البشر} [المدثر 25] إنما أشار إلى هذا النظم فتوعده الله تعالى فقال {سأصليه سقر} [المدثر 26] ولما قالوا {لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} [سبأ 31] إنما أشاروا إليه ولما قالوا {إن هذا الا أساطير الأولين} لم يعنوا غيره. ولو لم يكن هذا النظم قرآنا لوجب ان تبطل الصلاة به لأن النبي ص قال (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)[4] فعلى قول هؤلاء المخذولين يكون القرآن الذي لا تصح الصلاة إلا به مبطلا لها لأنه ليس بقرآن وإنما هو تصنيف جبريل وهذه فضيحة لم يسبقوا إليها. وأجمع المسلمون على أن في القرآن ناسخا ومنسوخا وإنما يتعلق هذه النظم دون ما في النفس وأجمعوا على أن القرآن معجز للخلق عجزوا عن الإتيان بعشر سور مثله او سورة مثله وإنما يتعلق ذلك بهذا القرآن وهو هذا القرآن الذي اجمع عليه المسلمون وكفر به الكافرون وزعمت المعتزلة أنه مخلوق وأقر الاشعري أنهم مخطئون ثم عاد فقال هو مخلوق وليس بقرآن فزاد عليهم. ولا خلاف بين المسلمين أجمعين أن من جحد آية أو كلمة متفقا عليها أو حرفا متفقا عليه أنه كافر وقال علي رضي الله عنه من كفر بحرف منه فقد كفر به كله والأشعري يجحده كله ويقول ليس شيء منه قرآنا وإنما هو كلام جبريل ولا خلاف بين المسلمين كلهم في انهم يقولون قال الله كذا إذا أرادوا ان يخبروا عن آية أو يستشهدوا بكلمة من القرآن ويقرون كلهم بأن هذا قول الله وعند الأشعري ليس هذا قول الله وانما هو قول جبريل فكان ينبغي لهم أنهم يقولون قال جبريل أو قال النبي ص إذا حكوا آية.
ثم إنهم قد أقروا ان القرآن كلام الله غير مخلوق فإذا لم يكن القرآن هذا الكتاب العربي الذي سماه الله قرآنا فما القرآن عندهم وبأي شيء علموا أن غير هذا يسمى قرآنا فإن تسمية القرآن إنما تعلم من الشرع أو النص فأما العقل فلا يقتضي تسمية صفة الله قرآنا وما ورد النص بتسميته القرآن إلا لهذا الكتاب ولا عرفت الأمة قرآنا غيره وتسميتهم غيره قرآنا تحكم بغير دليل شرعي ولا عقلي مخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ومدار القوم على القول بخلق القرآن ووفاق المعتزلة ولكن أحبوا ان لا يعلم بهم فارتكبوا مكابرة العيان وجحد الحقائق ومخالفة الإجماع ونبذ الكتاب والسنة وراء ظهورهم والقول بشيء لم يقله قبلهم مسلم ولا كافر ومن العجب انهم لا يتجاسرون على إظهار قولهم ولا التصريح به إلا في الخلوات ولو أنهم ولاة الأمر وأرباب الدولة وإذا حكيت عنهم مقالتهم التي يعتقدونها كرهوا ذلك وأنكروا وكابروا عليه ولا يتظاهرون إلا بتعظيم القرآن وتبجيل المصاحف والقيام لها عند رؤيتها وفي الخلوات يقولون ما فيها إلا الورق والمداد وأي شيء فيها، وهذا فعل الزنادقة.
ولقد حكيت عن الذي جرت المناظرة بيني وبينه بعض ما قاله فنقل إليه ذلك فغضب وشق عليه وهو من أكبر ولاة البلد وما أفصح لي بمقالته حتى خلوت معه وقال أريد ان أقول لك أقصى ما في نفسي وتقول لي اقصى ما في نفسك وصرح لي بمقالتهم على ما حكيناه عنهم ولما الزمته بعض الآيات الدالة على ان القرآن هو هذه السور قال وأنا أقول إن هذا قرآن ولكن ليس هو القرآن القديم قلت ولنا قرآنان قال نعم وأي شيء يكون إذا كان لنا قرآنان. ثم غضب لما حكيت عنه هذا القول وقال له بعض أصحابنا أنتم ولاة الأمر وأرباب الدولة فما الذي يمنعكم من إظهار مقالتكم لعامة الناس ودعاء الناس إلى القول بها بينهم فبهت ولم يجب إلي ولا نعرف في أهل البدع طائفة يكتمون مقالتهم ولا يتجاسرون على إظهارها الا الزنادقة والأشعرية وقد امر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بإظهار الدين والدعاء اليه وتبليغ ما أنزل عليه فقال تعالى {يا ايها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة 67] فإن كانت مقالتهم كما يزعمون هي الحق فهلا أظهروها ودعوا الناس إليها وكيف حل لهم كتمانها وإخفاؤها والتظاهر بخلافها وإيهام العام اعتقاد ما سواها بل لو كانت مقالتهم هي الحق الذي كان عليه رسول الله ص وأصحابه والأئمة الذين بعدهم كيف لم يظهرها أحد منهم وكيف تواطأوا على كتمانها؟! أم كيف حل للنبي ص كتمانها عن أمته وقد أمر بتبليغ ما انزل إليه وتوعد على إخفاء شىء منه بقوله {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}؟! أم كيف وسعه ان يوهم الخلق خلاف الحق؟! ثم هو ص اشفق على أمته من أن يعلمه الله حقا ويأمره بتبليغه إلى أمته فيكتمه عنهم حتى يضلوا عنه. ثم إذا كتمه فمن الذى بلغه إلى الصحابة حتى اعتقدوه ودانوا به؟! وكيف تصور منهم ان يدينوا به ويتواطأوا على كتمانه حتى لا ينقل عن أحد منهم مع كثرتهم وتفرقهم في البلدان؟! فإن تصور ذلك منهم فمن الذي نقله إلى التابعين حتى اعتقدوه؟! فكل هذا من المستحيل الذي يقطع كل ذي لب بفساده ويعلم يقينا أن رسول الله ص واصحابه وتابعيهم ما كانوا يعتقدون في القرآن اعتقادا سوى اعتقاد المسلمين وانه هذا القرآن العربي الذي هو سور وآيات وهذا أمر لا يخفى على غير من أضله الله.
وإن تصور في عقولهم أن الحق خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه والتابعين بعدهم وعلى الأئمة الذين مهدوا الدين واقتدوا بسلفهم واقتدوا بهم من بعدهم وغطي عنهم الصواب ولم يتبين لهم الصحيح إلى أن جاء الأشعري فبينه وأوضح ما خفي على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته وكشفه فهذه عقول سخيفة وآراء ضعيفة إذ يتصور فيها أن يضيع الحق عن النبي ص ويجده الأشعري ويغفل عنه كل الأمة وينتبه له دونهم وإن ساغ لهم هذا ساغ لسائر الكفار نسبتهم لنبينا عليه السلام وامته إلى أنهم ضاعوا عن الصواب وأضلوا عن الطريق وينبغي ان تكون شريعتهم غير شريعة محمد ص ودينهم غير دين الإسلام لأن دين الإسلام هو الذي جاء به محمد ص وهذا إنما جاء به الأشعري وإن رضوا هذا واعترفوا به خرجوا عن الإسلام بالكلية.
فإن قالوا فكيف قلتم إن القرآن حروف ولم يرد في كتاب ولا سنة ولا عن أحد من الأئمة قلنا قد ثبت ان القرآن هو هذه السور والآيات ولا خلاف بين العقلاء كلهم مسلمهم وكافرهم في أنها حروف ولا يختلف عاقلان في أن الحمد خمسة أحرف واتفق المسلمون كلهم في أن سورة الفاتحة سبع آيات واختلفوا في أن بسم الله الرحمن الرحيم هل هي آية منها أم لا واتفقوا كلهم على أنها كلمات وحروف وقد افتتح الله تعالى كثيرا من سور القرآن بالحروف المقطعة مثل آلم و آلر ولا يجحد عاقل كونها حروفا إلا على سبيل المكابرة وهذا أمر غير خاف على أحد فلا حاجة إلى الدليل عليه.
فإن قالوا لا يسوغ لكم أن تقولوا لفظة لم ترد في كتاب ولا سنة وإن كان معناها صحيحا ثابتا قلنا هذا خطأ فإنه لا خلاف في أنه يجوز أن يقال إن القرآن مائة واربع عشرة سورة وإن سورة البقرة مائتان وست وثمانون آية وفي عد آى سور القرآن وأحزابه وأسباعه وأعشاره ولم يرد لفظ في ذلك في كتاب ولا سنة على ان لفظ الحرف قد جاءت به السنة وأقوال الصحابة وإجماع الأمة فقال النبي ص (من قرأ القرآن وأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف منه حسنة) وهذا حديث صحيح وقال النبي ص (اقرأوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم) وقال ص (أنزل القرآن على سبعة احرف) وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه) وقال علي رضي الله عنه: (من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله) وقال ايضا: (تعلموا البقرة فإن بكل حرف منها حسنة والحسنة بعشرة أمثالها) وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (من حلف بالقرآن فعليه بكل حرف كفارة) وقال ابن عمر: (إذا خرج أحدكم لحاجته ثم رجع إلى أهله فليأت المصحف فيفتحه فيقرا سورة فإن الله يكتب له بكل حرف عشر حسنات اما إني لا أقول الم ولكن الألف عشر واللام عشر والميم عشر) وقال الحسن البصري: (قراء القرآن ثلاثة فقوم حفظوا حروفه وضيعوا حدوده) وقال حذيفة وفضاله بن عبيج: (خذ علي المصحف ولا تردن علي ألفا ولا واوا) وذكر أبو عبيد وغيره من الأئمة في تصانيفهم "باب اختلافهم في حروف القرآن" واتفق أهل الأمصار من أهل الحجاز والعراق والشام على عدد حروف القرآن فعدها كل أهل مصر وقالوا عددها كذا وكذا وقال المسيب بن واضح: (قلت ليوسف بن اسباط حدثني ابو عمر الصنعاني حفص بن ميسرة قال القرآن ألفا ألف حرف واربعة وعشرون الف حرف فمن قرأ القرآن اعطي بكل حرف زوجة من الحور العين فقال لي يوسف بن أسباط وما يعجبك من ذلك حدثني محمد بن ابان العجلي عن عبد الاعلى عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال من قرأ القرآن أعطي بكل حرف زوجتين من الحور العين) ولم تزل هذه الأخبار وهذه اللفظة متداولة منقولة بين الناس لا ينكرها منكر ولا يختلف فيها أحد إلى ان جاء الأشعري فأنكرها وخالف الخلق كلهم مسلمهم وكافرهم ولا تأثير لقوله عند أهل الحق ولا تترك الحقائق وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة لقول الأشعري إلا من سلبه الله التوفيق وأعمى بصيرته واضله عن سواء السبيل.