








قبل الحرب أفصح الشهيد لرفيقه أيوب أبو سعدة، عن أمنيته قائلا" إن جاءني الموت، فإنني أرحب به كثيرا فقط حين أكون في البحر، لأبقى في أعماقه، لا أريد قبرا وشاهدا ليبكيني من أعزُهم وأحبُهم، البحر هو عالمي الكبير، أصبحت جزءاً منه كما هو جزء مني"
وكما كانت أمنيته، لم يبق مكان للشهيد يحمل اسمه وتاريخ ولادته أو رحيله، يحاصره المكان والزمان هناك في عمق البحر قبالة شواطئ اللاذقية المدينة التي أحب شوارعها وأجواءها، غاص في ظلمة البحر حتى نهاية الأزمنة، لكنه لم يهجر تلك العيون التي ما زالت تحتفظ في اسم له وهوية وعنوان، رغم أن تلك العيون في عين قنية وجرمانا تدرك أن الأوراق التي تسقط عن أغصانها لن تعود إليها ثانية، تاركة لأصداء الأصوات التي غطت الساحل السوري ومركز القيادة الحربية ان توقظ الأسئلة الداكنة التخوم في قلب ورأس وأمنيات طفلته الوحيدة " حنان" التي ولدت بعد ستة أشهر من استشهاد والدها الذي لم تعرفه يوما، ولم تستطع والدتها أن تعلمها كيفية نطق كلمة" أبي" .
ولد الشهيد الخالد فريز فياض دعبوس في قرية عين قنية في العام 1945، وحائز على شهادة المرحلة الابتدائية،بتفوق وامتياز، عمل بعدها في مساعدة ذويه في كسب لقمة العيش الكريمة، في الزراعة وفلاحة الأراضي في بانياس وعين قنية وجباثا، ليعيل مع والده خمسة أشقاء وشقيقتين، بعد أن غادر أخويه محمد فياض دعبوس وفريد دعبوس بلدتهم لتأدية الخدمة العسكرية حيث خدم أخوه محمد في سلاح الهندسة العسكرية في عدوان حزيران عام 1967،أما شقيقه فريد فقد انضم إلى الجيش وعمل سائق سيارة عسكرية.
وبقيت كل عائلته في قرية عين قنية تعيش بصمتها طويلا، صمتا هو أعمق من كل الكلمات، وأعمق من الأحزان والدموع، وأعمق من تلك الهاوية التي يرقد فيها شقيقهم الأكبر فريز، الذي بقى في عداد المفقودين طيلة فترة ستة أشهر، حتى تم الإعلان عنه رسميا انه شهيد سلاح البحرية السورية التزاما بالقانون البحري الدولي الخاص بالمفقودين أثناء المعارك البحرية، فيما زوجته السيدة" الهام المغربي/نخلة"،التي تزوجته قبل أشهر من بدء الحرب، وهي لم تزل إبنة السادسة عشرة من عمرها،كانت تنتظر عودته ليحتضن ابنته التي اختار لها اسما قبل ولادتها،وأوصى لها هدية كان قد ادخر ثمنها هي عبارة عن قلادة لسمكة البحر،ما زالت تتدلى فوق عنقها تلامس فيه وجه وصوت وصدر والدها الذي لم تعرفه يوما.
انتهت الحرب رسميا، ولم يعد العريف فريز دعبوس إلى زوجته الحامل في جرمانا، كما لم يرسل خبرا أو رسالة اطمئنان لأخوية أو عائلته في الجزء المحتل من الجولان، بعد مضى اثني وعشرين يوما من الحرب،ابتدأ من نجا من الحرب من العسكريين بالعودة إلى زيارة عائلاتهم وذويهم، لكن فريز لم يعد، ورغم اعتياد زوجته على تأخره وغيابه في سلاح البحرية الذي أحبه جدا،إلا أن شكوكهما كانت تتجه إلى إمكانية استشهاده،حيث تعززت تلك الشهود بعد أن أرسل قائد المنطقة الساحلية اللواء المرحوم نورالدين كنج أبو صالح في طلب احد أفراد عائلته ليسافر من جرمانا إلى اللاذقية، حيث وصلت زوجته وزوج أختها سامي المرعي إلى منزل اللواء الذي اخبرهم أن العريف فريز دعبوس في عداد المفقودين، ولم تجد فرق البحث والإنقاذ جثته.
بين الأمل في عودته الذي طغى على إخوته ووالده في عين قنية بإمكانية أن يكون أسيرا في إسرائيل والبحث في قوائم الصليب الأحمر الدولي عن أسماء الأسرى والناجيين من الحرب وبين اليقين الذي شهد به رفاقه في البحرية، أقيم للشهيد بيت عزاء في مدينة جرمانا وقريته عين قنيه،دون جثمان له تبكيه زوجته، ودون قبر أو شاهد تزوره ابنته" حنان" فيما بعد
حنان التي ما زالت تدخل غرفتها خلسة، تحدق في صورة والدها اليتيمة ،تحسبا من رؤية ابنتيها وزوجها لدموع شوقها التي لم تنضب بعد إليه،تقول: "أخاطبه دوما..هذه القلادة التي لم تفارقني يوما عليها صورته وقلادة سمكة البحر التي تركها لي،أجمل أحلامي حين أكون مرتمية على صدره يداعب خصلات شعري رغم إنني لم اعرفه أبدا، إلا من خلال حكايا وقصص والدتي وأقربائي".
ولدت وترعرت حنان في بيت جدها في جرمانا،وأنهت دراستها في معهد التمريض وعملت رئيسة الممرضات في شعبة الأمراض الداخلية في مستشفى ابن النفيس في دمشق،فيما والدتها تزوجت حين بلغت "حنان" السابعة عشرة من عمرها، أما شقيقه مجيد فيحاول التمسك في تلابيب ذاكرته عن أخر صورة مطبوعة في مخيلته عن شقيقه الأكبر الذي ذهب ولم يعد.
لقد كرمت قيادة الجيش والحكومة السورية الشهيد فريز فياض دعبوس، بإطلاق اسمه على مدرسة في منطقة " الطبالة" على طريق دمشق جرمانا، ومنحت الدولة ابنته كافة الاستحقاقات الخاصة بأبناء وبنات الشهداء ..
█║S│█│Y║▌║R│║█
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)