أنت هذا الإنسان الذي توضعت في كيانه هذه المزايا ولم يعلم من أين جاءت وغداً سيودعها ولا يستطيع أن يستبقي منها شيئاً، أفيليق بهذا الإنسان أن يستكبر! أفيليق بهذا الإنسان أن يقول لا بل أنا حر، أنا لست عبداً لأحد أنا أتصرف كما أشاء، ألزم نفسي بما أريد وأبتعد عما لا أريد!
من أنت – يا أخي – حتى تقول هذا الكلام؟
أرني جرأتك وبقاءك واستمرارك على هذه الدعوى لا اليوم – والله يمدك بقوته – لا اليوم – والله يكرمك بالفكر والتدبر والتأمل – أرني حريتك وقدرتك هذه عندما تمتد على فراش الموت وعندما تشم رائحته تدنو إليك وعندما يدخل عليك ملك الموت من حيث لا تدري – أجل ستراه بعيني رأسك – أرني تلك الساعة حريتك التي تزعمها اليوم، أرني تلك الساعة قدرتك على الدفاع عن حريتك فيما تريد أن تفعل وفيما تريد أن تدع وفيما تريد أن تتصرف به.
إن كنت قادراً على أن تَثْبُتَ على هذه الحالة اليوم في تلك الساعة فهنيئاً لك حريتك التي تدعيها، ولكنك تعلم وأعلم أنك ستكون آنذاك كتلةً من ضعف، كتلة ضعف، كتلة ذل ومهانة.
فيا عجباً للإنسان يعلم أنه صائرٌ إلى هذا المصير لماذا لا يتهيأ له؟
يعلم الإنسان أن صائرٌ إلى هذه النهاية ومع ذلك يتحدى مولاه وخالقه عندما شرع وأمر ووصف، يتحداه في وصاياه لأنه حر، لو كنت حراً لكنت أنت الذي غرس هذه المزايا في كيانك ولكنت أن القادر على استبقائها لديك.
لو كنت حراً لأبقيت شبابك المتألق في كيانك ولما تركته يودعك إلى غير رجعة.
لو كنت حراً لاستبقيت قوتك في كيانك.
لكنك تعلم أنها ودائع استودعها الله عز وجل لديك.
ألم تقتنع بعد – يا أخي الإنسان – أنك مملوك! فابحث عن مالكك الذي أنت في قبضته.
ألم تقتنع بعد أنك عبد! فابحث عن مولاك الذي أنت مملوك وعبد له.
إذا عرفت هذا انسجمت كل الانسجام مع قوله عز وجل:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات : 56-58].
والعبادة سلوك في الطريق الذي شرع الله ولكن السلوك لا يتأتَّى إلا بعد وجود العبودية والعبودية شعور يهيمن على الكيان يشعرك أنك مملوك، يشعرك أنك في قبضةِ مولاك، يشعرك أنك تتحرك تحت سلطانه ويسعدك هذا الشعور أيما سعادة. ولسوف تجد هذا الشعور هو رفيقك عندما يدنو منك الموت، هو صديقك عندما تنتقل من رحاب هذه الدنيا إلى الحياة البرزخية التي تنتظرك.
أسأل الله عز وجل أن يبقي لي ولك هذا الرفيق في الساعة النكراء التي نعيش فيها غربة وأي غربة إلا من هوياتنا الحقيقية.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.