قالت شهرزاد :
بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال للملك ضوء المكان : فتقدمت واحدة منهن وقبلت الأرض بين يديه وقالت : اعلم أيها الملك أنه ينبغي لذي الأدب أن يتجنب الفضول ويتحلى بالفضائل وأن يؤدي الفرائض ويبتعد عن الكبائر ويلازم ذلك ملازمة من لو أفرد عنه لهلك وأساس الأدب مكارم الأخلاق واعلم أن أسباب المعيشة طلب الحياة والقصد من الحياة عبادة الله ، فينبغي أن تحسن خلقك مع الناس وأن لا تعدل عن تلك السنة فإن أعظم الناس خطراً أحوجهم إلى التدبير والملوك أحوج إليه من السوقة لأن السوقة قد تفيض في الأمور من غير نظر في العافية ، وأن تبدل في سبيل الله نفسك ومالك واعلم أن العدو خصم تخصيمه بالحجة وتحرز منه ، وأما الصديق فليس بينك وبينه قاض يحكم غير حسن الخلق . فاختر صديقك لنفسك بعد اختياره فإن كان من الإخوان الآخرة فليكن محافظاً على أتباع الظاهر من الشعر عارفاً بباطنه على حسن الإمكان وإن كان من إخوان الدنيا فليكن حراً صادقاً ليس بجاهل ولا شرير فإن الجاهل أهل لأن يبتعد منه أبوانا والمنافق لا يكون صديقاً لأن الصديق مأخوذ من الصدق الذي يكون ناشئاً عن صميم القلب فكيف به إذا أظهر الكذب على اللسان ، واعلم أن أتباع الشرع ينفع صاحبه فتودد لأخيك إذا كان بهذه الصفة ولا تقطعه وإن ظهر لك منه ما تكره فإنه ليس كالمرأة يمكن طلاقها ومراجعتها بل قلبه كالزجاج إذا تصدع لا ينجبر ، ولله در القائل : احرص على صون القلوب من الأذى ........ فرجوعها بعد التـنافـر يعـسـر إن القـلـوب إذا تـنـافـر ودهـا ........ مثل الزجاجة كسرهـا لا يجـبـر وقالت الجارية في آخر كلامها وهي تشير إلينا : إن أصحاب العقول قالوا : خير الإخوان أشدهم في النصيحة خير الأعمال أجملها عاقبة وخير الثناء ما كان على أفواه الرجال . وقد قيل : لا ينبغي للعبد أن يغفل عن شكر الله خصوصاً على نعمتين العافية والعقل . وقيل : من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهرته ، ومن عظم صغائر المصائب ابتلاه الله بكبارها ، ومن أطاع الهوى ضيع الحقوق ومن أطاع الواشي ضيع الصديق ، ومن ظن بك خيراً فصدق ظنه ومن بالغ في الخصومة أثم ومن لم يحذر الحيف لم يأمن السيف . وها أنا أذكر لك شيئاً من آداب القضاة . اعلم أيها الملك أنه لا ينفع حكم بحق إلا بعد التثبيت وينبغي للقاضي أن يجعل الناس في منزلة واحدة حتى لا يطمع شريف في الجور ولا ييأس ضعيف من العدل وينبغي أيضاً أن يجعل البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حرماً أو حرم حلالاً ، وما شككت فيه اليوم فراجع فيه عقلك وتبين به رشدك لترجع فيه إلى الحق فالحق فرع والرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل ، ثم اعرف الأمثال وافقه المقال وسو بين الأخصام في الوقوف وليكن نظرك على الحق موقوفاً وفوض أمرك إلى الله عز وجل واجعل البينة على من ادعى فإن حضرت بينته أخذت بحقه وإلا فحلف المدعى عليه وهذا حكم الله ، واقبل شهادة عدو المسلمين بعضهم على بعض ، فإن الله تعالى أمر الحكام أن تحكم بالظاهر وهو يتولى السرائر ، ولزاماً على القاضي أن يتوفى الألم والجوع وأن يقصد بقضائه بين الناس وجه الله تعالى فإن من خلصت نيته وأصلح ما بينه وبين نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس . وقال الزهري : ثلاث إذا كن في قاض : كان منعزلاً إذا أكرم اللئام وأحب المحامد وكره العزل . وقد عزل عمر بن عبد العزيز قاضياً فقال له : لم عزلتني ? فقال عمر : قد بلغني عنك أن مقالك أكبر من مقامك . حكي أن الإسكندر قال لقاضيه : إني وليتك منزلة واستودعتك فيها روحي وعرضي ومروءتي فاحفظ هذه المنزلة لنفسك وعقلك . وقال لطباخه : إنك مسلط على جسمي فارفق بنفسك فيه . وقال لكاتبه : إنك متصرف في عقلي فاحفظني فيما تكتبه عني . ثم تأخرت الجارية الأولى وتقدمت الثانية .


وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح . الليلة التاسعة والتسعين
قالت شهرزاد :
بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان : ثم تأخرت الجارية الأولى وتقدمت الثانية وقبلت الأرض بين يدي الملك والدك سبع مرات ثم قالت : قال لقمان لابنه : ثلاثة لا تعرف إلا في ثلاثة مواطن لا يعرف الحليم إلا عند الغضب ولا الشجاع إلا عند الحرب ولا أخوك إلا عند حاجتك إليه . وقيل : إن الظالم نادم وإن مدحه الناس والمظلوم سليم وإن ذمه الناس . وقال الله تعالى : ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم . وقال عليه الصلاة والسلام : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى . واعلم أيها الملك أن أعجب ما في الإنسان قلبه لأن به زمام أمره فإن هاج به الطمع أهلكه الحرص وإن ملكه الأسى قتله الأسف وإن عظم عنده الغضب اشتد به العطب وإن سعد بالرضى أمن من السخط وإن ناله الخوف شغله الحزن وإن أصابته مصيبة ضمنه الجزع وإن استفاد مالاً ربما اشتغل به عن ذكر ربه ، وإن أغصته فاقة أشغله الهم وإن أجهده الجذع أقعده الضعف ، فعلى كل حالة لا صلاح له إلا بذكر الله واشتغاله بما فيه تحصيل معاشه وصلاح معاده . وقيل لبعض العلماء : من أشر الناس حالاً ? قال : من غلبت شهوته مروءته وبعدت في المعالي همته فاتسعت معرفته وضاقت معذرته . وما أحسن ما قاله قيس : وإني لأغني الناس عن متكـلـف ........ يرى الناس ضلالاً وما هو مهتدي وما المال والأخلاق إلا مـعـارة ........ فكل بما يخفيه في الصدر مرتدي إذا ما أتيت الأمر من غير بـابـه ........ ضللت وإذ تدخل من الباب تهتدي ثم إن الجارية قالت : وأما أخبار الزهد فقد قال هشام بن بشر : قلت لعمر بن عبيد : ما حقيقة الزهد ? فقال لي : قد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : الزاهد من لم ينس القبر والبلا وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد عداً من أيامه وعد نفسه في الموتى . وقيل : إن أبا ذر كان يقول : الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلي من الصحة . فقال بعض السامعين : رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول : من أتكل على حسن الاختيار من الله تعالى رضي بالحالة التي اختارها الله له . وقال بعض الثقات : صل بنا ابن أبي أو في صلاة الصبح فقراً يا أيها المدثر حتى بلغ قوله تعالى فإذا نقر في الناقور فخر ميتاً . ويروى أن ثابتاً البناني بكى حتى كادت أن تذهب عيناه فجاؤوا برجل يعالجه قال : أعالجه بشرط أن يطاوعني . قال ثابت : في أي شيء ? قال الطبيب : في أن لا تبكي . قال ثابت : فما فضل عيني أن لم تبكيا . وقال رجل لمحمد بن عبد الله : أوصني .


وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح . الليلة المئة