قالت شهرزاد :
بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان : وقالت الجارية الثانية لوالدك المرحوم عمر النعمان : وقال رجل لمحمد بن عبد الله : أوصني . فقال : أوصيك أن تكون في الدنيا مالكاً زاهداً وفي الآخرة مملوكاً طامعاً . قال : وكيف ذلك ? قال : الزاهد في الدنيا يملك الدنيا والآخرة . وقال غوث بن عبد الله : كان إخوان في بني إسرائيل قال أحدهما للآخر : ما أخوف عمل عملته ? قال له : إني مررت ببيت فراخ فأخذت منها واحدة ورميتها في ذلك البيت ولكن بيت الفراخ التي أخذها منه فهذا أخوف عمل عملته . فما أخوف ما عملته أنت ? قال : أما أنا فأخوف عمل أعمله أني إذا قمت للصلاة أخاف أن أكون لا أعمل ذلك إلا للجزاء . وكان أبوهما يسمع كلامهما فقال : اللهم إن كانا صادقين فاقبضهما إليك . فقال بعض العقلاء : إن هذين من أفضل الأولاد . وقال سعيد بن صبر : صحبت ابن عبيد فقلت له : أوصني . فقال : احفظ عني هاتين الخصلتين : أن لا تشرك بالله شيئاً وأن لا تؤذي من خلق الله أحداً ، وأنشد هذين البيتين : كن كيف شئت فإن الله ذو كرم ........ وأنف الهموم فما في الأمر من بأس إلا اثنتين فما تـقربهـما ابـداً ........ الشرك بالله والإضرار بـالـنـاس وما أحسن قول الشاعر : إذا أنت لم يصحبك زاد من التقى ........ ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثلـه ........ وإنك لم ترصد كما كان أرصدا ثم تقدمت الجارية الثالثة بعد أن تأخرت الثانية وقالت : إن باب الزهد واسع جداً ولكن ذكر بعض ما يحضرني فيه عن السلف الصالح . قال بعض العارفين : أنا أستبشر بالموت ولا أتيقن فيه راحة فيراني علمت أن الموت يحول بين المرء وبين الأعمال فأرجو مضاعفة العمل الصالح وانقطاع العمل السيء ، وكان عطاء السلمي إذا فرغ من وصيته انتفض وارتعد وبكى بكاء شديداً فقيل له : لم ذلك ? فقال : إني أتريد أن أقبل على أمر عظيم وهو الانتصاب بين يدي الله تعالى للعمل بمقتضى الوصية . ولذلك كان علي زين العابدين بن الحسين يرتعد إذا قام للصلاة ، فسئل عن ذلك فقال : أتدرون لمن أقوم ولمن أخاطب ? وقيل كان بجانب سفيان الثوري رجل ضرير فإذا كان يوم القيامة آتي بأهل القرآن فيميزون بعلامة مزيد الكرامة عمن سواهم . وقال سفيان : لو أن النفس استقرت في القلب كما ينبغي لطار فرحاً وشوقاً إلى الجنة وحزناً وخوفاً من النار . وعن سفيان الثوري أنه قال : النظر إلى وجه الظالم خطيئة . ثم تأخرت الجارية الثالثة وتقدمت الجارية الرابعة وقالت : وها أنا أتكلم ببعض ما يحضرني من أخبار الصالحين : روي أن بشر الحافي قال : سمعت خالداً يقول : إياكم وسرائر الشرك . فقلت له : وما سرائر الشرك ? قال : أن يصلي أحدكم فيطيل ركوعه وسجوده حتى يلحقه الحدب . وقال بعض العارفين : فعل الحسنات يكفر السيئات . وقال بعض العارفين : التمست من بشر الحافي شيئاً من سرائر الحقائق فقال : يا بني هذا العلم لا ينبغي أن نعلمه كل أحد فمن كل مائة خمسة مثل زكاة الدرهم . قال إبراهيم بن أدهم : فاستحليت كلامه واستحسنته فبينما أنا أصلي وإذا ببشر يصلي ، فقمت وراءه أركع إلى أن يؤذن المؤذن فقام رجل رث الحالة وقال : يا قوم احذروا الصدق الضار ولا بأس بالكذب النافع وليس مع الاضطرار اختيار ولا ينفع الكلام عند العدم كما لا يضر السكوت عند وجود الوجود . وقال إبراهيم : رأيت بشر سقط منه دانق فقمت إليه وأعطيته درهماً فقال : لا آخذه . فقلت : إنه من خالص الحلال . فقال : أنا لست أستبدل نعم الدنيا بنعم الآخرة . ويروى أن أخت بشر الحافي قصدت أحمد بن حنبل .


وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح . الليلة الواحدة بعد المئة
قالت شهرزاد :
بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان : إن الجارية قالت لوالدك : إن أخت بشر الحافي قصدت أحمد بن حنبل فقالت له : يا إمام الدين إنا قوم نغزل بالليل ونشتغل بمعاشنا في النهار وربما تمر بنا مشاعل ولاة بغداد ونحن على السطح نغزل في ضوئها فهل يحرم علينا ذلك ? قال لها : من أنت ? قالت : أخت بشر الحافي . فقال : يا أهل بشر لا أزال أستنشق الورع من قلوبكم . وقال بعض العارفين : إذا أراد الله بعبد خيراً فتح عليه باب العمل . وكان ملك بن دينار إذا مر في السوق ورأى ما يشتهيه يقول : يا نفس اصبري فلا أوافقك على ما تريدين . وقال أيضاً : سلامة النفس في مخالفتها وبلاؤها في متابعتها . وقال منصور بن عمار : حججت حجة فقصدت مكة من طريق الكوفة وكانت ليلة مظلمة وإذا بصارخ يصرخ في جوف الليلة ويقول : إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك وما أنا جاهل بك ولكن خطيئة قضيتها علي في قديم أزلك فاغفر لي ما فرط مني فإني قد عصيتك بجهلي . فلما فرغ من دعائه تلا هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة . وسمعت سقطة لم أعرف لها حقيقة فمضيت ، فلما كان الغد مشينا إلى مدرجنا وإذا بجنازة خرجت وراءها عجوز ذهبت قوتها فسألتها عن الميت فقالت : هذه جنازة رجل كان مر بنا البارحة وولدي قائم يصلي فتلا آية من كتاب الله تعالى فانفطرت مرارة ذلك الرجل فوقع ميتاً . ثم تأخرت الجارية الرابعة وتقدمت الجارية الخامسة وقالت : ها أنا أذكر بعض ما يحضرني من أخبار السلف الصالح : كان مسلمة بن دينار يقول : عند تصحيح الضمائر نغفر الصغائر والكبائر ، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتاه الفتوح وقال : كل نعمة لا تقرب إلى الله فهي بلية وقليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة وكثيرها ينسيك قليلها . وسئل أبو حازم : من أيسر الناس ? فقال : رجل امضى عمره في طاعة الله . قال : فمن أحمق الناس ? قال : رجل باع آخرته بدنيا غيره . وروي أن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين قال : رب إني لما أنزلت لي من خير فقير . فسأل موسى ربه ولم يسأل الناس وجاءت الجاريتان فسقى لهما ولم تصدر الرعاء فلما رجعتا أخبرتا أباهما شعيباً فقال لهما : لعله جائع . ثم قال لإحداهن : ارجعي إليه وادعيه . فلما أتته غطت وجهها وقالت : إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا . فكره موسى ذلك وأراد أن لا يتبعها وكانت امرأة ذات عجز فكانت الريح تضرب ثوبها فيظهر لموسى عجزها فيغض بصره ثم قال : لهاك كوني خلفي . فمشت خلفه حتى دخل على شعيب والعشاء مهيأ .