تدمعان‏:‏ أبوح بحزن من فراقك موجع أقاسي به ليلاً يطيل تفكري ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري عليك سلام لا زيادة بيننا ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر قال عبيد الله بن معمر‏:‏ قد شئت ذلك فخذ جاريتك وبارك الله لك في المال‏.‏ فذهب بجاريته وماله فعاد غنياً‏.‏ فهؤلاء أجواد الإسلام المشهورون في الجود المنسوبون إليه وهم أحد عشر رجلاً كما ذكرنا وسمينا وبعدهم طبقة أخرى من الأجواد قد شهروا بالجود وعرفوا بالكرم وحمدت أفعالهم‏.‏ وسنذكر ما أمكننا ذكره منها إن شاء الله تعالى‏.‏ الطبقة الثانية من الأجواد الحكم بن حنطب قيل لنصيب بن رباح‏:‏ خرف شعرك أبا محجن قال‏:‏ لا ولكن خرف الكرم لقد رأيتني ومدحت بن حنطب فأعطاني ألف دينار ومائة ناقة وأربعمائة شاة‏.‏ وسأل أعرابي الحكم بن حنطب فأعطاه خمسمائة دينار فبكى الأعرابي فقال‏:‏ ما يبكيك يا أعرابي لعلك استقللت ما أعطيناك قال‏:‏ لا والله ولكني أبكي لما تأمل الأرض منك ثم أنشأ يقول‏:‏ وكأن آدم حين حان وفاته أوصاك وهو يجود بالحوباء ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم وكفيت آدم عيلة الأبناء العتبي قال‏:‏ أخبرني رجل من أهل منبج قال‏:‏ قدم علينا الحكم بن حنطب وهو مملق فأغنانا‏.‏ قال‏:‏ كيف أغناكم وهو مملق قال‏:‏ علمنا المكارم فعاد غنينا على فقيرنا‏.‏ معن بن زائدة وكان يقال فيه‏:‏ حدث عن البحر ولا حرج وحدث عن معن ولا حرج‏.‏ وأتاه رجل يسأله أن يحمله فقال‏:‏ يا غلام أعطه فرساً وبرذوناً وبغلاً وعيراً وبعيراً وجارية وقال‏:‏ لو عرفت مركوباً غير هؤلاء لأعطيتك‏.‏ العتبي قال‏:‏ لما قدم معن بن زائدة البصرة واجتمع إليه الناس أتاه مروان بن أبي حفصة أخذ بعضادتي الباب فأنشده شعره الذي قال فيه‏:‏ فما أحجم الأعداء عنك بقية عليك ولكن لم يروا فيك مطمعا له راحتان الحتف والجود فيهما أبى الله إلا أن يضر وينفعا يزيد بن المهلب وكان هشام بن حسان إذ ذكره قال‏:‏ والله إن كانت السفن لتجري في جوده‏.‏ وقيل ليزيد بن المهلب‏:‏ مالك لا تبني داراً قال‏:‏ منزلي دار الإمارة أو الحبس‏.‏ ولما أتى يزيد بن عبد الملك برأس يزيد بن المهلب نال منه بعض جلسائه فقال له‏:‏ مه‏!‏ إن يزيد بن المهلب طلب جسيماً وركب عظيماً ومات كريماً‏.‏ ودخل الفرزدق على يزيد بن المهلب في الحبس فأنشده‏:‏ صح في قيدك السماحة والجو د وفك العناة والإفضال وقال سليمان بن عبد الملك لموسى بن نصير‏:‏ اغرم ديتك خمسين مرة‏.‏ قال‏:‏ ليس عندي ما أغرم‏.‏ قال‏:‏ والله لتغر من ديتك مائة مرة‏.‏ قال يزيد بن المهلب‏:‏ أنا أغرمها عنه يا أمير المؤمنين‏.‏ قال‏:‏ اغرم فغرمها عنه مائة ألف‏.‏ العتبي قال‏:‏ أخبرني عوانة قال‏:‏ استعمل الوليد بن عبد الملك عثمان بن حيان المري على المدينة وأمره بالغلظة على أهل الظنة فلما استخلف سليمان أخذه بألفي ألف درهم‏.‏ فاجتمعت القيسية في ذلك فتحملوا شطرها وضاقوا ذرعاً بالشطر الثاني ووافق ذلك استعمال سليمان يزيد بن المهلب على العراق‏.‏ فقال عمر بن هبيرة‏:‏ عليكم بيزيد بن المهلب فما لها أحد غيره‏.‏ فتحملوا إلى يزيد وفيهم عمر بن هبيرة والقعقاع بن حبيب والهذيل بن زفر بن الحارث وانتهوا إلى رواق يزيد‏.‏ قال يحيى بن أقتل - وكان حاجباً ليزيد بن المهلب وكان رجلاً من الأزد -‏:‏ فاستأذنت لهم فخرج يزيد إلى الرواق فقرب ورحب ثم دعاء بالغداء فأتوا بطعام ما أنكروا منه أكثر مما عرفوا‏.‏ فلما تغدوا تكلم عثمان بن حيان وكان لساناً مفوهاً وقال‏:‏ زادك الله في توفيقك أيها الأمير إن الوليد بن عبد الملك وجهني إلى المدينة عاملاً عليها وأمرني بالغلظة على أهل الظنة وصخذ عليهم وإن سليمان أغرمني غرماً والله ما يسعه مالي ولا تحمله طاقتي فأتيناك لتحمل من هذا المال ما خف عليك وما بقي والله ثقيل علي‏.‏ ثم تكلم كل منهم بما حضره وقد اختصرنا كلامهم فقال يزيد بن المهلب‏:‏ مرحباً بكم وأهلاً إن خير المال ما قضيت فيه الحقوق وحملت به المغارم‏.‏ وإنما لي من المال ما فضل عن إخواني وأيم الله لو علمت أن أحداً أملأ بحاجتكم مني لهديتكم إليه فاحتكموا وأكثروا‏.‏ فقال عثمان بن حيان‏:‏ النصف أصلح الله الأمير‏.‏ قال‏:‏ نعم وكرامة اغدوا على مالكم فخذوه‏.‏ فشكروا له وقاموا فخرجوا‏.‏ فلما صاروا على باب السرادق قال عمر بن هبيرة‏:‏ قبح الله رأيكم والله ما يبالي يزيد أنصفها تحمل أم كلها فمن لكم بالنصف الباقي قال القوم‏:‏ هذا والله لرأي‏.‏ وسمع يزيد مناجاتهم فقال لحاجبه‏:‏ انظر يا يحيى إن كان بقي على القوم شيء فليرجعوا‏.‏ فرجعوا إليه‏.‏ وقالوا‏:‏ أقلنا‏.‏ قال‏:‏ قد فعلت‏.‏ قالوا‏:‏ فإن رأيت أن تحملها كلها فأنت أهلها وإن أبيت فما لها أحد غيرك‏.‏ قال‏:‏ قد فعلت‏.‏ وغدا يزيد بن المهلب إلى سليمان‏.‏ فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أتاني عثمان بن حيان وأصحابه قال‏:‏ أمسك في المال قال‏:‏ نعم‏.‏ قال سليمان‏:‏ والله لآخذنه منهم‏.‏