ووقاك مكروه الشصائب ما أحقنا إذا أتيناك بإسماعك ما لا يحنق صدرك ولا يزرع لنا حقداً في قلبك‏.‏ لم نقدم أيها الملك لمساماة ولم ننتسب لمعاداة ولكن لتعلم أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أنا في المنطق غير محجمين وفي البأس غير مقصرين إن جورينا فغير مسبوقين وإن سومينا فغير مغلوبين‏.‏ قال كسرى‏:‏ غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين وهو يعرض به في تركه الوفاء بضمانه السواد‏.‏ قال قيس‏:‏ أيها الملك ما كنت في ذلك إلا كواف غدر به أو كخافر أخفر بذمته‏.‏ قال كسرى‏:‏ ما يكون لضعيف ضمان ولا لذليل خفارة‏.‏ قال قيس‏:‏ أيها الملك ما أنا فيها خفر من ذمتي أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك وانتهك من حرمتك‏.‏ قال كسرى‏:‏ ذلك لأن من ائتمن الخانة واستنجد الأثمة ناله من الخطأ ما نالني وليس كل الناس سواء كيف رأيت حاجب بن زرارة لم يحكم قواه فيبرم ويعهد فيوفي ويعد فينجز قال‏:‏ وما أحقه بذلك وما رأيته إلا لي‏.‏ قال كسرى‏:‏ القوم بزل فأفضلها أشدها‏.‏ ثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال‏:‏ كثر فنون المنطق ولبس القول أعمى من حندس الظلماء وإنما الفخر في الفعال والعز في النجدة والسودد مطاوعة القدرة وما أعلمك بقدرنا وأبصرك بفضلنا وبالحري إن أدالت الأيام وثابت الأحلام أن تحدث لنا أموراً لها أعلام‏.‏ قال كسرى‏:‏ وما تلك الأعلام قال‏:‏ مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر على أمر يذكر‏.‏ قال كسرى‏:‏ وما الأمر الذي يذكر قال‏:‏ ما لي علم بأكثر مما خبرني به مخبر‏.‏ قال كسرى‏:‏ متى تكاهنت يا بن الطفيل قال‏:‏ لست بكاهن ولكني الرمح طاعن‏.‏ قال كسرى‏:‏ فإن أتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع قال ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي وما أذهب عيني عيث ولكن مطاوعة العبث‏.‏ ثم قام عمرو بن معد يكرب الزبيدي فقال‏:‏ إنما المرء بأصغريه‏:‏ قلبه ولسانه فبلاغ المنطق الصواب وملاك النجعة الارتياد وعفو الرأي خير من استكراه الفكرة وتوقف الخبرة خير من اعتساف الحيرة فاجتبذ طاعتنا بلفظك واكتظم بادرتنا بحلمك وألن لنا كنفك يسلس لك قيادنا فإنا أناس لم يوقس صفاتنا قراع مناقير من أراد لنا قضماً ولكن منعنا حمانا من كل من رام لنا هضماً‏.‏ ثم قام الحارث بن ظالم المري فقال‏:‏ إن من آفة المنطق الكذب ومن لؤم الأخلاق الملق وانقيادنا لك عن تصاف فما أنت لقبول ذلك منا بخليق ولا للاعتماد عليه بحقيق ولكن الوفاء بالعهود وإحكام ولث العقود والأمر بيننا وبينك معتدل ما لم يأت من قبلك ميل أو زلل‏.‏ قال كسرى‏:‏ من أنت قال‏:‏ الحارث بن ظالم قال‏:‏ إن في أسماء آبائك لدليلاً على قلة وفائك وأن تكون أولى بالغدر وأقرب من الوزر‏.‏ قال الحارث‏:‏ إن في الحق مغضبة والسرو التغافل ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع القدرة فلتشبه أفعالك مجلسك‏.‏ قال كسرى‏:‏ هذا فتى قوم‏.‏ ثم قال كسرى‏:‏ قد فهمت ما نطقت به خطباؤكم وتفنن فيه متكلموكم ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقف فيه أودكم ولم يحكم أمركم وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة فنطقتم بما استولى على ألسنتكم وغلب على طباعكم لم أجز لكم كثيراً مما تكلمتم به وإني لأكره أن أجبه وفودي أو أخنق صدورهم والذي أحب هو إصلاح مداركم وتألف شواذكم والإعذار إلى الله فيما بيني وبينكم وقد قبلت ما كان في منطقهم من صواب وصفحت عما كان فيه من خلل فانصرفوا إلى ملككم فأحسنوا موازرته والتزموا طاعته واردعوا سفهاءكم وأقيموا أودهم وأحسنوا أدبهم فإن في ذلك صلاح العامة‏.‏