قال‏:‏ هي لك‏.‏ وكان عبد الله بن عبَّاس بليغاً فقال فيه مُعاوية‏:‏ إذا قال لم يَتْرك مقالاً ولم يَقِفْ لعِيّ وِلم يَثْنِ اللسانَ على هُجْر يُصَرِّفُ بالقول اللسانَ إذا انتحَى ويَنظُر في أعْطافه نَظَر الصَّقر وتكلّم صَعْصَعَةُ بن صُوحان عند مُعاوية فَعَرِق فقال له مُعاوية‏:‏ بَهرك القولُ قال‏:‏ الجياد نَضَّاحة بالعَرَق‏.‏ وكتب ابن سَيَابة إلى عمرو بن بانة‏:‏ إنَّ الدهر قد كَلَحَ فَجَرح وطَمحَ فجَمح وأفسد ما صَلَح فإن لم تُعِنْ عليه فَضَح‏.‏ ومَدح رجل من طَيئ كلامَ رجل فقال‏:‏ هذا الكلامُ يُكْتَفي بأُولاه ويُشْتَفي بأًخْراه‏.‏ ووَصف أعرابيّ رجلاً فقال‏:‏ إنَّ رِفْدَك لَنجيح وإن خيرك لصَرِيح وإن مَنْعك لمُرِيح‏.‏ ودخل إياسُ بنُ معاويةَ الشامَ وهو غلام فقدِّم خصماً له إلى قاضٍ لعبد الملك ‏"‏ وكان خَصْمه شيخاً كبيراً ‏"‏‏.‏ فقال له القاضي‏:‏ أتقدِّم شيخاً كبيرأً فقَال له إياس‏:‏ الحقُّ أكبرُ منه قال له‏:‏ اسكت قال‏.‏ فمن يَنْطق بحُجَّتي قال‏:‏ ما أظنّك تقُول حقّاً حتى تقُوم قال‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله‏.‏ فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأَخبره بالخبر فقال‏:‏ اقض حاجتَه الساعة وأَخْرجه من الشام لا يُفْسِد عليّ الناسَ‏.‏ ومن الأسْجاع قولُ ابن القِرِّيّة وقد دُعي لكلام فاحتبَسٍ القولُ عليه فقال‏:‏ قد طال السَّمر وسَقَط القَمر واشتَدّ المَطر فما أنتظر‏.‏ فأجابه فتى من عبد القيس‏:‏ قد طال الأَرَق وسقَط الشَفق فَلْينطق من نَطَق‏.‏ قال أحمد بنُ يوسف الكاتب‏:‏ دخلتُ على المأمون وبيده كتابٌ لعمرو بن مَسْعدة وهو يُصَعِّد في ذُراه ويقوم مَرَّة ويَقْعد أخرى ففعل ذلك مراراً ثم التفت إليَّ فقال‏:‏ أَحْسَبك مُفكِّراً فيما رأيتَ قلتُ‏:‏ نعمٍ وَقَى الله عزّ وجلّ أميرَ المؤمنين المَكاره فقال‏:‏ ليس بَمكْروه ولكن قرأتُ كلاما نَظِير خَبرٍ خَبّرني به الرشيدُ سمعتُه يقول‏:‏ إنَّ البَلاغة لتَقاربٌ من المَعنى البَعيد وتَباعدٌ من حَشْو الكلام ودَلالة بالقَلِيل على الكثير‏.‏ فلم أتوَهّمٍ أنّ هذا الكلامَ يَسْتَتِبّ على هذه الصِّفة حتى قرأتُ هذا الكتابَ فكان استعطافاً على الجُنْد وهو‏:‏ كتابي إلى أمير المؤمنين أَيَّدَه الله ومَن قِبَلي من أجناده وقُوّاده في الطاعة والانقياد على أفضل ما تكون عليه طاعةُ جًنْد تأخّرت أرزاقُهم واختّلت أحوالُهم‏.‏ فأَمر بإعطائهم ثمانيةَ أشهر‏.‏ ووَقع جَعْفر البرمكيّ إلى كُتَّابه‏:‏ إن اْستطعتُم أن تكون كُتًبكم تَوْقيعات فافعلوا‏.‏ وأمره هارون الرشيد أن يَعْزل أخاه الفضلَ عن الخاتَم ويأخذَه إليه عَزْلاً لَطيفاً‏.‏ فكتب إليه‏:‏ قد رَأَى أميرُ المؤمنين أن يَنْقُل خاتَم خِلافته من يمينك إلى شِمالك فكَتب إليه الفضلُ‏:‏ ما انتقلتْ عني نِعمة صارت إليك ولا خَصَّتك دوني‏.‏ ووَقع جعفرٌ في رُقْعة رجل تنَصل إليه من ذَنب‏:‏ تقدمت لك طاعة وظَهرت منك نَصيحة كانت بينهما نَبْوة ولن تَغْلِب سيَئة حسَنَتين‏.‏ قال الفضْل بن يحيى لأبيه‏:‏ ما لنا نُسْدِي إلى الناس المَعروف فلا نرى من السُّرور في وُجوههم عند انصرافهم ببِرنا ما نراه في وُجوههم عند آنصرافِهم ببِرَ غيرنا فقال له يَحيى‏:‏ إن آمال الناس فينا أطولُ منها في غيرنا وإنما يُسَر الإنسانُ بما بَلِّغه أملَه‏.‏ قيل ليحيى‏:‏ ما الكرمُ قال‏:‏ مَلِك في زِيّ مِسكين قيل‏:‏ فما الفَرْعنة قال‏:‏ مِسكين في بَطْش عِفريت قيل‏:‏ فما الجودُ قال‏:‏ عَفْو بعد قُدرة‏.‏ أُتي المأمونُ برجل قد وَجَب عليه الحدُّ فقال وهو يُضرب‏:‏ قَتَلتني يا أميرَ المؤمنين قال‏:‏ الحقَّ قَتَلك قال‏:‏ ارحَمني قال‏:‏ لستُ أرْحمَ بك ممن أوجبَ عليك الحدَ‏.‏ وسأل المأمون عبد الله بن طاهر في شيء فأسرع يفي ذلك فقال له المأمون‏:‏ فإنّ الله عزّ وجلّ قد قَطع عُذْر العَجول بما مكَّنه من التثبُّت وأَوْجب الْحُجَّة على القَلِق بما بَصَّره من فضْل الأناة‏.‏ قال‏:‏ أتأذن لي يا أميرَ المؤمنين أن أكتُبه قال‏:‏ نعم فكَتبه‏.‏ قال إبراهيمُ بن المهديّ قال لي المأمونُ‏:‏ أنت الخليفة الأسْود قلت‏:‏ يا أميرَ المؤمنين أنت مَنَنت عليّ بالعَفو وقد قال عبدُ بني الْحَسْحاس‏:‏ أشعارُ عَبْد بنيِ الْحَسْحاس قُمْنَ له عند الفَخار مَقامَ الأصل والوَرقِ إن كنتُ عبداَ فنَفْسي حُرِّة كَرَماً أَو أَسْودَ الْجلْد إني أَبْيضُ الخُلُقِ فقال المأمون‏:‏ يا عمُّ خرّجك الهَزْل إلى الجد ثم أنشأ يقول‏:‏ ليس يُزْرِي السواد بالرَّجلِ الشَّهم ولا بَالفتى الأديب الأريبِ إن يكُن للسّواد مِنك نصِيبٌ فبَيَاض الأخلاق منك نَصيبي قال المأمون‏:‏ أسْتحسن من قول