عند الحَفيظة إن ذو لوثة لانا قومٌ إذا الشرُّ أبدَى ناجِذَيه لهم طارُوا إليه زَرافات وَوُحْدانا لا يَسألون أخاهم حين يَنْدُبهم في النَائبات على ما قال بُرْهانا لكنَّ قَوْمي وإن كانوا ذَوي عدَدٍ ليسُوا من الشر في شيء وإن هانا ‏"‏ يَجْزُون من ظُلْم أهل الظُّلم مَغْفِرَةَ ومِن إسَاءَةِ أهْل السُّوءِ إحْساناً ‏"‏ كأنّ رَبَّك لم يَخْلُقْ لخشيته سواهُم من جميع الناس إنسانا ‏"‏ فليت لي بهمُ قوماً إذا رَكِبوا شَنُّوا الإغارَة فُرْساناً ورُكْبانا ‏"‏ ولم يُرد بهذا أنه وَصَفهم بالحِلْم ولا بالخَشْية لله وإنما أراد به الذلَ والعَجز كما قال النَجاشي في رَهْط تَميم بن مُقْبِل‏:‏ قَبيلَتُه لا يَخْفِرون بِذِمَّة ولا يَظلمون الناسَ حبةَ خَرْدَل ولا يَرِدون الماءَ إلا عَشيةً إذا صَدَرَ الوُرَّادُ عن كلِّ مَنْهَل وكل من نَفع في شيء فقد ضَرّ في شيء‏.‏ وكذلك قول أشْجِع بن عمرو‏:‏ يَرْجو ويَخْشىَ حالَتَيْك الوَرَى كأنَكَ الجنَّة والنَارُ ومن قولنا في هذا المعنى‏:‏ من يَرْتجي غيرَك أو يَتَّقي وفي يَدَيْكَ الجودُ والباسُ ما عِشتَ عاشَ الناسُ في نِعْمة وإن تَمُتْ ماتَ بك النَاس وقال آخر‏:‏ وليس فَتَى الفِتْيانِ مَن راحَ واغْتَدَى لشُرْبِ صَبُوح أو لِشرْب غَبُوقِ ولَكِنْ فَتَى الفِتْيانِ مَن راح واغتَدَى لضرًّ عدوٍّ أو لِنَفْع صدِيق
باب في طلب الرغائب واحتمال المغارم

في كتاب للهِنْد‏:‏ مَن لمِ يَرْكَب الأهوالَ لَم يَنَل الرًغائبَ ومَن ترك الأمرَ الذي لعلّه أن يَنال منه حاجَتَه مخافة ما لعَلّه يُوِقَّاه فليسَ ببالغٍ جَسيماً وإنّ الرَّجل ذا المروءة ليكُون خاملَ الذِّكْر خافض المَنْزلة فَتَأْبى مُروءتهُ إلا أن يَسْتَعْلَى ويَرْتَفع كالشُعلة من النار التي يَصُونها صاحبُها وتأبيَ إلا اْرتفاعاً‏.‏ وذو الفَضْل لا يَخفي فَضله وإن أخفاه كالمِسْك الذي يُخْتم عليه ثم لا يمْنَع ذلك رِيحَه من التَذكّي والظُّهور‏.‏ ومن قَوْلنا في هذا المعنى‏:‏ ليسَ يَخفي فَضْلُ ذي الفض ل بزُورٍ وبإفْك والذي بَرز في الفَضل غني عن مُزَكِّي رُبما غُمِّ هِلالُ ال فِطْرفي لَيْلة شَكْ ثم جَلِّى وجهَه النُّو رُ فَجَلِّى كلَّ حَلْك إنَّ ظهر اليمِّ لاتَرْ كَبه من غير فُلْك ونظامَ الدُرّ لا تع قِده مِن غير سِلْك ليسَ يصفو الذهب الإبريزُ إلا بعد سَبْك هَذه جُمْلَة أَمْثا لٍ فمن شاء فَيَحْكى أبطلتْ كلِّ يَمانيًّ وشاميٍّ ومَكّي ليس ذا من صوْغ عَيْنيِّ ولا مِن نَسْج عَكِّي وقالوا‏:‏ لا يَنبغي للعاقل أن يكون إلا في إحدَى منزلتين‏:‏ إما في الغاية من طَلب الدنيا وإما في الغاية من تَرْكها‏.‏ ولا ينْبغي له أن يُرى إلا في مكانين‏:‏ إمَّا مع المًلوك مكَرماً وإمَّا مع العُبَّاد مُتبتَلا‏.‏ ولا يُعَد الغُرْم غُرْماً إذا ما ساق غنْماً ولا الغُنْمُ غُنْما إذا ما ساق غُرْما‏.‏ ونظر معاويةُ وقال حبيبٌ الطائيّ‏:‏ أَعاذِلَتي ما أخشنَ اللَّيْلَ مَرْكباً وأَخشن منه في المُلِمَّات راكِبُه ذَرِيني وأهوال الزَّمان أقاسِها فأهوالُه العُظْمى تَليها رغائبُه وقال كَعْبُ بنُ زًهير‏:‏ ولَيْسَ لمن لم يَرْكب الهوْلَ بُغْيةٌ وليس لِرَحْل حَطًه الله حامِلُ إذا أنتَ لم تُعْرِضْ عنِ الجهل والخَنَا أصبتَ حَليماً أو أصَابَكَ جاهل وقال الشًماخ‏:‏ فتٍى ليس بالراضي بأَدنىَ مَعِيشةٍ ولا في بُيوت الحَيِّ بالمُتَولِّج فَتى يملأ الشِّيزَى ويُرْوِي سِنَانَه ويَضْرِبُ في رأس الكَميِّ المدَجَّج وقال امروء القَيْس‏:‏ فَلو أن ما أَسْعَى لأدنىَ مَعيشةٍ كَفَاني ولم أطلبْ قليلٌ منَ المال ولكنَّما أسعَى لمَجْدٍ مُؤَثَّل وقد يُدْرِك المجدَ المُؤَثَّل أمثالي وقال آخر‏:‏ لولا شَماتةُ أعداء ذوي حَسَدٍ أو أن أنالَ بِنَفْعي مَن يُرَجِّينِي لكنْ مُنافسةُ الأكفاء تَحْمِلني على أمورٍ أَراها سوف تُرْديني وكيفَ لا كيفَ أنْ أرضىَ بمنزلة لا دِينَ عندي ولا دُنْيا تُواتيني وقال الحُطَيئة في هجائه الزِّبْرِ قان بن بَدْر‏:‏ دعَ المَكارِمَ لا تَرْحل لبُغْيتها واقعُدْ فإنَّكَ أنتَ الطَاعمُ الكاسي فاستعدَى عليه عمرَ بنَ الخطاب وأَسمعه الشعرَ فقال‏:‏ ما أَرى مما قال بأساً قال‏:‏ والله يا أميرَ المُؤمنين ما هُجِيت ببيت قطًّ أَشدً‏!‏ ‏"‏ عليَّ ‏"‏ منه‏.‏ فأرسل إلى حَسَّان فسأله‏:‏ هل هجاه فقال‏:‏ ما هجاه ولكنه سَلَح عليه‏.‏ وقد أخذ هذا المعنى من الحُطيئة بعضُ المُحْدَثين فقال‏:‏ إنِّي وجدتُ مِن المكارم حَسْبُكمٍ أنْ تَلْبسوا خَر الثِّياب وتشْبَعوا فإذا تُذوكرت المكارمُ مَرَّة في مَجلِس أنتم به فَتَقنّعوا وقالوا‏:‏ مَن لم يَرْكب الأهوال لم يٍنل الرَّغائبَ ومَن طلب العظائمَ خاطرَ بعَظيمته‏.‏ وقال يزيدُ بن عبد الملك لما أتي برأس يزيدَ بنِ المُهلّب فنال منه بعضُ جلسائه فقال‏:‏ إنّ يزيدَ ركِبَ عَظيماً وطَلب جَسيماً ومات كريماً‏.‏ وقال بعض الشعراء‏:‏ لا تَقْنعن ومَطْلَب لك مُمْكن فإذا تضايقت المطالبُ فاقْنع ومما جُبِلِ عليه الحُر الكريم أن لا يَقنع من شرف الدنيا والآخر بشيءٍ مما انبسط له أملاً فيما هو أسنىِ منه درجةً وأرفعُ منزلةً ولذلك قال عمرُ بن عبد العزيز لدًكين الرِاجز‏:‏ إنّ لي نفساَ تَوَّاقة فإذا بلغك أنِّي صِرْتُ إلى أشرف مِن منزلتي ‏"‏ هذه ‏"‏ فبعَينٍ ما أَرَينَّك - قال له ذلك وهو عامل ‏"‏ المدينة ‏"‏ لسليمان بن عبد الملك - فلما صارت إليَه الخلافةُ قَدِم عليه دُكَين فقال له‏:‏ أنا كما أعلمتُك أنّ لي نَفْساً تَوَاقة وأنّ نَفْسي تاقت إلى أشرف منازل الدُّنيا فلما بلغتها وجدتُها تَتوق إلى أشرف منازل الآخرة‏.‏ ومن الشاهد لهذا المعنى أنَّ موسى صلوات الله عليه - لما كلمه الله ‏"‏ عزَّ وجل ‏"‏ تكليماً - سأله النظرَ إليه إذ كان ذلك لو وصل إليه أشرفَ من المنزلة التي نالها فانبسط أملُه إلى ما لا سبيلَ إليه ليُستدلّ بذلك على أنّ الحرّ الكريم لا يَقْنع بمنزلةٍ إذا رأى ما هو أشرفُ منها‏.‏ ومن قولنا في هذا المعنى‏:‏ والحرُّ لا يَكْتفي من نَيْل مكْرُمةٍ حتى يَرومَ التي من دُونها العَطَبُ يَسْعَى به أملٌ من دونه أجلٌ إنْ كفَّه رَهَب يَسْتَدْعِه رَغَب لذاك ما