تركتَ النظرَ إلى الانتهاب والغَنيمة وأقبلت على هذا الجدار تنظر فيه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين قرأتُ في هذا الجدار كتابًا هو أحبُّ إليّ من هِرَقْلة وما فيها قال له الرَّشِيد‏:‏ ما هو قال‏:‏ بسم اللهّ المَلِكَ الحقِّ المُبين‏.‏ ابن آدم غافِص الفُرْصة عند إسكانها وكِل الأمور إلى وَليِّها ولا تَحْمِل على قلبك هَمَّ يوم لم يأتِ بعدُ إِنْ يَكُن من أجَلِكَ يأْتِك الله بِرزْقك فيه ولا تَجعَلْ سَعْيَك في طلب المال أسوة بالمَغْرُورين فرُبَّ جامع لِبَعْل حَليلته واعلم أنّ تَقْتير المرء على نَفْسه هو تَوْفيرٌ منه على غيره فالسعيدُ من اتعظ بهذه الكلمات ولم يُضَيِّعها‏.‏ قال له الرَّشيد‏:‏ أَعِدْ عليَّ يابَسِيل فأعادَها عليه حتى حَفِظها‏.‏ وقال الحسن‏:‏ ابن آدم أنتَ أسيرٌ في الدنيا رَضيتَ من لذّتها بما يَنْقضي ومن نَعِيمها بما يَمْضي ومن مُلْكها بما يَنْفد فلا تَجمْع الأوزار لِنَفْسك ولأهلك الأمْوال فإذا مِتّ حملتَ الأوزار إلى قَبْرك وتركتَ أموالَك لأهلك‏.‏ أخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال‏:‏ أبْقَيْتَ مالَك مِيراثاً لوارِثه فليتَ شِعْرِيَ ما أبقى لك المالُ القومُ بَعدك في حالٍ تَسرُّهم فكيفَ بَعدهم دارت بك الحال مَلُّوا البُكاء فما يَبْكيك من أحد واستَحْكَم القِيلُ في الميراث والقَال وفي الحديث المرفوع‏:‏ أشدّ الناس حَسْرَةً يوم القيامة رجلٌ كَسب مالاً من غير حِلِّه فدخلَ به النارَ وورَّثه مَن عَمِل فيه بطاعة اللهّ فَدَخل به الجنة‏.‏ وقيل لعبد الله بن عُمر‏:‏ تُوُفي زَيدُ بن حارثة وترك مائة ألف قال‏:‏ لكنّها لا تتركه‏.‏ ودَخل الحسن على عبد الله بن الأهتم يَعوده في مَرضه فرآه يُصَعِّد بصرَه في صُندوق في بَيْته ويُصَوَبه ثم التفت إلى الحسن فقال‏:‏ أبا سَعيد ما تقول في مائة ألف في هذا الصُّندوق لم أؤَدً منها زكاة ولم أصِل بها رحماً فقال له‏:‏ ثَكِلَتْك أمك‏!‏ ولمن كنت تجمعها قال‏:‏ لِرَوْعة الزمان وجَفْوة السلطان ومُكاثرة العشيرة‏.‏ ثم مات فشَهِد الحسنُ جِنازَته فلما فرَغ من دَفنه ضرَب بيده القَبْر ثم قال‏:‏ انظرُوا إلى هذا أتاه شيطانُه فحَذّره رَوْعة زمانه وجفوة سُلطانه ومُكاثرة عشيرته عما استودعه الله واستعمره فيه انظُروا إليه يَخْرُج منها مَذْمُوماً مَدْحُوراً‏.‏ ثم قال‏:‏ أيها الوارث لا تُخْدَعَن كما خدِعَ صُوَيْحبك بالأمس أتاك هذا المالُ حَلالاً فلا يكونُ عليك وَبالا أتاك عَفْوًا صَفْوًا ممن كان له جَمُوعا مَنوعا من باطلٍ جَمَعه ومن حقٍّ مَنَعه قطع فيه لُجَج البِحار ومَفاوِز القِفار لم تَكْدَح فيه بَيمين ولم يَعْرِق لك فيه جَبِين إن يوم القيامة يومُ حَسْرَة وندامة وإن منِ أعظم الحَسَرَات غداً أن تَرى مالَك في ميزان غيرك فيالها حسرةً لا تُقال وتوبةَ لا تُنال‏.‏ لما حَضَرَتْ هِشامَ بن عبد الملك الوفاةُ نَظر إلى أهله يَبْكون عليه فقال‏:‏ جاد لكم هشام بالدًّنيا وجُدْتم له بالبُكاء وترك لكم ما جَمع وتركْتُمْ له ما عَمل ما أعظمَ مُنْقَلب هشام إن لم يَغْفر الله له‏!‏ نقصان الخير وزيادة الشر عاصم بن حُميد عن مُعاذ بن جَبَل قال‏:‏ إنكم لن تَرَوْا من الدنيا إلا بلاءً وفِتْنة ولا يزيد الأمر إلا شِدة ولا الأئِمّة إلا غِلَظا وما يأتيكم أمرٌ يَهُولًكم إلا حقّرَه ما بعده‏.‏ قال الشاعر‏:‏ الخَيرُ والشرُّ مُزْداد وُمنتقصٌ فالخير منتقص والشرُّ مُزدادُ وما أُسَائلُ عن قَوْم عرَفْتُهُمُ ذَوِي فَضَائلَ إلا قيل قد بادوا العزلة عن الناس قال النبي ‏:‏ استأنسوا بالوُحدة عن جُلساء السَّوء‏.‏ وقال‏:‏ إنَّ الإسلام بدأ غريباً ولا تقوم الساعةُ حتى يعود غريباً كما بدأ‏.‏ وقال العتَّابي‏:‏ ما رأيتُ الراحةَ إلا مع الخَلْوَة ولا الأْنسَ إلا مع الوَحشة‏.‏ وقال النبي ‏:‏ خَيركم الأتْقياء الأصْفياء الذين إذا حضروا لم يُعْرَفوا وإذا غابُوا لم يُفْتقَدُوا‏.‏ وقال‏:‏ لا تَدَعوا حَظَّكم من العزلة فإنَّ العُزْلة لكم عبادة‏.‏ وقال لُقْمان لابنه‏:‏ استعذ بالله من شِرار الناس وكُن من خِيَارهم على حذَر‏.‏ وقال إبراهيم بن أدْهم‏:‏ فِر من الناس فِرَارَك من الأسد‏.‏ وقيل لإبراهيم بن أدهم‏:‏ ِ لمَ تَجْتنب ارضَ بالله صاحبَا