قال ابن سعد: قال أبو عبيدة: فحدثني أبو موسى الفضل بن موسى ابن خصيلة، قال: لما طرد زياد الفرزدق جاء إلى عمي عيسى بن خصيلة ليلًا فقال: يا أبا خصيلة، إن هذا الرجل قد أخافني، وإن صديقي وجميع من كنت أرجو قد لفظوني، وإني قد أتيتك لتغيبني عندك؛ قال: مرحبًا بك! فكان عنده ثلاث ليالٍ، ثم قال: إنه قد بدا لي أن ألحق بالشام، فقال: ما أحببت؛ إن أقمت معي ففي الرحب والسعة؛ وإن شخصت فهذه ناقة أرحبية أمتعك بها. قال: فركب بعد ليل، وبعث عيسى معه حتى جاوز البيوت، فأصبح وقد جاوز مسيرة ثلاث ليالٍ، فقال الفرزدق في ذلك:
حباني بها البهزي حملان من أبي ** من الناس والجاني تخاف جرائمه
ومن كان يا عيسى يونب ضيفه ** فضيفك محبورٌ هنيٌّ مطاعمه
وقال تعلم أنها أرحبيةٌ ** وأن لها الليل الذي أنت جاشمه
فأصبحت والملقى ورائي وحنبلٌ ** وما صدرت حتى علا النجم عاتمه
تزاور عن أهل الحفير كأنها ** ظليمٌ تبارى جنح ليلٍ نعائمه
رأت بين عينيها دوية وانجلى ** لها الصبح عن صعلٍ أسيلٍ مخاطمه
كأن شراعًا فيه مجرى زمامها ** بدجلة إلا خطمه وملاغمه
إذا أنت جاوزت الغريين فاسلمي ** وأعرض من فلجٍ ورائي مخارمه
وقال أيضًا:
تداركني أسباب عيسى من الردى ** ومن يك مولاه فليس بواحد
وهي قصيدة طويلة.
قال: وبلغ زيادًا أنه قد شخص، فأرسل علي بن زهدم، أحد بني نولة بن فقيم في طلبه.
قال أعين: فطلبه في بيت نصرانية يقال لها ابنة مرار، من بني قيس ابن ثعلبة تنزل قصيمة كاظمة؛ قال: فسلته من كسر بيتها، فلم يقدر عليه؛ فقال في ذلك الفرزدق:
أتيت ابنة المرار أهبلت تبتغي ** وما يبتغى تحت السوية أمثالي
ولكن بغائي لو أردت لقاءنا ** فضاء الصحارى لا ابتغاءٌ بأدغال
وقيل: إنها ربيعة بنت المرار بن سلامة العجلي أم أبي النجم الراجز.
قال أبو عبيدة: قال مسمع بن عبد الملك: فأتى الروحاء، فنزل في بكر بن وائل، فأمن، فقال يمدحهم:
وقد مثلت أين المسير فلم تجد ** لفورتها كالحي بكر بن وائل
أعف وأوفى ذمةً يعقدونها ** إذا وازنت شم الذرا بالكواهل
وهي قصيدة طويلة. ومدحهم بقصائد أخر غيرها.
قال: فكان الفرزدق إذا نزل زياد البصرة نزل الكوفة، وإذا نزل زيادٌ الكوفة نزل الفرزدق البصرة، وكان زياد ينزل البصرة ستة أشهر والكوفة ستة أشهر، فبلغ زيادًا ما صنع الفرزدق، فكتب إلى عامله على الكوفة عبد الرحمن ابن عبيد: إنما الفرزدق فحل الوحوش يرعى القفار، فإذا ورد عليه الناس ذعر ففارقهم إلى أرض أخرى فرتع؛ فاطلبه حتى تظفر به. قال الفرزدق: فطلبت أشد طلب، حتى جعل من كان يؤويني يخرجني من عنده، فضاقت علي الأرض، فبينا أنا ملفف رأسي في كسائي على ظهر الطريق، إذ مر بي الذي جاء في طلبي، فلما كان الليل أتيت بعض أخوالي من بني ضبة وعندهم عرس - ولم أكن طعمت قبل ذلك طعامًا، فقلت: آتيهم فأصيب من الطعام - قال: فبينا أنا قاعد إذ نظرت إلى هادي فرسٍ وصدر رمح قد جاوز باب الدار داخلًا إلينا، فقاموا إلى حائط قصب فرفعوه، فخرجت منه، وألقوا الحائط فعاد مكانه، ثم قالوا: ما رأيناه، وبحثوا ساعةً ثم خرجوا، فلما أصبحنا جاءوني فقالوا: اخرج إلى الحجاز عن جوار زياد لا يظفر بك، فلو ظفر بك البارحة أهلكتنا؛ وجمعوا ثمن راحلتين، وكلموا لي مقاعسًا أحد بني تيم الله ابن ثعلبة - وكان دليلًا يسافر للتجار - قال: فخرجنا إلى بانقيا حتى انتهينا إلى بعض القصور التي تنزل، فلم يفتح لنا الباب، فألقينا رحالنا إلى جنب الحائط والليلة مقمرة، فقلت: يا مقاعس، أرأيت إن بعث زياد بعد ما نصبح إلى العتيق رجالًا، أيقدرون علينا؟ قال: نعم، يرصدوننا - ولم يكونوا جاوزوا العتيق وهو خندق كان للعجم - قال: فقلت: ما تقول العرب؟ قال: يقولون: أمهله يومًا وليلة ثم خذه. فارتحل؛ فقال إني أخاف السباع، فقلت: السباع أهون من زياد، فارتحلنا لا نرى شيئًا إلا خلفناه، ولزمنا شخصٌ لا يفارقنا، فقلت: يا مقاعس، أترى هذا الشخص! لم نمرر بشيء إلا جاوزناه غيره، فإنه يسايرنا منذ الليلة. قال: هذا السبع، قال: فكأنه فهم كلامنا، فنقدم حتى ربض على متن الطريق، فلما رأينا ذلك نزلنا فشددنا أيدي ناقتينا بثنايين وأخذت قوسي. وقال مقاعس: يا ثعلب، أتدري ممن فررنا إليك؟ من زياد، فأحصب بذنبه حتى غشينا غباره وغشي ناقتينا، قال: فقلت: أرميه، فقال: لا تهجه، فإنه إذا أصبح ذهب؛ قال: فجعل يرعد ويبرق ويزئر، ومقاعس يتوعده حتى انشق الصبح، فلما رآه ولى، وأنشا الفرزدق يقول:
ما كنت أحسبني جبانًا بعد ما ** لاقيت ليلة جانب الأنهار
ليثًا كأن على يديه رحالةً ** شئن البراثن مؤجد الأظفار
لما سمعت له زمازم أجهشت ** نفسي إلي وقلت أين فراري!
وربطت جروتها وقلت لها اصبري ** وشددت في ضيق المقام إزاري
فلأنت أهون من زيادٍ جانبًا ** اذهب إليك مخرم الأسفار
قال ابن سعد: قال أبو عبيدة: فحدثني أعين بن لبطة، قال: حدثني أبي، عن شبث بن ربعي الرياحي، قال: فأنشدت زيادًا هذه الأبيات فكأنه رق له، وقال: لو أتاني لآمنته وأعطيته، فبلغ ذلك الفرزدق؛ فقال:
تذكر هذا القلب من شوقه ذكرا ** تذكر شوقًا ليس ناسيه عصرا
تذكر ظمياء التي ليس ناسيا ** وإن كان أدنى عهدها حججًا عشرا
وما مغزلٌ بالغور غور تهامةٍ ** ترعى أراكًا في منابته نضرا
من الأدم حواء المدامع ترعوي ** إلى رشإٍ طفلٍ تخال به فترا
أصابت بوادي الولولان حبالةً ** فما استمسكت حتى حسبن بها نفرا
بأحسن من ظمياء يوم تعرضت ** ولا مزنةٌ راحت غمامتها قصرا
وكم دونها من عاطفٍ في صريمة ** وأعداء قومٍ ينذرون دمي نذرا!
إذا أوعدوني عند ظمياء ساءها ** وعيدي وقالت لا تقولوا له هجرا
دعاني زيادٌ للعطاء ولم أكن ** لآتيه ما ساق ذو حسبٍ وفرا
وعند زيادٍ لو يريد عطاءهم ** رجالٌ كثيرٌ قد يرى بهم فقرا
قعودٌ لدى الأبواب طلاب حاجةٍ ** غوانٍ من الحاجات أو حاجةً بكرا
فلما خشيت أن يكون عطاؤه ** أداهم سودًا أو محدرجةً سمرا
نميت إلى حرفٍ أضر بنيها ** سرى الليل واستعراضها البلد القفرا
تنفس في بهوٍ من الجوف واسعٍ ** إذا مد حيزوما شراسيفها الضفرا
تراها إذا صام النهار كأنما ** تسامى فنيقًا أو تخالسه خطرا
تخوض إذا صاح الصدى بعد هجعةٍ ** من الليل ملتجًا غياطله خضرا
فإن أعرضت زوراء أو شمرت بها ** فلاةٌ ترى منها مخارمها غبرا
تعاودين عن صهب الحصى وكأنما ** طحن به من كل رضراضةٍ جمرا
وكم من عدوٍّ كاشحٍ قد تجاوزت ** مخافته حتى تكون لها جسرا