









قال يونس: وكان في بيت مال عبيد الله يوم خطب الناس قبل خروج سلمة ثمانية آلاف ألف أو أقل - وقال علي بن محمد: تسعة عشر ألف ألف - فقال للناس: إن هذا فيئكم، فخذوا أعطياتكم وأرزاق ذراريكم منه، وأمر الكتيبة بتحصيل الناس وتخريج الأسماء، واستعجل الكتاب في ذلك حتى وكل بهم من يحبسهم بالليل في الديوان، وأسرجوا بالشمع. قال: فلما صنعوا ما صنعوا وقعدوا عنه، وكان من خلاف سلمة عليه ما كان، كف عن ذلك، ونقلها حين هرب، فهي إلى اليوم تردد في آل زياد، فيكون فيهم العرس أو المأتم فلا يرى في قريش مثلهم، ولا في قريش أحسن منهم في الغضارة والكسوة. فدعا عبيد الله رؤساء خاصة السلطان، فأرادهم أن يقاتلوا معه، فقالوا: إن أمرنا قوادنا قاتلنا معك، فقال إخوة عبيد الله لعبيد الله: والله ما من خليفة فتقاتل عنه فإن هزمت فئت إليه وإن استمددته أمدك، وقد علمت أن الحرب دول، فلا ندري لعلها تدول عليك، وقد اتخذنا بين أظهر هؤلاء اقوم أموالًا، فإن ظفروا أهلكونا وأهلكوها، فلم تبق لك باقية. وقال له أخوه عبد الله لأبيه وأمه مرجانة: والله لئن قاتلت القوم لأعتمدن على ظبة السيف حتى يخرج من صلبي. فلما رأى ذلك عبيد الله أرسل إلى حارث بن قيس بن صهبان بن عون بن علاج بن مازن بن أسود بن جهضم بن جذيمة بن مالك بن فهم، فقال له: يا حار، إن أبي كان أوصاني إن احتجت إلى الهرب يومًا أن أختاركم، وإن نفسي تأبى غيركم، فقال الحارث: قد أبلوك في أبيك ما قد علمت، وأبلوه فلم يجدوا عنده ولا عندك مكافأةً، وما لك مردٌّ إذا اخترتنا، وما أدري كيف أتاني لك إن أخرجتك نهارًا! إني أخاف ألا أصل بك إلى قومي حتى تقتل وأقتل، ولكني أقيم معك حتى إذا وارى دمسٌ دمسًا وهدأت القدم، ردفت خلفي لئلا تعرف، ثم أخذتك على أخوالي بني ناجية، قال عبيد الله: نعم ما رأيت، فأقام حتى إذا قيل: أخوك أم الذئب؛ حمله خلفه، وقد نقل تلك الأموال فأحرزها، ثم انطلق به يمر به على الناس، وكانوا يتحارسونه مخافة الحرورية فيسأل عبيد الله أين نحن؟ فيخبره؛ فلما كانوا في بني سليم قال عبيد الله: أين نحن؟ قال: في بني سليم؛ قال: سلمنا إن شاء الله، فلما أتى بني ناجية قال: أين نحن؟ قال: في بني ناجية؛ قال: نجونا إن شاء الله؛ فقال بنو ناجية: من أنت؟ قال: الحارث بن قيس؛ قالوا: ابن أختكم؛ وعرف رجل منهم عبيد الله فقال: ابن مرجانة! فأرسل سهمًا فوقع في عمامته، ومضى به الحارث حتى ينزله دار نفسه في الجهاضم، ثم مضى إلى مسعود بن عمرو بن عدي بن محارب بن صنيم بن مليح بن شرطان بن معن بن مالك بن فهم، فقالت الأزد ومحمد بن أبي عيينة، فلما رآه مسعود قال: يا حار، قد كان يتعوذ من سوء طوارق الليل، فنعوذ بالله من شر ما طرقتنا به؛ قال الحارث: لم أطرقك إلا بخير، وقد علمت أن قومك قد أنجوا زيادًا فوفوا له، فصارت لهم مكرمة في العرب يفتخرون بها عليهم، وقد بايعتم عبيد الله بيعة الرضا؛ رضًا عن مشورة، وبيعةً أخرى قد كانت في أعناقكم قبل البيعة - يعني بيعة الجماعة - فقال له مسعود: يا حار، أترى لنا أن نعادي أهل مصرنا في عبيد الله، وقد أبلينا في أبيه ما أبلينا، ثم لم نكافأ عليه، ولم نشكر! ما كنت أحسب أن هذا من رأيك؛ قال الحارث: إنه لا يعاديك أحد على الوفاء ببيعتك حتى تبلغه مأمنه.
قال أبو جعفر: وأما عمر فحدثني قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، عن الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد الجهضمي، عن الحارث بن قيس، قال: عرض نفسه - يعني عبيد الله بن زياد - علي، فقال: أما والله إني لأعرف سوء رأي كان في قومك؛ قال: فوقفت له، فأردفته على بغلتي - وذلك ليلًا - فأخذت على بني سليم، فقال: من هؤلاء؟ قلت: بنو سليم؛ قال: سلمنا إن شاء الله؛ ثم مررنا ببني ناجية وهم جلوسٌ ومعهم السلاح - وكان الناس يتحارسون إذ ذاك في مجالسهم - فقالوا: من هذا؟ قلت: الحارث بن قيس، قالوا: امض راشدًا، فلما مضينا قال رجل منهم: هذا والله ابن مرجانة خلفه، فرماه بسهم، فوضعه في كور عمامته، فقال: يا أبا محمد، من هؤلاء؟ قال: الذين كنت تزعم أنهم من قريش، هؤلاء بنو ناجية؛ قال: نجونا إن شاء الله، ثم قال: يا حارث، إنك قد أحسنت وأجملت، فهل أنت صانع ما أشير عليك؟ قد علمت منزلة مسعود بن عمرو في قومه وشرفه وسنه وطاعة قومه له، فهل لك أن تذهب بي إليه فأكون في داره، فهي وسط الأزد، فإنك إن لم تفعل صدع عليك أمر قومك؛ قلت: نعم؛ فانطلقت به، فما شعر مسعودٌ بشيء حتى دخلنا عليه وهو جالسٌ ليلتئذٍ يوقد بقضيب على لبنةٍ، وهو يعالج خفية قد خلع أحدهما وبقي الآخر، فلما نظر في وجوهنا عرفنا وقال: إنه كان يتعوذ من طوارق السوء، فقلت له: أفتخرجه بعد ما دخل عليك بيتك! قال: فأمره فدخل بيت عبد الغافر بن مسعود - وامرأة عبد الغافر يومئذ خيرة بنت خفاف بن عمرو - قال: ثم ركب مسعود من ليلته ومعه الحارث وجماعة من قومه، فطافوا في الأزد ومجالسهم، فقالوا: إن ابن زياد قد فقد، وإنا لا نأمن أن تلطخوا به، فأصبحوا في السلاح، وفقد الناس ابن زياد فقالوا: أين توجه؟ فقالوا: ما هو إلا في الأزد.
قال وهب: فحدثنا أبو بكر بن الفضل، عن قبيصة بن مروان أنهم جعلوا يقولون: أين ترون توجه؟ فقالت عجوز من بني عقيل: أين ترونه توجه! اندحس والله في أجمة أبيه.
وكانت وفاة يزيد حين جاءت ابن زياد وفي بيوت مال البصرة ستة عشر ألف ألف، ففرق ابن زياد طائفةً منها في بني أبيه، وحمل الباقي معه، وقد كا دعا البخارية إلى القتال معه، ودعا بني زياد إلى ذلك فأبوا عليه.
حدثني عمر، قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا الأسود بن شيبان، عن عبد الله بن جرير المازني، قال: بعث إلي شقيق بن ثور فقال لي: إنه قد بلغني أن ابن منجوف هذا وابن مسمع يدلجان بالليل إلى دار مسعود ليردا ابن زياد إلى الدار ليصلوا بين هذين الغارين، فيهريقوا دماءكم، ويعزوا أنفسهم، ولقد هممت أن أبعث إلى ابن منجوف فأشده وثاقًا، وأخرجه عني؛ فاذهب إلى مسعود فاقرأ عليه السلام مني، وقل له: إن ابن منجوف وابن مسمع يفعلان كذا وكذا، فأخرج هذين الرجلين عنك. قال: وكان معه عبيد الله وعبد الله ابنا زياد. قال: فدخلت على مسعود وابنا زياد عنده: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فقلت: السلام عليك أبا قيس، قال: وعليك السلام؛ قلت: بعثني إليك شقيق بن ثور يقرأ عليك السلام ويقول لك: إنه بلغني، فرد الكلام بعينه إلى فأخرجهما عنك؛ قال مسعود: والله فعلت ذاك؛ فقال عبيد الله: كيف أبا ثور - ونسي كنيته، إنما كان يكنى أبا الفضل - فقال أخوه عبد الله: إنا والله لا نخرج عنكم، قد أجرتمونا، وعقدتم لنا ذمتكم، فلا نخرج حتى نقتل بين أظهركم، فيكون عارًا عليكم إلى يوم القيامة.
قال وهب: حدثنا الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد، أن أهل البصرة اجتمعوا فقلدوا أمرهم النعمان بن صهبان الراسبي ورجلًا من مضر ليختارا لهم رجلًا فيولوه عليهم، وقالوا: من رضيتما لنا فقد رضيناه. وقال غير أبي لبيد: الرجل المضري في بني أمية، ورأي النعمان في بني هاشم، فقال النعمان: ما أرى أحدًا أحق بهذا الأمر من فلان - لرجل من بني أمية - قال: وذلك رأيك؟ قال: نعم؛ قال: قد قلدتك أمري، ورضيت من رضيت. ثم خرجا إلى الناس، فقال المضري: قد رضيت من رضي النعمان، فمن سمي لكم فأنا به راضٍ؛ فقالوا للنعمان: ما تقول! فقال: ما أرى أحدًا غير عبد الله ابن الحارث - وهو ببة - فقال المضري: ما هذا الذي سميت لي؟ قال: بلى، لعمري إنه لهو، فرضي الناس بعبد الله وبايعوه.
قال أصحابنا: دعت مضر إلى العباس بن الأسود بن عوف الزهري، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، ودعت اليمن إلى عبد الله بن الحارث بن نوفل، فتراضى الناس أن حكموا قيس بن الهيثم والنعمان بن صهبان الراسبي لينظرا في أمر الرجلين، فاتفق رأيهما على أن يوليا المضري الهاشمي إلى أن يجتمع أمر الناس على إمام؛ فقيل في ذلك:
نزعنا وولينا وبكر بن وائلٍ ** تجر خصاها تبتغي من تحالف
فلما أمروا ببه على البصرة ولى شرطته هميان بن عدي السدوسي.
قال أبو جعفر: وأما أبو عبيدة فإنه - فيما حدثني محمد بن علي، عن أبي سعدان، عنه - قص من خبر مسعود وعبيد الله بن زياد وأخيه غير القصة التي قصتها وهب بن جرير، عمن روى عنهم خبرهم، قال: حدثني مسلمة ابن محارب بن سلم بن زياد وغيره من آل زياد، عمن أدرك ذلك منهم ومن مواليهم والقوم أعلم بحديثهم، أن الحارث بن قيس لم يكلم مسعودًا، ولكنه آمن عبيد الله، فحمل معه مائة ألف درهم، ثم أتى بها إلى أم بسطام امرأة مسعود، وهي بنت عمه، ومعه عبيد الله وعبد الله ابنا زياد، فاستأذن عليها، فأذنت له، فقال لها الحارث: قد أتيتك بأمر تسودين به نساءك وتتمين به شرف قومك، وتعجلين غنىً ودنيا لك خاصة، هذه مائة ألف درهم فاقبضيها، فهي لك، وضمي عبيد الله. قالت، إني أخاف ألا يرضي مسعود بذلك ولا يقبله؛ فقال الحارث: ألبسيه ثوبًا من أثوابي، وأدخليه بيتك، وخلي بيننا وبين مسعود؛ فقبضت المال، وفعلت، فلما جاء مسعود أخبرته، فأخذ براسها، فخرج عبيد الله والحارث من حجلتها عليه، فقال عبيد الله: قد أجارتني ابنة عمك عليك، وهذا ثوبك علي، وطعامك في بطني، وقد التف علي بيتك؛ وشهد له على ذلك الحارث، وتلطفا له حتى رضي.
قال أبو عبيدة: وأعطى عبيد الله الحارث نحوًا من خمسين ألفًا، فلم يزل عبيد الله في بيت مسعود حتى قتل مسعود؛ قال أبو عبيدة: فحدثني يزيد بن سمير الجرمي، عن سوار بن عبد الله بن سعيد الجرمي؛ قال: فلما هرب عبيد الله غبر أهل البصرة بغير أمير، فاختلفوا فيمن يؤمرون عليهم، ثم تراضوا برجلين يختاران لهم خيرة، فيرضون بها إذا اجتمعا عليها، فتراضوا بقيس بن الهيثم السلمي، وبنعمان بن سفيان الراسبي - راسب بن جرم ابن ربان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة - أن يختاروا من يرضيان لهم، فذكرا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب - وأمه هند بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية - وكان يلقب ببة، وهو جد سليمان ابن عبد الله بن الحارث، وذكرا عبد الله بن الأسود الزهري. فلما أطبقا عليهما اتعدا المربد، وواعدا الناس أن تجتمع آراؤهم على أحد هذين.
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)