








أجبت مبتسماً:
- طبعاً لم أخطئ.. وإن كنت أحب العودة معك إلى جادةالخطأ!
راحت تتأملني لبرهة, كما لتحاول فك إشارة كنت أبعثها إليها بين الكلمات, ثم قالت بعصبية أنثوية:
- ما زلت تتعمد أن تقول لي أشياء لا تفهم!
قلتضاحكاً:
- أبداً.. كنت أعني أنني عشت عمراً على خطأ.. صوابي الوحيد أنني تعثرتبك.
اكتفيت بأن أوصل إليها نصف ما أقصد. النصف الآخر ستكتشفه لاحقاً.
قالتمتوسلة:
- أرجوك.. لا ترهقني بجهد إضافي.. لا قوة لي على البحث بين الكلمات. يكفيني ما قمت به من جهد حتى لا تغير أمّا أو ناصر رأيهما ويصطحباني معهما إلى ذلكالعشاء.
عندما حضر النادل ليسألها ماذا تريد, اعتذرت وقالت إنها تفضّل أن تغادرالمقهى.
أكانت على عجل كي نختلي؟ أم كانت على قلق متوجّسة شيئاً قد أفاجئهابه؟
دفعت ثمن قهوتي وغادرنا المقهى.
بدت لي مندهشة, متباطئة الخطى وهيتراني أسلك طريقاً كنها تعرفه.
سألتها إن كان ثمة ما يزعجها:
- نسيت كيف أسيربأمان في شارع ليس إلاّ. اعتدت على مدن شكاكة, تنتظرك خارج بيتك بعيون فضولية, وأخرى متربصة, وأخرى عدائية. توقعك في قبضة الخوف.
كنا نسلك منعطف الشارع المؤديإلى البيت عندما فاجأنا المطر. سألتها إن كانت تحمل مظلة:
- لا.. نسيتها لفرطعجلتي.
- وأنا نسيتها لفرط فرحتي.. لكن لا يهم نحن لسنا بعيدين عنالبيت.
واصلت التحرش بها وأنا أراها تسبقني بخطوات:
- هل أنت على عجل؟
ردتبشيء من العصبية وهي تغطي شعرها بحقيبة يدها:
- أنا على بلل..
اكتفيت بإسراعالخطى نحو تلك البناية وأنا أفكر في فصاحتها المواربة.
وقفت جواري باندهاش صامتوهي تراني أضغط على الأرقام السرية التي تفتح باب البناية. وهذه المرة أيضاً لمأسألها ما الذي يدهشها, تغابيت وهي تسألني:
- أتسكن هنا؟
أجبت مازحاً:
- دوماً كنت أقيم في شوارع جانبية لجادة حبك.
أحسست أن المفاجأة سمرتها عند الباب. سحبتها من يدها قائلاً:
- تعالي.. لا تبقي هكذا على ناصية الأسئلة.
لكنهاسألتني بنبرة من كان يمشي نائماً.. ثم استفاق:
- إلى أين نحن ذاهبان؟
- تدرينما يقول مقطع من " بحيرة البجع", " تعال على رؤوس الأصابع, واضعاً يداً على فمك كيلا تبوح بسر المكان الذي أقودك إليه, كي تستأثر وحدك بالجواهر المرصعة علىاسمك".
ردت متذمرة:
- أهو وقت بحيرة البجع؟ أطرح عليك سؤالاً فتجيبنيشعراً!
أجبتها ونحن ندخل المصعد:
- حضورك يورطني دائماً في الأشياءالجميلة.
عندما انغلق المصعد علينا, لم تكن مشغولة بلحظة خلوتنا الأولى. كاننظرها يتسمر على لوحة الأزرار التي تحمل أرقام الطوابق.
ربما بدأت تتأكد لحظتهانحو أي طابق كنت آخذها. ولكنها واصلت النظر إلى اللوحة, كأنها تراهن على احتمالوجود خطإٍ في اللحظة الأخيرة.
قلت كما دون قصد, متمادياً في التغابي المزعج وأناأضغط على زر المفاجأة:
- الحب له دائماً حضور متعالٍ, إنه يقيم في الدورالسابع.
لم تعلق بكلمة, ولا أنا نظرت في عينيها بحثاً عن آثار صدمة ارتطامهابالحقيقة.
عندما فتحت الباب, شعرت وأنا أنير البيت أن نظرتها تتفقد المكانكما لتطمئن على سلامة الأشياء.
كانت اللعبة مشابهة للوحة يتنكر رسامها لملهمه, وعندما تكون انتبهت إلى تصديقه, تقودك خطى القدر يوماً إلى مكمن سره, ولا يمكنكآنذاك مقاومة الرغبة في وضعه أمام كذبته. وهذا البيت الخارج من كتابها, والمطابقلكل تفاصيل وصفها له, يليق بمواجهة كهذه. كنت أحب تلك اللحظة التي أفحم فيها امرأةبحجة لا تتوقعها, ثم أتفرج على عريها أمام الحقيقة.
قررت أن أمضي في لعبةالتغابي إلى أقصاها. ما دام لم يبد عليها أي رد فعل صارخ.
- هل أعجبكالبيت؟
ردت وهي تختار كلماتها بعناية:
- فيه دفء جميل.
أضفت وأنا أتنبهلثيابها المبللة:
- كان عليك أن تحملي مظلة.. أو أن ترتدي معطف فرو ليومكهذا.
- تعمدت ارتداء هذا الجاكيت خوف أن يتسبب لي معطف فاخر بمشاكل في الميترو. يقال إن الاعتداءات وعمليات النشل كثرت هذه الأيام.
قلت وأنا أضع أول قبلة علىشفتيها:
- ومن قال إنك هنا في مأمن؟ لا أكثر سطواً من عاشق انتظرسنتين!
بقبلة ابتلعت زينة شفتيها, تاركا؟ً لها ابتلاع أكاذيبها, وهي تقول:
- اشتقتك.. كم انتظرت هذا اليوم.
في الوقع, كانت لا تزال تحت وقع إرباك المكان, ولا تجرؤ على سؤالي كيف وصلت إلى هذا البيت, ولا ماذا أفعل هنا.
فرحت أتأململامحها بعد مباغتة القبلة الأولى التي يتغير بعدها وجه الآخر, لأنه لا يعود كماكان من قبل.
قلت متحاشياً إرباك الموقف:
- أنت تصغرين مع كل قبلة.. بعضقُبَلٍ أخرى وتصبحين على مشارف العشرين.
ردت وهي تتجه نحو الصالون:
- ومنأدراك أنني أحب ذلك العمر.. اليوم لي عمر شفتيك.
قلت بسخرية لا تخلو من تهكممر:
- وغداً؟
أجابت وقد باغتها السؤال:
- غداً؟ لا أدري.. ليست الآخرة منهواجسي.
قلت مازحاً:
- سأعطيك إذن من القبل ما يجعلك تبلغين سن الجحيمبسرعة.
كنت أتعمد ممازحتها تخفيفاً لحرج اللحظات الأولى. في الواقع ما كانتلي رغبة سوى تأملها.
جلست على الأريكة قبالة الموقد, أنظر إليها, وهي تتنقل فيالصالون متأملة تمثال فينوس واللوحات المعلقة على الجدران, دون أن تعلِّقبشيء.
لم أقاطع خلوتها الأولى بالذاكرة. كنت سعيدا بتأملها.
كانت مبللة كقطة. شيء منها كان يذكرني بـ " أولغا" جارتي البولونية, وهي تنشف شعرها في روب حمامهاالأبيض. خشيت عليها أن تمرض.
- بإمكانك أن تجففي شعرك في الحمام.
ابتسمتابتسامة غائبة:
وقبل أن تتوجه نحو الحمام تذكرت شيئاً فأردفت قائلاً:
- إنشئت أن تغيري ثيابك.. لدي فستان لك, بإمكانك ارتداؤه.
ردت بلؤم نسائي:
- أهوفستان لصاحبة البيت؟
قد تكون رأت صوراً لفرانسواز وأخرى لأمها على طاولة ركن فيالصالون.
أجبت متجاهلاً استفزازها:
- لا .. بل اشتريته لك.
تركتها واقفةوسط الصالون, وعدت بعد حين حاملاً ذلك الفستان الأسود في كيسه الفاخر. قلت وأناأناولها إياه:
- أتمنى أن يعجبك.. وأن يكون مقاسك.
قالت وهي تأخذهمندهشة:
- متى اشتريته؟
أجبت مازحاً:
- لن تصدقي لو قلت لك إنني اشتريتهمنذ أكثر من شهرين, حتى قبل أن أتوقع لقاءك.
راحت تفرده بإعجاب واضح:
- جميل .. جميل حقاً.. كيف فكرت أن تشتريه لي, لقد خربت حتماً ميزانيتك.
- لا تهتمي, إنه استثمار عاطفي جيد.
- لو لم أحضر إلى باريس ولا التقينا ماذا كنت ستفعل بهيا مهبول.. أكنت ستهديه لزوجتك؟
- قطعاً لا, اشتريته لأرشو به القدر إنه ثوبالحب.. وسعيد أن تكوني أنت من ترتديه لا أخرى.
ردت بغيرة نسائية واضحة:
- وهلثمة أخرى؟
- لا.. إنما أنت من علمتني أننا نفصِّل كل حب من قماش حب آخر.
لمتعلّق. ذهبت صوب المرآة ووضعته على جسدها لترى إن كان يناسبها.
طمأنتهاقائلاً:
█║S│█│Y║▌║R│║█









- الأسود يليق بك.
قالت وهي تهم بإعادته إلى الكيس:
- هو أجمل منأن أرتديه في البيت.. إنه فستان سهرة.
- ونحن في سهرة.. وفي باريس. أين سأراكفيه إن لم يكن هنا؟
بدت مقتنعة.
اقترحت عليها أن تذهب إلى الغرفة المجاورةوترتديه.
تأملت للحظة وجهي المنعكس أمامها في المرآة. ثم بدون أن تقول شيئاً, أخذته ومضت صوب الغرفة التي كان واضحاً أنها تعرف الطريق إليها!
أكنت أريد أنأختبر معرفتها بالبيت.. أم أختبر صبري عليها, وأقاصص نفسي بانتظارها وهي تتعرىلذاكرتها في تلك الغرفة.
كان بإمكاني عن لهفة, أن ألحق بها, أو أن أقترح عنعادةارتداءه أمامي في الصالون. لكنني لم أفعل, إنقاذاً لجمالية اللحظة.
رغم استعجالالجسد وجوعه, كنت أسعد بمتعة تأجيل متعتي, كفاكهة تدري أنها لك, ولكنك تؤجلقضمها.
حاولت أن أستعين على انتظارها بالبحث عن شريط يليق بالمناسبة. كانت تلكالأغنية ما زالت داخل جهاز الكاسيت.
اكتفيت بإعادتها إلى البداية.. والضغط علىالزر.
باسم الله نبدى كلامي.........قسمطينة هي غرامي
نتفكرك فيمنامي......... إنتي والوالدين الله
جلست رفقة قسنطينة أنتظرها, أو هكذاظننت, حتى أطلت كبجعة سوداء.. كأنها في كل ما ترتديه ما ارتدت سوى ملاءتها. وإذابها قسنطينة.
وقفت قبالتي, وكنت أتأمل غرابة فتنتها التي لا منطق لها.
لمتكن الأجمل. قطعاً ما كانت الأجمل, ولكنها كانت الأشهى. كانت الأبهى. وهذا أمر لاتفسير له, كغرابة صوتها الذي يحدث اضطراباً كونياً بكلمة.
سألتني بلهجةقسنطينية, وهي تدور في ذلك الثوب نصف استدارة على إيقاع الموسيقى:
- تشتيه؟
" هل أحبه"؟ يا للسؤال! أجبتها وقد استيقظ فيّ كل ذلك الشوق:
- نشتيكإنتي!
دوماً أحببت الطريقة التي تتحرك بها, طريقتها في الالتفات, في التوقف, فيالانحناء, في انسياب الشال على شعرها, في رفع طرف ثوبها بيد واحدة وكأنها تمسكبتلابيب سرها. طريقتها في الذهاب.. طريقتها في الإياب.
في ذلك الزمن الذيكانت تزورني فيه متنكرة في عباءة أمها, خوفاً من أعين الفضوليين ونوايا الإرهابيينالمتربصين بالنساء, أذكر قولي لها أنني أحبها في تلك العباية السوداء أجابت يومها: " عليك أن تحب الثوب الذي ترتديه ليحبك, وإلا سيبادلك اللامبالاة والنفور, فتبدوفيه قبيحاً. بعض الناس لا يقيمون علاقة حب مع ما يرتدون, ولذا هم يبدون غير جميلينحتى في أناقتهم, والبعض تراهم على بساطة زيهم متألقين, لأنهم يرتدون بذلة يحبونهاولا يملكون سواها".
أتراها أحبت هذا الثوب حتى لتبدو فاتنة فيه إلى هذاالحد؟
أم هي أحبت فتنة هذا الموقف وغرابة لقائنا معاً في بيت يعيدها عشر سنواتإلى متاهتها العاطفية الأولى.
كانت كلمات الأغنية امتداداً لخساراتنا, ممزوجة بحسرات الاشتياق إلى قسنطينة. وكانت الموسيقى بإيقاع دفوفها تبث في الجوذبذبات الخوف من رغبات تولّد مشاعر عنيفة, تبدو معها الرغبة في الرقص عبوراً إلىحزن آخر.
لأن وجودك في " محمية عاطفية" خارج خارطة الخوف العربي يمنحك كلالصلاحيات في اختبار جنونك.. قلت لها::
- حياة.. اشطحي لي.
فاجأها طلبي, وفاجأني حياؤها. ردت بخجل نساء قسنطينة في زمن مضى:
- ما نقدرش.. عمري ما شطحتقدام راجل.
أجبتها بما يضاهي حياء أنوثتها من رجولة:
- أنا مانيش راجل.. أناراجلك.. وهاذا الزين إذا موش ليَّ لِمنُو؟
تراني لفظت كلمة السر التي انتظرهاجسدها طويلاً. فلا أظن أحداً قبلي سألها " لمن جمالك.. إن لم يكن لي أنا"؟
بحشمةقسنطينة عندما ترقص لأول مرة في حضرة رجل, راح جسدها يتهادى. لم تكن تتلوَّى , لمتكن تتمايل, ولا كان في حركتها من غنج. كانت إثارتها في إغرائها الموارب, في تلكالأنوثة التي تحت صخب الموسلين ترقص وكأنها تبكي. على أغنية محملة بذلك الكم منالشجن.
كان في الجو براعم جنون لشهوات مؤجلة أزهرت أخيراً خارج بساتين الخوف, لكن في بيت متورط في حزننا أكثر من أن نفرح فيه.
بدا لي كأنما لاستحالةفرحنا, كنا نمارس الحب رقصاً, بنشوة الحزن المتعالي.
وقبلها لم أكن خبرت الرقصالذي يضرم الحزن. صامتاً كنت, جالساً قبالتها, طرباً لفرط حزني, حزيناً لفرط طربي, منتشياً بها لفرط جوعي إليها. دمائي تصهل تجاهها دوماً, لتنتهي كرماً يعتصر تحت وقعقدميها.
أحببت فصاحة قدميها المخضبتين بدم الرجال. في كل رغبة شيء من العنفالمستتر.
ألهذا خفت كعبها, أم لأنه لا يليق بقسنطينة الرقص بكعب عال؟
قلت: " اخلعي نعلك يا سيدتي.. في الرقص كما في العبادة لا نحتاج إلى حذاء". فقد تنبهت إلىوقوف فينوس منتصبة تواصل انتعال ابتسامتها الأبدية.
أن تكون آلهة لم يعفهامن الذهاب حافية إلى لويس الثامن عشر. فيوم جيء بها إليه, ليستقبلها رسمياً بمايليق بمقام آلهة للجمال, وجد من بين متملقيه من أوصله الاجتهاد إلى المطالبة بأنتتواضع وتأتيه حافية لتؤدي له طقوس الطاعة, كما في الأساطير القديمة.
ولأن قدمهااليسرى كانت مغطاة بقطعة قماش متدلية من وسط جسدها, يقال إن خبراء الترميم في متحفاللوفر قاموا بتبديل قدمها اليمنى بقدم بدون خف.
من يومها تزداد " فينوس" تهكماً. ما استطاعوا أن يجعلوا تمثالها ينحني ولا يديها المبتورتين تصفقان لحاكم أوملك.
وهي تود لو أنها رقصت الآن كأنثى على هذه الموسيقى. غير أن الرقص القسنطينيلا يرقص بفوطة تلف حول ردفين لجسد نصف عار, لهيبة نسائه في حضورهن الخرافي, يكادرقص القسنطينيات يضاهي طقوس العبادة.
إنه يا إلهة الجمال شيء أجمل من أن يتعرى. أروع من أن يوصف.
احزني قليلاً إذن يا سيدتي الحجرية, " نحن لا نستطيع الرقصمع إنسان سعيد" والبسي ثوباً من المخمل المطرز بخيوط الذهب, أثقل من أن ترتديهوحدك, أجمل من ألا يراك فيه أحد. ضعي حول خصرك حزاماً قضت أمك عمراً في جمع صكوكهالذهبية, كي تلبسيه ليلة عرسك. مرري في قدميك المخضبتين بالحناء خلخالاً تسمع رنتهحين تمشين, ولا يرى منه سوى واحد حين تجلسين, وتعالي على هودج الشهوات المتهاديلتتعلمي الرقص القسنطيني.
انحنت حياة تخلع حذاءها, وتواصل الرقص حافيةالشهوات, على إيقاع خلخال أوهامي.
لفرط انخطافي بها, لم أنتبه لحظتها لإمكانإزعاج الجيران. لكن عندما راح الهاتف يرن بعد ذلك بإلحاح في غرفة النوم, توقعت أنيكون أحدهم اتصل احتجاجاً على صوت الموسيقى.
عملاً بتعليمات فرانسواز, فضلت ألاأجيب, مكتفياً بالنظر إلى الساعة.
كانت التاسعة والربع بعد الشجن. أظننا تجاوزناالوقت الحضاري المباح لضجيج السهر.
كان الشريط على مشارف نهايته. توجهت نحوالمسجل أخفِّض صوت الموسيقى.
سألتني وهي تجلس قبالتي على الأريكة:
- ألا تردعلى الهاتف؟
- لا.
قالت بمكر الأنوثة:
- ربما أحد يصر على محادثتك.. الإلحاح الهاتفي صفة أنثوية.
قلت متجاهلاً تلميحها:
- المحب كالمتعبد.. لايقطع صلاته ليرد على الهاتف!
- ولا يقطع عبادته أيضاً لينظر إلى الساعة.. إلاإذا كان مثلاً ينتظر هاتفاً.
ضحكت لمنطق غيرتها. أجبتها وأنا أفك الساعة منمعصمي, وأضعها على طاولة قريبة:
- بل لا هاجس للمتعبد إلا الساعة, لأنه كالعاشقيخاف أن تفاجئه ساعته. هاجس الموت يواجهنا أمام كل حب, لأن الزمن هاجس عشقي, برغمأن العشاق, كما الموتى, لا يحتاجون إلى ساعة لكونهم بدخولهم إلى الحب يخرجون منالزمن المتعارف عليه!
واصلت مازحاً:
- خلعت ساعتي.. أتحداك ألا تنظري بعدالآن إلى ساعتك!
ردت ضاحكة:
- عليك اللعنة.. تهزمني دائماً بدونجهد.
صححتها وأنا أضمها إلي:
- بل بجهد غبائك العاطفي!
رحت أقبلها طويلاً. قبلة تأخرت كثيراً حتى لكأن عليها أن تغطي نفقات عامين من الانتظار. فوحدها اقبلبإمكانها أن تعيد إليك عمراً أفلت منك, برغم حملك أثناءه.. ساعة في معصمك!
شعرتبرغبة في أن أسألها: هل قبَّلها أحد قبلي على هذه الأريكة نفسها؟
غير أنني كنتأعرف الجواب, فاستبدلته بآخر أكثر إلحاحاً. قلت وأنا أعابث شعرها:
█║S│█│Y║▌║R│║█









- حياة.. هلقبَّلك رجل بعدي؟؟
فاجأها السؤال. ردت عليه بضحكة ماكرة, ضحكة ماطرة تجاهلترذاذها. قلت موضحاً:
- لا أريد نصاً روائياً.. لا يعنيني أن أعرف من يكون ولاكيف أو متى حدث هذا.. أريد أن أعرف فقط هل حدث؟
هي عادة لا تصدق إلا عندمايكون في صدقها إيلامك, ولمرة تمنيت لو أنها كذبت.
كنت أنتظر منها جواباً لكنهالم تملك سوى كلمات كضمادات لاصقة, توضع على عجل لوقف نزيف.
قالت إذ وجدت في سؤالآخر براءة لذمتها:
- قلت مرة إن " الذكاء هو تقاسم الأسئلة" دعني أتذاكى وأسألكبدوري, ما علاقتك بهذه المرأة التي تغطي صورها كل مكان في هذا البيت الذي تستقبلنيفيه؟
ضحكت لسؤالها. فالذكاء ما كان بالنسبة إليها تقاسم الأسئلة بل قلبها. وأناجئت بها إلى هنا كي أرغمها على الاعتراف بحقيقة وجود خالد.. ها هي تقلب الأدوار, وتبدأ باستنطاقي عن فرانسواز.
قررت أن أتراشق معها بجمر الغيرة, خاصة أ، فيالأمر جانباً طريفاً آخر. فهي لا تتوقع حتى الآن أن أكون التقيت بخالد, أو أننيأعرف شيئاً عنه, لاعتقادها أنه ترك هذا البيت منذ سنوات. لكنها حتماً تعرفت علىفرانسواز من صورها المرسومة على اللوحات. ولا تفهم كيف هذه المرأة استطاعت أن تسرقمنها الرجلين الأهم في حياتها.
- صديقة أقيم عندها منذ أشهر.
ثم واصلتمستدركاً بلؤم:
- تلقفتني " الحفر النسائية" بعدك. لكن في كل امرأة مررت بهاتعثرت بك!
ردت بضحكة تخفي لهيب الغيرة:
- لا داع لسؤالك إذن ماذا فعلت فيغيبتي. لكثرة ما تعثرت بي في كل حفرة, أتوقع أن تكون قضيت الوقت أرضاً, هل استمتعتبذلك؟
كانت أنثى لا تختلف عن الأجهزة البوليسية, تحتاج إلى تقارير ترفعها إليهافي كل لقاء عن كل أنثى مارست الحب معها قبلها. وككل المخابرات كانت تجد متعتها فيالتدقيق بالتفاصيل.
تمادياً في إيلامها, تجاهلت فضولها. فهي تدري أن قصة لا تبوحبتفاصيلها هي قصة عشقية, ووحدها المغامرات العابرة تغذِّي آذان الأسرّة التي لاذاكرة لها.
ربما لهذا هي لم تبح يوماً بحبها لخالد ولا لزياد. فهل كان حبها أكبروأجمل من أن يحكى خارج كتاب؟
أثناء تأملي ولعها بي, كلما ازدادت يقيناً بخياناتيلها, وقعت على مفارقة عجيبة, وأنا اكتشف أن وفاء رجل لامرأة واحدة, يجعله الأشهى فيعيون بقية النساء اللائي يصبح هدفهن الإيقاع به, بينما خيانته إياها تجعله شهياًلديها!
تذكرت خالد الذي قد يكون مثلي خسرها في الماضي لفرط إخلاصه لها, ثم أصبحجديراً بغيرتها مذ تلقفته فرانسواز, تماماً كما أصبح فناناً جديراً بالاهتمام فيالجزائر, مذ غادرها, لتتلقفه هنا صالات العرض الباريسية!
وهكذا الذين يقولونإننا نحتاج إلى الأكاذيب الصغيرة لإنقاذ الحقيقة.. ربما عليهم أن يضيفوا حاجتنا إلىشيء من الخيانة, لإنقاذ الوفاء, سواء لوطن.. أو لامرأة.
حاولت أن أستدرجهاللحديث عن خالد, مستفيداً من جلوسنا عند العشاء متقابلين للوحة عليها جسر:
- دوماً كانت الجسور ثالثنا.. أتحبين هذه اللوحة؟
أجابت وقد فاجأها سؤالي:
- ماعدت أحب الجسور. مذ اغتيل سائقي " عمي أحمد" بسببي ونحن على الجسر, كرهت الجسور, خاصة أن لي جدَّا انتحر بإلقاء نفسه من جسر سيدي راشد, وهذه الحادثة التي لم تكنتعنيني أصبحت تحضرني بين الحين والآخر. البارحة مثلاً فكرت وأنا أعبر جوار برجإيفيل أننا لم نسمع بأحد انتحر بإلقاء نفسه من برج, فالمنتحر لا يبحث عن المكانالأعلى للانتحار بقدر ما يعنيه زخم الحياة. هو يختار الجسر لأنه يريد أن يشهدنا علىموته, ينتهز فرصة ذلك الزخم الحياتي لكي يقضي على الحياة, عساها تنتحر بانتحاره, لأنه برغم كل شيء لا يصدق أنها ستستمر بعده.
كانت تبدو أجمل, عندما تتحدث فيأشياء جادة. رحت أستدرجها لحوار ظننته سيكون كذلك:
- إن كنت تكرهين الجسور , لماذا تشغل كل رواياتك؟ اشرحي لي هذا اللغز الذي لم أفهمه!
عادت إلى مراوغتهاالساخرة وردت:
- ثمة مقولة جميلة لبروست :" أن تشرح تفاصيل رواية كأن تنسى السعرعلى هدية". مثله لا أملك شروحاً لأي شيء كتبته.
علَّقت مازحاً:
- طبعاً.. أفهم تماماً أن تكوني امرأة ملتزمة بـ " إيتيكيت" الهدية!
ثم واصلت- وبالمناسبة, سؤالي كان بسبب لوحة زيان اشتريتها تمثل جسراً, وكنت أنوي أن أهديكإياها.
قاطعتني:
- أرجوك لا تفعل. قد لا أعلقها أبداً في بيتي.
أجبتها وقدوجدتني أتحدث مثل فرانسواز:
- كنت سأهديك إياها لتعلِّقيها على قلبك.. لا علىجدران بيتك.
قالت:
- ما عاد في حوائط قلبي مكان لأعلِّق عليه شيئاً.
كانتمحاولتي الأخيرة لاستدراجها للحديث عنه. انتابتني بعدها حالة كآبة.
أكنت حقاًأحبها؟ أم أحب وجعي في حضرتها؟ امرأة لا أريدها ولا أريد أن أشفى منها, كان في طفرةألمي بها شيء مطهر يرفعني إلى قامة الأنبياء.
قالت وقد لاحظت حزني:
- لا تحزنهكذا.. يكفيني هذا الفستان هدية منك. احتفظ أنت باللوحة ما دامت تعجبك. اعذرني, أصبحت أتشاءم من الجسور.
أشعلت سيجارة وقلت وأنا أتأملها وهي تقطع شريحةاللحمة:
- أما زلت تبحثين عن آباء لرواياتك؟
ردت ضاحكة:
- ما زلت..
- روايتك التالية سأكون أباها .. وأمها.. وجد أمها.. وستكتبينها " بلا أمّك"!
كانلنا قاموس من الغزل الجزائري لا غنى لنا فيه عن المسبّات. ضحكت وهي تستعيد مفرداتشراستنا العشقية وقالت وهي تقّبلني:
- نشتيك يلعن بوزينك.. ويلعن بو الروايةمتاعك..
كنت أفكر لحظتها أن بعد كل متعة كان الحب يحصي عدد الأطفال الذين لمأستولدها إياهم. ولكن بعد كل حرمان جسدي كان الأدب يفرك كفّيه مستبشراً بعمل روائي. ولا بد لهذه المرأة المقصَّرة في الكتابة على الانكتاب, أن تنجب بحرمانها اليوم منينصها الأجمل. قررت ألا يخرج قلمها سالماً من هذا البيت, بيته.
بعد العشاء عندماوضعت على الطاولة سلة الفواكه وصحن الفراولة التي كنت أحضرتها لعلمي بحبها لها, قلتمازحاً:
- احذري الفراولة.. برغم كونها عزلاء فقد تشعل حرباً عالمية. قرأت أنإحدى الرسائل المشفرة التي كانت توجهها إذاعة المقاومة الفرنسية التي كان يشرفعليها ديغول في لندن أثناء الاحتلال الألماني, كانت تحمل مساء 5 حزيران 1944 هذهالرسالة المشفرة:" أرسين يحب المربى بالفراولة" وكان ذلك إعلاناً بإنزال الحلفاءجيوشهم على الشواطئ الفرنسية!
قالت متعجبة:
- حقاً..؟
قلت مازحاً:
- لاتخافي.. خطورتها ليست في قوتها.. إنما في حمرة غوايتها. وربما لهذا يصعب على الناظرإليها مقاومتها. على غير بقية الفواكه هي غير مكترثة بأن تحمي نفسها بقشرة, أوتلتحف بغلاف. إنها فاكهة سافرة ولذا هي سريعة العطب.
كانت عيناها تتبعان يدي وهيتمرغ حبة الفراولة في صحن السكر.
قلت وأنا ألقمها إياها بذلك البطءالمتعمد:
- لا أدري من ألصق للتفاح شبهة الخطيئة. الخطيئة لا تقضم, بل تلقم, والمتعة ليست سوى في كمية المواربة بين الفعلين.
في الحبة الثانية, كنت توقفت عنالكلام, كي أعلمها فضائل الصمت في حضرة الفراولة.
تركت لثغرها أمر مواصلةالتفكير في متعة لا يمكن لها أن تدوم, حتى لا نجد أنفسنا يوماً مثل زوربا نتقيأهالنشفى منها. فالإفراط في الملذات.. تراجيديا إغريقية.
تراها أدركت أنني كنتأعدها لمتعة مع وقف التنفيذ, وأنني ألقمها فاكهة الفراق!
لم أتوقع أن يجرؤالحب على التخلي عنا هنا حيث قادنا, ولكن, أكان يمكن أن يحدث شيئاً بيننا في ذلكالبيت المزدحم بأشباح عشاق, لم يكن لهم الوقت الكافي لتغيير شراشفهم وجمعأشيائهم.
ما كانت هي ولا كنت أنا. تحدثنا لغة ليست لغتنا. قلنا كلاماً غبياًلفرط تذاكينا. كنا نتكلم ثم نصمت فجأة, كي لا نقول أكثر من نصف الحقيقة, محتفظينلألمنا بنصفها الآخر.
طوال السهرة , كنا نعاند تعب الأسئلة, نغالب نعاس الأجوبة. أما كان يحق لصبرنا من سرير تتمدد عليه رغباتنا المؤجلة؟
امرأة كانت رائحتها, قميص نومها ضمن لوازم نومك. وأنت الآن تستطيع النوم معها, ولا أنت تدري ماذا ستفعلبعدها.
وكنت في تاريخ بعيد لحبكما, تستبقيها لحظة الفراق قائلاً " لا تغادري.. كل أعضائي تشعر باليتم عندما تغيبي" وها أنت يتيم في حضرتها. يبكيها كل شيء فيك ولاترى.
وكنت تقول لها, وأنت تغدق عليها بتلك اللذة الشاهقة " سأفسدك إمتاعاً حتىلا تصلحي لرجل غيري" وكنت تظن عندما افترقتما أنك ما عدت تصلح لامرأة بعدها. وهاأنت تكتشف أنك لم تعد تصلح حتى لها. فهل استدرجتها إلى هنا لاستخراج شهادة الموتالسريري لحب
█║S│█│Y║▌║R│║█









كان حياً بغيابكما؟
تمددت جواري في ذاك السرير, أنثى منزوعةالفتيل. ضممتها إلى صدري طفلة وديعة, تلوذ بي, كذلك الزمن الذي كانت تسألني فيهفزعة " هل ستعيش معي؟" , فأطمئنها ورأسي يتململ بحثاً عن المكان الأدفأ في صدرها " سأعشش فيك", فتلح بذعر العشاق " حقاً لن نفترق؟" فأجيب بسذاجتهم " حتماً لنننشطر".
انتابني خوف مفاجئ بفقدانها, وأنا أكرر صمتاً الحركة ذاتها بحثاً عنمكان لرأسي في صدرها. ويصطدم وجهي بموسلين ثوبها الأسود الذي لم تخلعه. شعرت أنالموت سيسرق أحدنا من الآخر وأننا قد لا نلتقي أبداً.
عاودني ما قاله ناصر. ماذالو دبَّر لها زوجها ميتة " نظيفة", أو ماذا لو اغتالها الإرهابيون مثلاً.
لم يكنهاجسي احتمال موتي أنا, إنما قصاص العيش بعدها.
كانت فكرة موتها الحقيقية, امتحاناً فاضحاً لعشقي إياها. فأنت لا يمكن أن تدرك مدى حبك لشخص, إن لم تتمثل محنةالغياب, وتتأمل ردود فعلك, وأحاسيسك الأولى أمام جثمانه.
يوم رحت أختبر وقعموتها الحقيقي عليّ, كدت أموت حقاً. تسارعت نبضات قلبي, وفاجأتني حالة اختناق وضيقفي التنفس ظننتها ستودي بي. طلبت رقمها, ثم قطعت الخط لأتأكد من أنها على قيدالحياة. كنا في قطيعة طويلة, غير أني عندما استعدت أنفاسي حقدت عليها. كان يمكنللموت أن يختلسني في غفلة منها وتواصل بعدي تبذير كلمات ضنّت بها عليّ في حياتي.. لتشيّد بها صرح ضريحي في رواية.
كنّا متمددين بثيابنا في غرفة فرانسواز, تحيطبنا صورها المرسومة على اللوحات.
سألتني بنبرة ما قبل البكاء وهي تلتصق بي:
- أما عدت تحبني.. أم أنت تفكر بها؟
لم أجب.
في مثل هذه الحالات لا تصل الكلماتحية, وحدها التي لا نقولها تنجو من الرصاص الطائش للبوح.
ضممتها إلى صدري. وقلتوأنا أقبلها:
- نامي حبيبتي.. تصبحين على كتاب!
***
استيقظنا صباحاً على فاجعة الضوء.
كما في تحميضالصورة: الضوء أول فاجعة.
قالت مذعورة:
- كم الساعة؟
قلت وأناأمازحها:
- لا أدري.. بأمر منك قررت ألا أنظر إلى الساعة!
نظرت إلى ساعة قربطاولة النوم وصاحت:
- يا إلهي ! إنها الثامنة والربع.
نهضت من السرير نحوالحمام تصلح من هيئتها.
هكذا فجأة نفذ الوقت.
يوم ماكر يتربص بسعادة تتثاءبلم تغسل وجهها بعد. سرير غير مرتب لليلة حب لم تكن. عبور خاطف لرائحتها على مخدعامرأة أخرى.
قالت وهي تعيد ذلك الفستان الأسود إلى كيسه بعد أن ارتدتثيابها:
- أبإمكانك أن تطلب لي تاكسي؟
- ابقي لتناول قهوة الصباح معي.. ثمامضي.
- لا أستطيع.. أفضّل أن أعود الآن هذا أأمن.
أحزنني ذلك كثيراً. فكمانتظرت صباحاً أبدأه معها.
قلت وأنا أرافقها لانتظار التاكسي:
- ما جدوى كلاختراعات الإنسان إن لم يخترع آلة لإيقاف الزمن بعد.. كم تمنيت أن نتناول فطورالصباح يوماً معاً.
علَّقت بنبرة تشي بمرارة خيبتها:
- وما جدوى أن يخترعالإنسان آلة لإيقاف الزمن, إن كان سينفق ما كسب من وقت لمجرد تناول الفطوروالعشاء!
أحببت ذكاء تلميحها, تلقيته بابتسامة صامتة. كانت على حق.
كنتلحظتها أضع يدي في جيب سترتي لشدة البرد الصباحي, حين عثرت على حبات الشوكولاطةالتي أعطاني إياها زيان عندما زرته في المستشفى.
راودتني فكرة ماكرة أسعدتني. كنت ما أزال أفكر في الطريقة المثلى لتنفيذها, عندما لمحت سيارة الأجرة في آخرالشارع تتجه نحونا, فلم يبق أمامي إلا أن أقبِّلها مودّعاً, وأمد لهابحبتين منهاقائلاً:
إنها شوكولاطة أهداني إياها صديق زرته في المستشفى, تناوليها حتى لاتبقي على خواء.
ظلت لبرهة تتأمل قطعتي الشوكولاطة. حتماً تعرَّفت عليها منماركتها المميزة, لكنها لم تقل شيئاً.
ركبت التاكسي وهي تحت وقع المفاجأة, بدونأن تفهم ما الذي أوصلني حتى غرفة زيان في المستشفى, وما الذي أوصل إلى جيبي تلكالشوكولاطة التي أحضرتها له.
شعرت, وأنا عائد إلى البيت, بفرحة من فاز في اللحظةالأخيرة في جولة شطرنج شاقة. لكن فرحتي لم تخل من مرارة موجعة ترافق وعينا بموت شيءجميل فينا.
***
لا تحزن. هي ما جاءت لتبقى, بل لتشعرك بفداحة رحيلها.
ماذا تستطيع أنتفعل ضد امرأة , تذهب إلى الحب بعدّة ساحر, تبتكر من أجلك فنوناً خداعية, تمارسأمامك قلب الأشياء, إخفاء بعضها, استحضار أخرى, وتحويل كل ما هو حولك إلى وهم كبير. تضعك في صندوق زجاجي, وتشطرك في استعراض سحري إلى اثنين, واحد هو أنت, والآخر نسخةمن رجل آخر. ثم تعيد إلصاق جزءيك في كتاب.
ساحرة, لا تدري أخرجت من بين يديهاثريَّا أم فقيراً؟ سعيداً أم تعيساً؟ أتراك أنت أم غيرك؟ أخرجت من قبعة خدعتهاحمامة بيضاء.. أرنباً مذعوراً.. أم مناديل ملوَّنة للدموع؟
خطر لي وأنا أضعساعتي من جديد, أن الحب ساحر يبدأ استعراضه بخديعة تجريد ضحاياه من ساعاتهمالمعصمية.
هل فقط عندما تتلاشى أباطيل السحر, وخدع الحواة, يمكننا النظر إلىالساعة؟
إنها التاسعة والنصف صباح أحد.
قهوة مرّة سوداء أتناولها وحدي فيمأتم الحب لمواجهة بياض الوقت, الذي لا أدري كيف أنفقه في يوم ممطر كهذا.
وضعتشيئاً من الموسيقى, ثم رحت أخفي آثار ما لم يحدث في بيت غادرت زائرته, صافقة بابالحلم خلفها.
بدأت بتفقد غرفة النوم. دوماً كنت أكره الأسرّة التي لا رائحة لها, والنساء المهووسات بنشل غسيلهن على حبل التشاوف. لكن هذه المرة كان علي أن أحتاط منوشاية الأنوثة. ففرانسواز ستعود غداً . لكأنها غابت فقط كي تترك لي ما يكفي منالوقت لنصب سرداق عزائي.
عندما نراجع حياتنا نجد أن أجمل ما حدث لنا كانمصادفة, وأن الخيبات الكبرى تأتي دوماً على سجاد فاخر فرشناه لاستقبالالسعادة.
قررت عن أسىً ألا أخطط لشيء بعد الآن, عدا الاستعداد لمغادرة هذا البيتقبل خروج زيان يوم الأربعاء من المستشفى. فعليَّ أيضاً ألا أترك ما يشي بمروري. وقبل أن أنسى, ذهبت لإخفاء أشرطة الأغاني القسنطينية, خشية أن أتركها في جهازالتسجيل, فيستنتج أنني أقمت هنا.
أثناء تفكيري في كل التفاصيل, تذكرت أنني لمأزره منذ يومين, وأنه قال لي وهو يمدني بقطع الشوكولاطة تلك, إنه كان يفضل لو جاؤوهمكانها بشيء من "الزلابية" أو " قلب اللوز" , مازحته:
- رمضان ما زالبعيداً.
- لكن المريض يشبه الصائم. إنه يقضي وقته في اشتهاء المأكولات, خاصة تلكالمرتبطة بذاكرة طفولية أو عاطفة.
وجدت في فكرة الذهاب إلى أحد الأحياءالمغاربية التي لا تعترف بالعطل الفرنسية لأشتري له شيئاً من الحلويات الجزائرية, قبل أن أعوده في المستشفى, أفضل ما يمكن أن أفعل في يوم أحد, خاصة أن شعوري بالذنبكان يتزايد تجاهه.
ألهذا رحت أجول في السوق العربيّ, بحثاً عن كل ما يمكن أنيحمل من الجزائر في كيس؟
اشتريت علبة صغيرة من التمر, ورغيفاً من الكسرة له, وآخر لي, بعد أن قال لي البائع إن سيدة تعد هذه الأرغفة كل يوم وإنها تنفذبسرعة.
عجبت لذلك العالم الذي كنت أجهله عن جزائر أخرى نقلت بكامل منتوجاتهاوعاداتها إلى حي احتلته الوجوه السمر. وتذكرت قولاً ساخراً لمراد " عدا أمك وأبيك.. تجد في هذا البلد كل شيء".
توقفت بعد ذلك في مطعم شعبي يدّعي تقديم " كسكيملكي". أقنعت نفسي لجوعي أنه كذلك. كنت في الواقع أريد أيضاً هدر بعض الوقت حتىتحين ساعة الزيارات.
وصلت إلى المستشفى عند الساعة الثانية, كان في المستشفىحركة غير عادية, بسبب الزيارات التي تتزايد أيام العطل.
سعدت لمجيئي حتى لا يشعرزيان بوحشة أكبر هذا اليوم بالذات. سعدت أيضاً لـ" حمولتي الوطنية", كانت هذه أولمرة أحضر له أكلاً بدل الصحافة التي لا تزيده إلا همَّا.
█║S│█│Y║▌║R│║█
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 3 (0 من الأعضاء و 3 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)