








بعدها أصبحت أخافصمته الطويل، وانقطاع رسائله. فقد كان يحمل لي احتمال إشعار بشيء آخر.
هذهالمرة، كان يريد أن يخبرني أنه قد يحضر إلى باريس في بداية أيلول. وأنه ينتظرجواباً سريعاً مني ليتأكد من وجودي في باريس في هذه الفترة.
فاجأتنيرسالته.. وأسعدتني وأدهشتني.
ذهب تفكيري إليك وقلت "طويل عمر هذا الرجل.. ماكدت أذكره معكِ حتى حضر". ثم تساءلت تراك قرأت أشعاره؟ وهل أعجبتك؟ وماذا سيكون ردفعلك إذا قلت لك إنه سيحضر إلى باريس، أنت التي خفت أن يكون قد مات، وأبديتاهتماماَ بقصته؟
كان الصيف ينسحب تدريجياً. وكنت أستعيد توازني تدريجياًكذلك.
لقد أنقذتني تلك اللوحات من الانهيار. كان لا بد أن أرسمها لأخرج منتلك المطبات الجنونية التي وضعت عليها قدميّ معك.
كنت قدفقدت كثيراً منوزني. ولكن لم يكن ذلك يعنيني. أو ربما لم أكن وقتها لأنتبه له، بعدما أصبحت أنظرإلى اللوحات، وأنسى أن أنظر إلى نفسي في مرآة.
كنت أعتقد أن الذي خسرته منوزن في أيام، هو الذي ربحته من مجد إلى الأبد. ولذا كان يحلو لي أن أتأمل نزيفيوجنوني معلّقاً أمامي: إحدى عشرة لوحة لم تعد تكفيها جدران البيت.
وربما جاءتعلّقي بها، كذلك، لكوني كنت أدري وأنا أضع فرشاتي لآخر مرة وأنا أنتهي منها، أنهقد تمر عدة أشهر قبل أن أشعر برغبة جديدة في الرسم.
فقد كنت فرغت مرة واحدةمن ذاكرتي.. وارتحت.
كنا على أبواب أيلول. وكنت سعيدا أو ربما في حالة ترقّبللسعادة.
ستعودين أخيراً.. كنت أنتظر الخريف كما لم أنتظره من قبل. كانتالثياب الشتوية المعروضة في الواجهات تعلن عودتك. اللوازم المدرسية التي تملأ رفوفالمحلات، تعلن عودتك.
والريح، والسماء البرتقالية.. والتقلبات الجوية.. كلهاكانت تحمل حقائبك.
ستعودين..
مع النوء الخريفي، مع الأشجار المحمرة،مع المحافظ المدرسية.
ستعودين..
مع الأطفال العائدين إلى المدارس، معزحمة السيارات، مع مواسم الإضرابات، مع عودة باريس إلى ضوضائها.
مع الحزنالغامض.. مع المطر.
مع بدايات الشتاء.. مع نهايات الجنون.
ستعودينلي.. يا معطفي الشتوي.. يا طمأنينة العمر المتعب.. يا أحطاب اللياليالثلجية.
أكنت أحلم؟. كيف نسيت تلك المقولة الرائعة لأندريه جيد "لا تهيئأفراحك!" كيف نسيت نصيحة كهذه؟
كنتِ في الواقع امرأة زوبعة. تأتي وترحل وسطالأعاصير والدمار. كنتِ معطفاً لغيري وبرداً لي.
كنتِ الأحطاب التي أحرقتنيبدل أن تدفئني.
كنت أنتِ.
وكنت أنتظر أيلول إذن..
أنتظر عودتكلنتحدث أخيراً بصدق مطلق. ماذا تريدين مني بالتحديد. ومن أكون أنا بالنسبة إليك.. وما اسم قصتنا هذه؟
أخطأت مرة أخرى.
لم يكن الوقت للسؤال ولا للجواب. كان وقتا لجنون آخر.
كنت أنتظر الأمان. وجئت، زوبعة صادفت زوبعة أخرى، اسمهازياد..
وكانت الأعاصير.
لم يتغير زياد منذ آخر مرة رأيته فيها، منذ خمس سنوات بباريس. ربما أصبح فقط أكثر امتلاءً، أكثر رجولة مع العمر، من ذلك الوقت الذي زارني فيه لأول مرة في الجزائر سنة 1972 في مكتبي. يوم كان شاباً فارعاً بوزن أقل، وربما بهموم أقل أيضاً.
مازال شعره مرتباً بفوضوية مهذبة. وقميصه المتمرد الذي لم يتعود يوماً على ربطة عنق، مفتوحاً دائماً بزرٍ أو زرين. وصوته المميز دفئاً وحزناً، يوهمك أنه يقرأ شعراً، حتى عندما يقول أشياء عادية. فيبدو وكأنه شاعر أضاع طريقه وأنه يوجد خطأ حيث هو.
في كل مدينة قابلته فيها، شعرت أنه لم يصل بعد إلى وجهته النهائية، وأنه يعيش على أهبة سفر.
كان حتى عندما يجلس على كرسي يبدو جالساً على حقائبه. لم يكن يوماً مرتاحاً حيث كان، وكأن المدن التي يسكنها محطات ينتظر فيها قطاراً لا يدري متى يأتي.
ها هوذا.. كما تركته، محاطاً بأشيائه الصغيرة ومحملاً بالذاكرة، ومرتدياً سروال الجينز نفسه، كأنه هويته الأخرى.
كان زياد يشبه المدن التي مر بها. فيه شيء من غزّة، من عمان.. ومن بيروت وموسكو.. ومن الجزائر وأثينا.
كان يشبه كلّ من أحب. فيه شيء من بوشكين، من السيّاب.. من الحلاج، من ميشيما.. من غسان كنفاني.. ومن لوركا وتيودوراكيس.
ولأنني كثيراً ما قاسمت زياد ذاكرته، حدث أن أحببت كل ما أحب ومن أحب، دون أن أدري.
كنت في حاجة إليه في تلك الأيام.
شعرت وأنا أستقبله، أنني افتقدته طوال هذه السنوات دون أن أدري، وأنني بعده لم ألتقِ بشخصٍ يمكن أن أدعوه صديقاً.
ها هو زياد. باعدتنا الأيام وباعدتنا القارات. ووحدها قناعاتنا القديمة ظلّت تجمعنا.
ولذلك لم تزل في القلب مكانته الأولى. فلم يحدث لزياد أن فقد احترامي لسبب أو لآخر خلال كل هذه السنوات.
أليس هذا أمراً نادراً هذه الأيام؟
جاء زياد..
واستيقظ البيت الذي ظلّ مغلقاً لشهرين في وجه الآخرين،حتى في وجه كاترين نفسها.
راح زياد يملأه بحضوره، بأشيائه وفوضاه، بضحكته العالية أحياناً، وبحضوره السري الغامض دائماً. فأكاد أشكره فقط، لأنه أشرع نوافذ هذا البيت، واحتل غرفة من غرفه.. وربما احتلّه كله.
عُدنا تلقائياً إلى عاداتنا القديمة التي تعود إلى خمس سنوات، عندما زارني لأول مرة في باريس.
رحنا من جديد إلى المطاعم نفسها تقريباً. جلسنا وتحدثنا في الموضوعات نفسها تقريباً، فلا شي تغيّر منذ ذلك الحين. لم يسقط نظامٌ عربي واحد من تلك الأنظمة التي كان زياد يراهن على سقوطها منذ عرفته. لم يحدث أيّ زلزال سياسي هنا أو هناك، ليغيّر خريطة هذه الأمة.
وحده لبنان أصبح وطناً للزلازل والرمال المتحركة. ولكن من تراه سيبتلع في النهاية؟
كان هذا هو السؤال الذي حاولنا أن نتنبأ به بأكثر من جواب. وكان النقاش يصبّ في النهاية دائماً في القضية الفلسطينية، وفي خلافات فصائلها، والمعارك التي حدثت بين عناصرها في لبنان، والتصفيات الجسدية التي راح ضحيتها أكثر من اسم فلسطيني في الخارج.
كان حديث زياد ينتهي كالعادة بشتم تلك الأنظمة التي تشتري مجدها بالدم الفلسطيني، تحت أسماء مستعارة كالرفض والصمود.. والمواجهة. فينعتها في فورة غضبه بكل النعوت الشرقية البذيئة، التي أضحك لها وأنا أكتشف بعضها لأول مرة.
وأكتشف أيضاً أن لكل ثوّار قاموسهم الخاص، الذي تفرزه ثورتهم ومعايشتهم الخاصة، فأستعيد بحنين، مفردات أخرى لزمنٍ آخر وثورة أخرى.
█║S│█│Y║▌║R│║█









ربما كان هذاالأسبوع هو أجمل الأيام التي قضيتها مع زياد، والتي حاولت بعد ذلك ولعدة سنوات ألاأذكر غيرها، حتى لا أشعر بالمرارة ولا بالحسرة على كل ما عشته بعدها عن خطأ أو عنصواب.
كل ما مرّ بي من ألم.. من غيرة ومن صدمات، وأنا أضعكما ذات يوم هكذاوجهاً لوجه، دون أية مقدمات أو توضيحات خاصة..
له قلت: "سنتغدّى غدا معصديقة كاتبة.. لا بد أن أعرفك عليها..".
لم يبد عليه اهتمام خاص بكلامي. قالعلى طريقته الخاصة وهو يعود لقراءة جريدته: " أنا أكره النساء عندما يحاولن ممارسةالأدب تعويضاً عن ممارسات أخرى.. أتمنى ألا تكون صديقتك هذه عانساً، أو امرأة في سناليأس.. فأنا لا صبر لي على هذا النوع من النساء!"
لم أجبه. رحت أتعمق فيفكرته.. وأبتسم!
على الهاتف قلت لك: "تعالي غداً للغداء في ذلك المطعمنفسه.. فأنا أحمل لك مفاجأة لا تتوقعينها.."
قلتِ:
"إنها لوحتي.. أليس كذلك؟"
أجبتك بعد شيء من التردد: "لا.. إنها شاعر!"
***
التقيتما إذن..
ويمكن أن أقول هذه المرة أيضاً:
"الذين قالوا وحدها الجبال لا تلتقي أخطأوا. والذين بنوا بينها جسوراً لتتصافح دون أن تنحني، لا يفهمون شيئاً في قوانين الطبيعة.
الجبال لا تلتقي إلا في الزلازل والهزات الأرضية الكبرى. وعندها لا تتصافح، بل تتحول إلى تراب واحد".
التقيتما إذن.. وكان كلاكما بركاناً.. فأين العجب، إذا كنت هذه المرة أيضاً أنا الضحية!
مازلت أذكر ذلك اليوم..
وصلتِ متأخرة بعض الشيء، وكنت مع زياد قد طلبنا مشروباً في انتظارك..
ودخلتِ..
كان زياد يحدّثني عن شيء ما عندما صمت فجأة، وتوقفت عيناه عليك وهو يراك تجتازين باب المطعم.
فاستدرت بدوري نحو الباب.. ورأيتك تتقدّمين نحونا في ثوبٍ أخضر.. أنيقة، مغرية، كما لم تكوني يوماً.
وقف زياد ليسلّم عليك وأنت تقتربين منّا. وبقيت أنا من دهشتي جالساً. كان من الواضح أنه لم يتوقّعك هكذا.
ها أنت ذي أخيراً..
أحسست أن شيئاً ما يسمّرني إلى ذلك الكرسي، وكأن تعب كلّ الأسابيع الماضية، وكلّ عذابي بعدك قد نزل عليّ فجأة، ومنع رجليّ من الوقوف.
ها أنت ذي أخيراً.. أهذه أنت حقاً!؟
وقبل أن أفكر في تعريفكما ببعض، كنتِ قد قدّمت نفسك لزياد، وكان هو بدوره على وشك أن يعرّفك بنفسه عندما قاطعته قائلة:
- دعني أحزر.. ألست زياد خليل؟
ووقف زياد مدهوشاً قبل أن يسألك:
- كيف عرفتِ؟
استدرتِ نحوي عندئذٍ وكأنك تكتشفين وجودي هناك، فوضعت قبلتين على خدّي وقلت وأنت توجّهين الحديث إليه:
- أنت تملك شبكة إعلان قوية في شخص هذا الرجل..
ثم سألتني وأنت تتفحّصين ملامحي:
- لقد تغيرت بعض الشيء.. ما الذي حدث لك في هذه العطلة؟
تدخّل زياد ليقول ساخراً:
- لقد رسم إحدى عشرة لوحة في شهر ونصف.. إنه لم يفعل شيئاً غير هذا. نسي حتى أن يأكل ونسي أن ينام.. أعتقد أنني لو لم أحضر إلى باريس لمات هذا الرجل الذي أمامك جوعاً وإعياءً وسط لوحاته.. كما لم يعد الرسامون يموتون اليوم!
وبدل أن تسأليني سألت زياد بشيء من الذعر، وكأنك كنت تخافين أن أكون قد رسمت إحدى عشرة نسخة من صورتك:
- ماذا رسم؟
أجابك زياد بابتسامة وجّهها إليّ:
- لقد رسم قسنطينة.. لا شيء سوى قسنطينة.. وكثيراً من الجسور..
صحتِ وأنت تسحبين كرسياً وتجلسين:
- لا.. أرجوكم لا تحدثوني عن قسنطينة مرة أخرى.. إنني عائدة تواً منها. إنها مدينة لا تطاق.. إنها الوصفة المثالية لكي ينتحر المرء أو يصبح مجنوناً!
ثم وجّهتِ كلامك إليّ:
- متى تشفى أنت من هذه المدينة؟
كان يمكن أن أقول لك لو كنا على انفراد "يوم أشفى منك!"
ولكن زياد أجاب ربما نيابة عني:
- نحن لا نشفى من ذاكرتنا يا آنستي.. ولهذا نحن نرسم.. ولهذا نحن نكتب.. ولهذا يموت بعضنا أيضاً..
رائع زياد.. كان مدهشاً وشاعراً في كل شيء.
كان يقول شعراً دون جهد. ويحب ويكره دون جهد. ويغري دون جهد.
كنت أنظر إليه وهو يسألك "أنتِ جزائرية إذن؟". ولا أستمع لما تقولينه له.
بدا لي في تلك اللحظة أن الحديث كان يدور بينكما فقط، وأنني لم أقل كلمة واحدة منذ قدومك.
كنت طرفاً فقط في تلك الجلسة الغريبة للقدر.
كنت أنظر إليك.. وأبحث في تفاصيلك عن شرح لما حلّ بي.
سألتك يوماً: "ما هو أجمل شيء فيك؟"
ابتسمت بإيماء غامض ولم تجيبي.
لم تكوني الأجمل، كنت الأشهى. فهل هناك من تفسيرٍ للرغبة!
ربما كان زياد يشبهك أيضاً..
اكتشفت ذلك مع مرور الأيام، وأنا أنظر إليكما وأنتما تتحدثان أمامي كلّ مرة.
كان أيضاً شي من السحر الغامض فيه.. من الجاذبية التي لا علاقة لها بالجمال. وكانت فكرة تشابهكما أو تطابقكما هذه تزعجني.. بل وأزعجتني ربما من اللحظة الأولى. عندما نبّهتني إلى تدهور صحتي وشحوب لوني، بينما كنت أراكما أمامي في صحّة وتألق مثير للغيرة.
ترى بدأت الغيرة تتسلل إلي اللحظة.. وأنا أكتشف أنني لست سوى شبح بينكما، ووجه حشر خطأ في لوحتكما الثنائية؟
لم تَتَنَبّهي يومها أنني وصلت إلى تلك الحالة بسببك. ولذا لم تعتذري لي، بل وأكثر من ذلك كنت تتحدثين قليلاً إليّ.. وكثيراً إليه.
قلتِ له:
- لقد أحببت ديوانك الأخير "مشاريع للحب القادم"؛ لقد ساعدني شيئاً ما على تحمل هذه العطلة البائسة. هنالك مقاطع منه حفظتها لفرط ما أعدت قراءتها..
ورحت تقرأين أمام دهشة زياد:
"تربّص بي الحزن لا تتركيني لحزن المساء
سأرحل سيدتي
أشرعي اليوم بابك قبل البكاء
█║S│█│Y║▌║R│║█









فهذي المنافي تغرّر بي للبقاء
وهذي المطارات عاهرة فيانتظار
تراودني للرحيل الأخير..."
كنت أستمع إليك تقرئين شعراً لأولمرة.
كان في صوتك موسيقى لآلة لم تخلق بعد أتعرف عليها لأول مرة في حزننبرتك التي خلقت في البدء للفرح.. فإذا بها عزف لشيء آخر.
وكان زياد يستمعإليك بشيء من الذهول، وكأنه فجأة يجلس خارج الزمن وخارج الذاكرة.
كأنهأخيراً قرر أن يجلس على شيء آخر غير حقائبه ليستمع إليك.
وعندما سكتِّ.. راحيقرأ بقية تلك القصيدة وكأنه يقرأ لك طالعه لا غير:
"ومالي سواكِوطن
وتذكرة للتراب.. رصاصة عشق بلون كفن
ولا شيء غيرك عندي
مشاريع حبّ.. لعمر قصير!"
في تلك اللحظة.. شعرت أن شحنة من الحزن المكهرب وربما الحبالمكهرب أيضاً قد سرت بيننا، واخترقتنا نحن الثلاثة.
كنت أحب زياد.. كنتمبهوراً به. كنت أشعر أنه يسرق مني كلمات الحزن، وكلمات الوطن، وكلمات الحبأيضاً..
كان زياد لساني، وكنت أنا يده كما كان يحلو له أن يقول.
وكنتأشعر في تلك اللحظة.. أنك أصبحت قلبنا.. معاً!
***
كان يجب أن أتوقع كل الذي حدث.
فهل كان يمكن أن أوقف انجرافكما بعد ذلك؟
كنت شبيهاً بذلك العالم الفيزيائي الذي يخترع وحشاً، ثم يصبح عاجزاً عن السيطرة عليه.
كنت أكتشف بحماقة أنني صنعت قصتكما بيدي. بل وكتبتها فصلاً فصلاً بغباء مثالي، وأنني عاجز عن التحكم في أبطالي.
كيف يمكن أن أضع أمامك رجلاً يصغرني باثنتي عشرة سنة، ويفوقني حضوراً وإغراءً، وأحاول أن أقيس نفسي به أمامك؟
كيف يمكن أن أفكّ صلة الكلمة التي كانت تجمعكما بتواطؤ، وأمنع كاتبة أن تحبّ شاعراً تحفظ أشعاره عن ظهر قلب؟
وكيف أقنعه هو الذي ربما لم يشفَ بعد من حبه الجزائري السابق، ألا يحبك أنت التي جئت لتوقظي الذاكرة، وتشرعي نوافذ النسيان؟
كيف حدث هذا.. وكيف أتيت بكما لأضعكما أمام قدركما.. الذي كان أيضاً قدري!
قال لي ذلك المساء:
- إنها رائعة هذه الفتاة.. لا أذكر أنني قرأت لها شيئاً، فربما بدأت الكتابة بعدما غادرت الجزائر حسب ما فهمت. ولكنني أعرف هذا الاسم.. لقد سبق أن قرأته في مكان ما.. إنه ليس غريباً عليّ.
قلت له وقتها:
- أنت لم تقرأ هذا الاسم وإنما سمعته فقط. إنه اسم لشارع في الجزائر يحمل اسم أبيها (الطاهر عبد المولى) الذي استشهد أثناء الثورة.
وضع زياد جريدته ونظر إليّ دون أن يقول شيئاً.
أحسسته ذهب بعيداً في تفكيره.
تراه بدأ أيضاً يكشف كل الهوامش المثيرة للقائكما في تلك الظروف.. وكل التفاصيل العجيبة التي لا يمكن أن يبقى محايداً أمامها؟
شعرت برغبة في الكلام عنك أكثر.
كنت على وشك أن أحدثه عن سي الطاهر. كدت أخبره أنك ابنة قائدي وصديقي. كدت أقصّ عليه حتى قصّتي العجيبة معك. أنت التي كان يمكن أن تكوني ابنتي، قبل أن تصبحي فجأة بعد ربع قرن حبيبتي!
كدت أحكي له قصة لوحتي الأولى (حنين) وتصادفها مع ميلادك. وقصة لوحاتي الأخيرة وعلاقتها بك.. وسبب تدهور صحتي وجنوني الأخير..
كدت أشرح له سر قسنطينة.
أصَمتُّ لأحتفظ بسرّك لي كما نحتفظ بسر كبير نتلذّذ بحمله وحدنا؟ أكان لحبك نكهة العمل السري ومتعته القاتلة؟.
أنم تراني كنت أخجل أن أعترف له دون أن أدري أنك حبيبتي، هو الذي لم أخجل منه يوماً والذي تقاسمت معه كل شيء؟
ألأنك حبّ لم يُخلق ليُقتسم، قررت منذ البدء أن تكوني لأحدنا.. فقط؟
أعن صداقة أو حماقة، كنت أريد أن أمنحه فرصة حبك الذي قد يكون حبّه الأخير، وأياماً من السعادة المسروقة من الموت المحتمل الذي كان يتربص به في كل حين.. وفي كل مدينة؟
ماذا جاء زياد يفعل في باريس؟ من الواضح أنه لم يأت في زيارة سياحية. ربما جاء ليقوم ببعض الاتصالات السرية، يلتقي ببعض الجهات.. يتلقى أو يعطي تعليمات لا أدري..
ولكنه كان قلقاً شيئاً ما. كان يتحاشى أخذ مواعيده على الهاتف، وكان لا يغادر البيت بمفرده إلا نادراً.
ولم أطرح عليه يوماً أي سؤال حول سبب زيارته لباريس. كان هناك شيء من بقايا فترة كفاحية في حياتي، تجعلني أحترم أسرار الآخرين عندما يتعلق ذلك بقضايا نضالية.
كنت أحترم سره، وكان يحترم صمتي. ولهذا نقلنا سرنا وصمتنا حتى قصتنا المشتركة معك.
أكان بحدسه المفرط يتوقع شيئاً ما بيني وبينك؟
أم تراه أمام تظاهري باللامبالاة، لم يتوقع وجود حبّ ملتهب كهذا في أحشائي.
وكيف يمكن أن يتوقع ذلك، وأنا أنسحب تدريجياً على رؤوس الأصابع، لأترك له المجال تدريجياً لمزيد من التوسّع؟
كنت أدعه يجيب على الهاتف نيابة عني. يتحدث إليك ويدعوك إلى البيت نيابة عني.
وكنت تأتين، وأحاول ألا أسأل نفسي لمن جئت.. ولمن تراك تجمّلتِ؟
ربما كان أكثر الأيام وجعاً يوم زرت البيت بعد ذلك لأول مرة.
كان لا بد أن ينبهك زياد للوحاتي لتنتبهي إليها. رحت تنتقلين من غرفة إلى أخرى وكأنك تعبرين غرف بيتك. لم يستوقفك ذلك الممر، ولا ذكرى قبلة قلَبت حياتي رأساً على عقب.
أكانت تلك اللحظة هي الأكثر ألماً، أم عندما فتحت (خطأ؟) باباً، فقلت لك موضّحاً "هذه غرفة زياد". فوقفت أمام ذلك الباب نصف المفتوح، لحظات بدت لي أطول مما قضيته من وقت أمام كل لوحاتي مجتمعة.
قلت وأنت تعودين إلى الصالون وتجلسين على تلك الأريكة نفسها:
- لا أفهم أن تكون رسمت كل هذه الجسور.. جنون هذا.. كان يكفي لوحة أو اثنتان..
أعن قناعة أم عن لياقة تطوع زياد ليجيبك نيابة عني، بعدما لاحظ وقع كلماتك عليّ، ولاحظ تلك الخيبة التي أفقدتني صوتي:
- أنت لم تتأملي هذه اللوحات.. لقد حكمت عليها من النظرة الأولى.. وفي الرسم، اللوحات لا تتطابق وإن تشابهت. هنالك أرقام سرية تفتح لغز كل لوحة.. شيء شبيه بـ (الكود) لا بد من البحث عنه للوصول إلى ذلك الإشعار بشيء ما يريد أن يوصله إلينا صاحبها..
لو مررت بنفس هذه السرعة أمام لوحة (لاعبي الورق) الشهيرة، لما لاحظت سوى لاعبين جالسين أمام طاولة، ولما انتبهت إلى كونهما يمسكان بأوراق بيضاء يخفيانها على بعض. إن ما أراد أن ينقله لنا "سيزان" ليس مشهداً للعبة الورق بل مشهد من التزوير المتّفق عليه.. وربما المتوارث مادام أحد اللاعبين أكبر من الثاني سناً.
وقبل أن يواصل زياد كلامه قاطعته قائلة:
█║S│█│Y║▌║R│║█









- من أين تعرف كل هذا.. هل أنت خبير أيضاً في الرسم.. أم أن عدوى خالد انتقلت إليك؟
ضحك زياد واقترب منك بعض الشيء وقال:
- ليس هذا ميدان خبرتي على الإطلاق.. إنه ترف ليس في متناول رجل مثلي.. بل إن جهلي في الفن سبفاجئك. أنا لا أعرف غير قلة قليلة من الرسامين اكتشفت أعمالهم عن طريق المصادفة.. وفي الكتب المختصة غالباً.. ولكنني أحب بعض المدارس الحديثة التي تطرح أسئلة من خلال أعمالها..
الفن للفن لا يقنعني، والجوكندة المحترمة لا تهزّني. أحب الفن الذي يضعني في مواجهة وجودية مع نفسي، ولهذا أعجبت بلوحات خالد الأخيرة.. إنها أول مرة يدهشني فيها حقاً.
لقد توحّد مع هذا الجسر لوحة بعد أخرى في فرحٍ ثم في حزن متدرج حتى العتمة، وكأنه عاش يتوقيته يوماً أو عمراً كاملاً..
في اللوحة الأخيرة لا يظل بادياً من الجسر سوى شبحه البعيد تحت خيط من الضوء. كل شيء حوله يختفي تحت الباب فيبدو الجسر مضيئاً، علامة استفهام معلّقة إلى السماء. لا ركائز تشدّ أعمدته إلى أسفل، لا شيء يحدّه على يمينه ولا على يساره، وكأنه فقد فجأة وظيفته الأولى كجسر!
أترى بداية الصبح عندئذ أم بداية الليل؟ أتراه يحتضر أم يولد مع خيط الفجر؟ إنه السؤال الذي يبقى معلّقاً كالجسر لوحة بعد أخرى، مطارداً بلعبة الظلّ والضوء المستمر، بالموت والبعث المستمر، لأن أي شيء معلّق بين السماء والأرض هو شيء يحمل موته معه.
كنت أسمتع إلى زياد مدهوشاً، وربما اكتشفت شيئاً لم يخطر ببالي لحظة رسم كل هذه اللوحات.
أحقٌّ ما قاله؟
من المؤكد أن زياد كان يتحدث عن لوحاتي خيراً مني. مثل كل النقاد الذين يعطونك شروحاً مدهشة لأعمال فنية قمت بها أنت بكل بساطة، دون أية تساؤلات فلسفية، فيضحكونك إذا كنت فناناً صادقاً وبسيطاً لا تهمّك الرموز والنظريات المعقّدة في الفن. وقد يملأونك غروراً وجنوناً، إذا كنت مثل الكثيرين الذين يأخذون أنفسهم مأخذ الجد، ويبدأون عندئذٍ بالتنظير بمدرسة فنية جديدة!
كان في تحليل زياد حقيقة هامة أدهشتني ولم أنتبه لها من قبل.
لقد كنت أعتقد وأنا أرسم تلك الجسور أنني أرسمك، ولم أكن في الواقع أرسم سوى نفسي. كان الجسر تعبيراً عن وضعي المعلّق دائماً ومنذ الأزل. كنت أعكس عليه قلقي ومخاوفي ودواري دون أن أدري.
ولهذا ربما كان الجسر هو أول ما رسمت يوم فقدت ذراعي.
فهل تعني كل هذه الجسور، أن لا شيء تغيّر في حياتي منذ ذلك الحين؟
ربما كان هذا هو الأصح.. ولكن ليس هذا كل شيء. وقد كان يمكن لزياد أن يفلسف أيضاً رمز الجسر بأكثر من طريقة.. ولكن من المؤكد أنه لن يذهب أبعد من الرموز المعروفة، لأن رموزنا تأخذ بعدها من حياتنا فقط، وزياد في النهاية لم يكن يعرف كلّ ثنايا ذاكرتي.
ولم يكن زار تلك المدينة التي تعرف وحدها سرّ الجسور!
تذكّرت حين ذاك رساماً يابانيا معاصراً، قرأت عنه أنه قضى عدة سنوات وهو لا يرسم سوى الأعشاب. وعندما سُئل مرة لماذا الأعشاب دائماً.. قال: "يوم رسمت العشب فهمت الحقل.. ويوم فهمت الحقل أدركت سر العالم..".
وكان على حق. لكلٍ مفتاحه الذي يفتح به لغز العالم.. عالمه.
همنغواي فهم العالم يوم فهم البحر. وألبرتو مورافيا يوم فهم الرغبة، والحلاج يوم فهم الله، وهنري ميلر يوم فهم الجنس، وبودلير يوم فهم اللعنة والخطيئة.
وفان غوغ.. تراه فهم حقارة العالم وساديّته، عندما كان يجلس محموماً معصوب الرأس أمام تلك النافذة التي لم يكن يرى منها.. غير حقول عبّاد الشمس الشاسعة فلا يملك أمام إرهاقه إلا أن يرسم أكثر من لوحة للمنظر نفسه؟
لأن يده المحمومة لم تكن تقدر على رسم أكثر من تلك الزهور البسيطة الساذجة.
ولكنه.. كان يواصل الرسم برغم ذلك، لا ليعيش من لوحاته وإنما لينتقم لها ولو بعد قرن.
ألم يقل لأخيه تلك النبوءة التي حطّمت بعدها كلّ الأرقام القياسية في ثمن لوحة (عباد الشمس): "سيأتي يوم يفوق فيه ثمن لوحاتي.. ثمن حياتي".
تساءلت وأنا أصل إلى هذه الفكرة: هل الرسامون أنبياء أيضاً؟.
ثم رحت أربط هذه الفكرة بتعليق زياد "كل شيء معلّق يحمل موته معه.."
وإذا بي أسأل نفسي، أيّة نبوءة تحمل كلّ اللوحات التي رسمتها في درجة متقدمة من اللاوعي والجنون؟ أمَوْت أم ميلاد تلك المدينة؟ أصمود جسورها المعلقة منذ قرون في وجه أكثر من نشرة جوية وأكثر من ريح مضادّة؟ أم سقوطها جميعاً في دمار هائل مفاجئ، في تلك اللحظة التي لا يفصل فيها بين الليل والنهار سوى خيط باهت للغفلة.. غفلة التاريخ!
كنت تحت تأثير تلك الرؤية المذهلة، عندما جاء صوتك لينتزعني من هواجسي.
قلتِ وأنت توجّهين حديثك إليّ:
- أتدري خالد.. إن من حسن حظك أنك لم تزر قسنطينة منذ عدة سنوات.. وإلا لما رسمت من وحيها أشياء جميلة كهذه. يوم تريد أن تشفى منها عليك أن تزورها فقط.. ستكفّ عن الحلم!
طبعاً، لم أكن أدري آنذاك، أنك ذات يوم ستتكلّفين شخصياً بقتل ذلك الحلم، وتوصليني في ما بعد حتى أعتاب قسنطينة مكرهاً.
تدخّل زياد ليقول كلاماً جاء هذه المرة أيضاً سابقاً لوقته.. كالنبوءة.
قال بشيء من العتاب المهذّب:
- لماذا تصرين على قتل حلم هذا الرجل؟. هنالك أحلام نموت على يدها، دعيه سعيداً ولو بوهمه..
لم تعلّقي على كلامه، وكأن أحلامي لم تعد تهمك بالدرجة الأولى. سألته فقط:
- وأنت.. ما هو حلمك؟
قال:
- ربما مدينة ما أيضاً..
- هل اسمها الخليل؟
قال مبتسماً:
- لا.. نحن لا نحمل دائماً أسماء أحلامنا.. ولا ننتسب لها
اسمي الخليل ومدينتي اسمها غزة.
- ومنذ متى لم تزرها؟
- منذ حرب حزيران.. أي منذ خمس عشرة سنة تماماً..
ثم أضاف:
- يضحكني الذي يحدث لخالد اليوم، كان يقنعني في الماضي يوم كنّا في الجزائر بالزواج والعيش هناك نهائياً. لم يكن يفهم أن تطاردني تلك المدينة إلى درجة إخراجي من كل المدن. وها هو الآن يصل إلى كلامي من تلقاء نفسه، ويصبح بدوره مسكوناً بمدينة، مطارداً بها.
العجيب أنه لم يحدّثني عنها أي مرة.. وكأنه لم يكن يوليها اهتماماً من قبل. هنالك أشياء شبيهة بالسعادة لا ننتبه لوجودها إلا بعدما نفتقدها!
ربما كان ذلك ما حدث لي.. فقد كنت أعي تدريجياً أنني كنت سعيداً معك قبل تلك العطلة الصيفية.. وقبل مجيء زياد.. وقبل أن يتحول حبنا من عشق ثنائي عنيف إلى حب مثلث الأطراف كل زواياه متساوية، ومن لعبة شطرنج يحكمها لاعبان متقابلان، ويملأ الحب فيها كل المربعات السوداء والبيضاء، بقانون المد والجزر العشقي، إلى لعبة طاولة، نجلس حولها نحن الثلاثة، بأوراقنا المقلوبة، وأحزاننا المقلوبة، بنبضات قلبنا المشتركة، بذاكرتنا المشتركة، نتربّص ببعضنا ونخلق قوانين جديدة للحب.. نزوّر الأوراق التي نملك النسخ نفسها منها، نحتال على منطق الأشياء لا ليربح أحدنا الجولة، وإنما لكي لا يكون بيننا من خاسر، وحتى تكون نهايتنا أقلّ وجعاً من البداية.
كان واضحاً أن زياد كان يشعر أنني أحبك بطريقة أو بأخرى. ولكنه لم يكن يعي جذور ذلك الحب ومداه. ولذا
█║S│█│Y║▌║R│║█
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 2 (0 من الأعضاء و 2 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)