صفحة 12 من 16 الأولىالأولى ... 21011121314 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 45 إلى 48 من 63

الموضوع: عابر سرير - أحلام مستغانمي

العرض المتطور


  1. #1
    مشرف أخــبار متنوعة ( غريب جدا جرائم وحوادث طرائف ألخ) في كل أنحاء العالم
    الحالة : Don.Ayman غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2010
    رقم العضوية: 1026
    الدولة: U.A.E - DUBAI
    العمل: محاسب
    المشاركات: 3,321
    الحالة الإجتماعية: اعزب
    معدل تقييم المستوى : 260
    Array

    طرقت الباب بفرحةالمباغتة, ثم فتحته كعادتي متقدماً خطوة نحو الأمام, لكنني فوجئت بعجوز مشدودة إلىأنبوب الدواء تشغل مكانه في ذاك السرير. هزيلة, شاحبة اللون, لها نظرات فارغة, حلَّمكانها حين رأتني تعبير يستجد بي, مطالبة بشيء ما لم تفصح عنه ولا أناأدركته.
    بقيت برهة مذهولاً أنظر إليها, قبل أن أعتذر وأغادر الغرفةمسرعاً.

    قصدت مكتب الممرضات في الطابق, أسأل عن مريض الغرفة رقم 11. كنتأثناء ذلك أهدّئ من روعي, فقد يكونون قد اصطحبوه لإجراء فحوصات أو للتصوير الشعاعي, أو ربما غيروا غرفته ليس أكثر, ذلك أنني تذكرت أنه قال لي مرة منذ أكثر من أسبوعين " قد لا تجدني في هذه الغرفة, قد أنقل إلى جناح آخر", قبل أن يعلّق مازحاً " أناهنا عابر سرير".
    توقعت أن تدلني الممرضة على الرقم الجديد لغرفته, لكنها سألتنيإن كنت من أقاربه. أجبت " نعم". قالت:
    -
    لقد اتصلنا بالرقم الهاتفي الذي فيحوزتنا لنخبركم بتدهور مفاجئ لصحته ليلة البارحة, وتركنا رسالة صوتية نطلب حضورأقاربه, ولم يتصل بنا أحد وعاودنا الاتصال على الرقم نفسه هذا الصباح دونجدوى.
    بين الذعر والعجلة سألتها:
    -
    متى كان هذا؟
    -
    عند العاشرة والنصفصباحاً.
    كان ذلك الوقت الذي خرجت فيه لأشتري حاجيات للأكل قبل أن تغلق المحلاتالغذائية ظهر الأحد.
    عادت إلى دفتر كبير كان أمامها:
    -
    الاتصال الأول كانالبارحة عند التاسعة والربع مساءً.
    استعجلتها:
    -
    وهل بإمكاني أن أراهالآن؟
    ردت بنبرة من تدرب أعواماً على مواساة الغرباء:

    -Je suis desolee monsieur..Il est decede.
    بدا لي كأنها لفظتالخبر بالعربية. قام القلب بترجمته الفورية إلى لغة الفاجعة, واختصر كل الجملة وماتلاها بعد ذلك من واجب المواساة في كلمة واحدة, نزلت علي كصاعقة من ثلاثةأحرف.
    لم أفهم كيف أن ثلاثة أحرف مجتمعة في ذلم السياق تصبح برغم انسيابهاالموسيقي مؤلمة إلى ذلك الحد. حتى لكأن التاء المفتوحة في آخرها ليست سوىتابوت.
    كان احتمال موته قائماً, لكنني لم أتوقعه أن يأتي سريعاً, ولا بهذاالتوقيت. هذه المصادفات مجتمعة باتت أكثر تعسفية من أن تكون مصادفات. لها إصرارالقدر في عبثيته.
    قالت بتأثر:
    -
    أمر مؤلم أن يموت قبل مغادرته المستشفىبيومين. كان يبدو سعيداً بخروجه. أنا نفسي فؤجئت عندما قيل لي هذا الصباح إنه قضىليلة أمس في قسم العناية الفائقة.
    سألتني بعد ذلك وهي تراني أقف لحظات مذهولاًأمامها بدون أن أقول شيئاً, إن كنت أريد أن أراه. أجبتها "لا". أمدتني بورقةلأوقعها إن كنت أنوي استلام أشيائه. لمحت في الخزانة التي فتحتها, علبة الشوكولاطةالفاخرة فوق كومة ثيابه. أجبتها إنني أفضل أن أترك ذلك فيما بعد.

    تركتهاوغادرت المستشفى مذهولاً, مشلول الأحاسيس, كأن دموعي تجمدت في براد يحوي الآن ماكان "هو".
    أخذت الميترو محملاً بالكيس ذاك. بكل ما أحضرته له,وما عاد في حاجةإليه. حاولت أن أتخلص منه بعد ذلك, بالتصدق به, في إحدى المحطات على أحد مشرديالميترو, فارتاب في أمره, ولم يبد حماسة في أخذه مني. كان يفضل مكانه, قطعة نقديةمن عشرة فرنكات, يشتري بها نبيذاً, فوجدتني أعطيه الكيس وعشرة فونكات لأقنعه بحسننواياي.

    هو سيد التهكم والصمت الملتبس, ما ترك لي فرصة لكذبة أخيرة, كنتأعددتها لأبرر انشغالي عنه.
    ربما كان يحتاج إلى تلك الكلمات التي احتفظت بهاخوفاً عليه. كان يحتاج إلى الحقيقة, فأعفاني بموته من مزيد من الكذب.
    قررالعبور إلى سريره الأخير بينما كنت أنا أشغل سريره الأول.
    أهداني بيته, نساءه, وأشياءه, وما ترك لي فرصة لأهديه ولو بعض قطع من الزلابية, وأحقق أمنيته الأخيرةالبسيطة, بساطة من شبع غربة..وما بقي له سوى جوع الوطن.
    أستعيده متهكماً, تهكمذلك الغياب الشارد الذي يسبق اكتمال الغياب. كم من الأشياء كنت سأقولها له اليوم, لو لم أكن منهك القول, مذ أصبح بيننا كل هذا البياض. منذ متى وهو ذاهب صوب الصمتالأبيض؟
    عندما وصلت إلى البيت, شعرت وأنا أدخله بهول الفاجعة. بصدمة الواقع الذييدفعك تحت عجلات قطار ركبته بنية الحلم.
    ارتميت على أريكة الصالون منهكاً كحصانسباق.
    كان عليَّ بدءاً أن أتوقف عن الركض قليلاً. أن أجلس لأفهم ما الذي أوصلنيإلى هذا البيت, أنا الذي كنت ألهو بممازحة الأدب, أكنت أمازح القدر دونعلمي؟
    أدخلني الموقف لغرابته في حالة ذهول من أمري. رحت أتأمل مشهداً كأنني لستبطله.. كأنني شاهدته في زمن ما.
    يوم قرأت سيرة ذلك الرسام, وجدتني أتماهى معه فيأمكنة كثيرة من تلك القصة. تمنيت أن أكرر حياته بما تستحق الإعادة من ذكاء. ولكن منيتذاكى مع "المكتوب"؟ المكتوب الذي بدأ بالنسبة لي بذلك الكتاب الذي لا يمكن أنتخرج من قراءته سالماً.
    أمنه جاءت اللعنة؟ أم من "حياة"؟ تلك المرأة التي كانتتحمل اسماً يعني عكسه كعادة العرب في تسمية ما يرون فيه شراً بنقيضه؟
    أم ترىاللعنة تكمن في الجسور التي ما زال إحداها معلّقاً قبالة هذه الأريكة؟
    هناأمامها عاش زيان حقيقة موت زياد الذي لم يكن يفصله عن التطابق به سوى حرف.
    وفيحضرة هذه الجسور أجهش راقصاً على إيقاع زوربا بذراعه الوحيدة يوم أخبروه باغتيالأخيه الوحيد.
    أمصادفة إذا كانت الجسور مبنية من الإسمنت, المادة التي تضمر فيقتامتها غضباً مكتوماً وشراً صامتاً, كمن يدبر لك مكيدة؟ طالما شككت بنوايا الجسور, مذ اكتشفت في كل هارب شبهة جسر, لا أحد يدري لأي الطرفين ينتمي.
    لكن زيان لم يكنهارباً. كان مهرباً لما ظنه وطناً.

    يالغباء الرجل, بين ما يعتقده جسراً, ومايعتقد الجسر أنه وطن ثمة جثتك. فالجسر لا يقاس بمدى المسافة التي تفصل طرفيه, بلبعمق المسافة التي تفصلك عن هاويته.
    عندما تولد فوق صخرة, محكوم عليك أن تكونسيزيف, ذلك أنك منذور للخسارات الشاهقة, لفرط ارتفاع أحلامك.
    نحن من تسلَّق جبالالوهم, وحمل أحلامه.. شعاراته.. مشاريعه.. كتاباته.. لوحاته, وصعد بها لاهثاً حتىالقمة. كيف تدحرجنا بحمولتنا جيلاً بعد آخر نحو منحدرات الهزائم؟
    من يرفع كلالذي وقع منا في السفح؟

    عندما دخلت فرنسا بعد سبع سنوات من الوقوف ذليلةٍأمام تلك القلعة المحصنة كعش نسر في الأعالي, راح خيالة قسنطينة وفرسانها الذين لميعتادوا على مذلة الأسر. يقفزون بخيولهم من على الجسور عائدين إلى رحم الوديان. كانآنذاك الموت قفزاً نحو منحدراتها الشديدة, آخر نصر لرجال لا مفخرة لهم سوى أنهمأبناء الصخرة.
    بهم انتهى زمن الموت الجميل, وأصبح وادي الرمال مجرى لنفاياتالتاريخ, تطفو فيه مع قمامة المدينة وأخبار لصوصها المحترمين, جثث أبنائها الجميلينوالبائسين.
    لا شيء يستطيع أن يمنعك من تسلق " جسور الموت" حتى ذلك الحزام الأمنيالذي, بعد أن كثرت حالات الانتحار, أحاطوا به خصر الجسور لتصبح أعلى. قد يمنعك أنتطل على الموت, ولكن لا يمنع الموت أن يطل عليك, حيث أنت في حضيضخيباتك.

    فجأة, مثل حياة, بدأت أتطير من هذه اللوحات. ووجدت في جلوسي أمامها, استفزازاً صامتاً لقدر لا قوة لي على مواجهته.
    سعدت أنني سأغادر هذا البيتقريباً, وأنها ستبقى هنا. ثم تذكَّرت اللوحة التي اشتريتها وما زالت معروضة حتىانتهاء المعرض. فكرت أن أكلِّف فرانسواز بإحضارها. ثم فكرت في غرابة سفري مع جثمانزيان برفقة تلك اللوحة.
    أوصلني التفكير إلى حقيبتي التي لا بد أن أعدها, وأشياءزيان التي علي أن أقوم بفرزها بسرعة, لأنني لا أدري متى سيكون سفري إلى قسنطينة حسبتاريخ الرحلات.
    ووجدتني أستعيد ما كنت عشته منذ سنتين بعد اغتيال عبد الحق, عندما كان عليَّ أن أجمع أشيائي في بيته الذي كنت أقيم فيه بين الحين والآخر في تلكالفترة التي كان فيها الصحافيون يغيرون عناوينهم يومياً, والتي كان عبد الحق بدورهلا يعرف عنواناً ثابتاً مذ استشعر خطر اغتياله.

    ربما كان الأمر أهون يومها, لأنني لم أكن معنياً سوى بجمع أشيائي, بينما تركت لزوجته عذاب التكفل بأشيائه. غيرأن وجعي كان بسبب كل ما كانت حياة قد أحضرته.حتى إنّ زيارة بعد أخرى, أصبح البيتينقسم إلى أشياء عبد الحق البسيطة, وتلك الأشياء الأخرى الفاخرة, التي كانت تهربهامن بيتها, وتأتي بها, مشفقة على بؤس شقة, لا علاقة لها بفخامة مسكنها, غير مدركةأنها تؤثث شقة صديقي!
    في البدء كنت سأشرح لها الحقيقة, ولكن كنت أحببت سوء الفهمالعشقي الذي تورطنا فيه, وإغراء تلك العلاقة الملتبسة التي تجمعنا.
    وكان بإمكانعبد الحق, كلما مر, أن يعرف وتيرة زياراتها من مستجدات البيت, من مناشف جميلة, وشراشف أنيقة, ومنافض من الكريستال, ولوازم مطبخ, وروب للحمام.
    بدأت أتعود أنأراها تأتي من بيتها محملة دائماً بكل ما تقع عليه يداها, حتى الأجبان المستوردة.. وألواح الشوكولاطة.. وعلب السجائر. بل حدث لفرط إجرامها العاطفي المغلف
    █║S│█│Y║▌║R│║█


رد مع اقتباس رد مع اقتباس  


  • #2
    مشرف أخــبار متنوعة ( غريب جدا جرائم وحوادث طرائف ألخ) في كل أنحاء العالم
    الحالة : Don.Ayman غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2010
    رقم العضوية: 1026
    الدولة: U.A.E - DUBAI
    العمل: محاسب
    المشاركات: 3,321
    الحالة الإجتماعية: اعزب
    معدل تقييم المستوى : 260
    Array

    بالعطاء, أنأهدتني ثياباً ومصاغاً اشترته نيابة عني لزوجتي!
    كانت امرأة سخية في كل شيء. فيخوفها عليك, في انشغالها بك, في اشتهائك, في إمتاعك.. وحتى في إيلامك.
    ذلكالسخاء العشقي الذي تشعر عندما تفقده بفاجعة اليتم الأول, لأنك تعي أن لا امرأةبعدها ستحبك بذلك الحجم ولا بتلك الطريقة. ذلك أنك أثناء انبهارك بها, كانت تلكالمرأة تعيث فيك عشقاً وفسقاً وكرماً, وتفسدك وتخرِّبك وتدلَّلك وتشكّلك, بحيث لنتعود تصلح لامرأة عداها.

    عندما مات عبد الحق, أصبح السؤال ماذا أفعل بتلكالأشياء. أأتركها في البيت لتتصرف بها زوجة عبد الحق كيفما اتفق, أو آخذها إلى بيتيلأقاصص بها نفسي؟
    فأصعب من اختراع قصة مقنعة لزوجتي عن مصدرها, معايشتي اليوميةلتلك الأشياء التي ارتبط كل شيء منها بذكرى تحرّض الشجون عليك, وتعيدك إلى ذلكالجحيم غير المدرك لسعادة كانت تحمل في فرحتها بذور تعاستك الآتية.
    كمثل صدقةجارية, كان عشق تلك المرأة قصاصاً جارياً. ما عرفت امرأة بعدها إلا وكان فيهاقصاصك. وما استعملت شيئاً أهدتك إياه إلا وعذبت نفسك به, وما ضممت إلى صدرك غيرها.. إلا وهجم عليك الصقيع.
    كيف تنجو من وجع المقارنة؟ هي التي أغدقت عليك بما لنتعطيك امرأة بعدها. أكانت تضمر لك في كل ما أعطته ألماً, ذلك أن العشق وحده في كلما يعطيك يضمر قصاصه المستقبليّ.
    ما الأرحم إذن, ما يتركه لك الموتى حين يرحلون؟أم ما يتركه الحب بعد رحيل الأحياء؟
    أطفأت في منفضة الألم أسئلتي, وذهبت صوبغرفة زيان أفتح ورشة الموت.

    ***

    هي ذي الحياة بأشياء موتها التي لا تموت. هس ذي تلكالأشياء التي تظنك تنالها فتنال منك, لأنها ستعيش بعدك.
    في كل موت أنت أمامالموقف نفسه. كما كنت أمام أشياء أبيك , وغرفة نومه التي أورثك إياها, بخزانة تضمبدلات وثياب وأشياء رجل من عمره,منامته, روب البيت السميك, والآخر الحريري, ثيابهالداخلية ذات الماركة الفرنسية نفسها دائماً, مفكرته, خف البيت الصوفي, نظاراته, ساعته, كنزاته, أدويته المكدسة لأشهر مقبلة, ظناً منه أنه بشرائه كميات أكثر يشتريله عمراً أطول.

    في غرفة نوم أبيك, ثم في بيت عبد الحق, والآن أمام أشياءزيان, تفهم أنك تساوي أرخص من أي شيء تملكه.
    وإلا .. كيف لمنفضة ثمنها 10 فرنكاتأن تعيش بعدك؟ كيف لساعة ثمنها 500 فرنك أن تواصل عقاربها الدوران غير آبهة بتوقفقلبك؟ كيف لسرير؟ كيف لكرسي؟ كيف لحذاء؟ كيف لجورب ما زال عليك عرق قدميك ألا يكترثلموتك؟
    وكيف أن الأشياء التي كلفتك الأكثر هي أول من يخونك, وأن تلك التي كدتتفقد بسببها حياتك, ما تكاد تفرق الحياة حتى تذهب لغيرك؟
    السؤال نفسه يعود: كيفأواجه الحضور الظالم, الحضور الرهيب البارد, لتلك الأشياء غير المعنية بموتٍ مابردت جثته بعد؟
    طبعاً " لا أكثر خبثاً من البراءة" وأنا تعلَّمت ألا أنخدعببراءة حضورها الألفويّ الصامت. ألا أصدق حزنها الشامت الذي يقول لك, إنّ أصحابهالم يعودوا هنا, وإنها على يتمها ستعيش بعدهم. وقد تذهب إلى أعدائهم, كما يذهب حذاءجندي ميت إلى عدوّه البائس في ساحة قتال يكسوها الثلج.

    تريد أن تختبرالأشياء بموتك. اغلق الباب خلفك, وامضِ.
    أول سارق ماكر هو ذلك الغبار الذي سيضعيده بقفازه الترابي على أشيائك, بدون أن يحركها من مكانها. دون أن يلفت انتباه أحد, ستصبح له بحكم الغياب.
    الغبار الذي يتقدم مكتسحاً كل مكان تغيبت عنه, ليس سوىتمرين لما سيقع بعد موتك.
    بعدها ستمضي تلك الأشياء, لأولئك الذين سيسطون عليها, لا بحياء الغبار, إنما بوقاحة اللصوص, كما في قصة زوربا, عندما كانت تلك العجوزأثناء احتضارها, ترى بعينيها الناس الذين جاؤوا بذريعة مواساتها, يتسابقون إلى سرقةأشيائها, مستفيدين من عجزها عن الدفاع بعد الآن عما حافظت عليه حتى آخرالعمر.
    المؤلم إغلاقها عينيها على مشهد الفقدان. غير دارية أين عليها أن تنفقجهدها الهزيل لحظة الاحتضار. أبالتشبث بآخر أنفاسها؟ أم بالإمساك بآخرجاجاتها!

    في الموت, الدور الأكثر تعاسة, ليس من نصيب الذي رحل وما عادمعنيَّا بشيء, إنما من نصيب الذي سيرى قدر الأشياء بعده.
    على حزنها, لا أظنفرانسواز ستتحمل طويلاً جثث الأشياء في بيتها. والأمر حسب معرفتي بها لن يأخذ منهاأكثر من ساعتين أو ثلاث, وهو ما يلزمها من وقت لجمع أوراق زيان وكتبه, في انتظار أنتسلِّمها لأول عربي يدخل بيتها.
    أما ما بقي فقد تضعه في أكياس, ليأخذ مكانه فيالطابق السفلي جوار صندوق القمامة, أو في أحسن الحالات, قد تحتفظ به في المرآب, فيانتظار المرور التالي للصليب الأحمر لجمع المساعدات الإنسانية.
    ذلك أن فرانسوازمهووسة بالمبادرات الخيرية, وكأنها نذرت نفسها لمساعدة بؤساء البشرية, يتناوبون علىقلبها وعلى سريرها حسب مستجدات المآسي في العالم. حتى كان يبدو لي أن معاشرتها زيانتدخل ضمن نشاطاتها الخيرية.
    وكنت أراها, حسب نشرات الأخبار, تسارع لتلبية نداءالإغاثة لهذه الجهة أو تلك, جامعة ما زاد عن حاجتها من ثياب, وما بلي أو لم يبلَ منأحذية وستائر وشراشف, في أكياس كبيرة من البلاستيك تقوم بإنزالها ووضعها جوارمقصورة البواب, في انتظار أن يجمعها الصليب الأحمر.

    كان في فرانسواز شيء منالطيبة الممزوجة بسذاجة الغربيين في التعامل مع الآخر, والذي يتحكم فيها منطقإعلامي يبسط الأشياء, ويقسِّم العالم إلى خيِّر وشرير, وحضاري ومتخلف, ولازم وغيرضروري.
    يوم رأيتها تنزل بتلك الأكياس لتتصدق بها لضحايا " سراييفو", اعترفت لهاأنني أحسدها على شجاعتها في التخلص من كل شيء بسرعة وقدرتها على رمي الأشياء في كيسللصدقة, بدون ندم أو تردد أو حنين, غير معنية بذاكرة الأشياء ولا بقيمتها العاطفية, وتمنيت لو استطعت مثلها أن أجمع ذاكرتي في صرة, وأضعها عندالباب كي أتخلص منحمولتي.. وأضاهيها خفة.


    سألتني:
    -
    وماذا تفعلون إذن بالأشياء التي لم تعد من حاجة لكم بها؟
    أجبتمازحاً:
    -
    ليس في حوزتنا أشياء لا نحتاجها, لأنها حتى عندما تهترئ, وتعتق, نحتاجحضورها المهمل في خزائننا أو في مرآب خردتنا, لا عن بخل, بل لأننا نحب أن نثقلأنفسنا بالذاكرة, ونفضل أن نتصدق بالمال, على أن نتصدق بجثث أشيائنا, ولهذا يلزمنادائماً بيوت كبيرة. ثم واصلت ضاحكاً: أليس في الأمر كارثة!؟

    ها هي ذيالكارثة! فتفضل أيها العربي المثقل بحمولتك, تركة أخرى في انتظارك, فماذا ستفعلبهذه الغربة الفضفاضة لرجل ضاق به الوطن, وترك لك ما خاله وطناً: كتباً في الشعروأخرى عن تاريخ الجزائر, صور أخذها مع أناس قد يكونون أهلاً أو أصدقاء, ربما ماتواأو ما زالوا أحياء, نسخة قديمة لمصحف, مفكرات لعدة سنوات عليها عناوين ومواعيدوأسماء, وصفات طبية, تذاكر سفر مستعملة, ملصقات صغيرة لها ذكرى وحده يعرفها كقارورةعطر " شانيل" النسائية الفارغة, قابعة في ركن قي في خزانة الملابس, مغرورقة في حزنفقدانها العطري. إنه الوفاء الأنثوي يجهش اعتذاراً عن كل الخياناتالنسائية.

    تجمع حولك أشياء بديلة تسميها وطناً. تحيط نفسك بغرباء تسميهمأهلاً. تنام في سرير عابرة تسميها حبيبة. تحمل في جيبك دفتر هاتف بأرقام كثيرةلأناس تسميهم أصدقاء. تبتكر أعياداً ومناسبات وعناوين وعادات, ومقهى ترتاده كماتزور قريباً.
    أثناء تفصيلك لوطن بديل, تصبح الغربة فضفاضة عليك, حتى لتكادتخالها برنساً. غربة كوطن, وطن كأنه غربة. فالغربة يا رجل فاجعة يتم إدراكها علىمراحل, ولا يستكمل الوعي بها, إلا بانغلاق ذلك التابوت على أسئلتك التي بقيت مفتوحةعمراً بأكمله, ولن تكون هنا يومها لتعرف كم كنت غريباً قبل ذلك, ولا كم ستصبحمنفياً بعد الآن!

    █║S│█│Y║▌║R│║█




  • #3
    مشرف أخــبار متنوعة ( غريب جدا جرائم وحوادث طرائف ألخ) في كل أنحاء العالم
    الحالة : Don.Ayman غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2010
    رقم العضوية: 1026
    الدولة: U.A.E - DUBAI
    العمل: محاسب
    المشاركات: 3,321
    الحالة الإجتماعية: اعزب
    معدل تقييم المستوى : 260
    Array


    كنت ما أزال أفكر كيف أتصرف بكل تلك الأشياء, عندما لمحتحذاءً أسفل الخزانة.
    كان حذاءه الوحيد, أو بالأحرى, ما بقي له هنا. فهو حتماًيملك حذاءً آخر ذهب به إلى المستشفى.
    لا أدري لماذا اختار ذلك الحذاء دون هذالسفرته الأخيرة. قد يكون تركه لمناسبة أجمل, فهو حذاء جديد كأنه لم ينتعله. وبرغمذلك, بدا لي أكثر حزناً من الآخر, مختبئاً أسفل الخزانة كيتيم, يخاف أن يلفتالأنظار إليه فيطرد.. أو يُغتال.
    أثمة يتم للأحذية أيضاً؟
    بدا لي زوجا الحذاءمتلاصقين كرجلي ذلك الصغير المرعوب. عندما مددت يدي لأخرجهما من مخبئهما, استعدتمنظر ذلك الطفل الذي أخذت له صورة, والذي قضى ليلة مختبئاً تحت السرير, وعندمااستيقظ في الصباح, وجد أنه فقد كل أهله,وأنه أصبح يتيماً إلى الأبد.
    أنا الذيقررت أمام ورشة الموت ألا أبكي, أمام ذلك الحذاء الذي كسا الغبار لمعته, وجدتنيأنهار باكياً.
    هو رجل المسافة, وحشمة التغافل. أحزنني هتك أسراره, والتسكع فيعالم ما توقع أن يدخله غريب بعده, بذريعة أنه لم يعد هنا ليحمي أشياءه الصغيرةالسرية. تلك الأشياء التي لم تحفظ حرمة غيبته, بل راحت تغتابه, وتثرثر مع أول عابرسبيل.

    وأذكر عندما زرته في إحدى المرات, وكان علي أن أغادر الغرفة وأنتظرهبعض الوقت في الخارج ريثما تنتهي الممرضة من خدمته, راح يعتذر لي عن انتظاري, ويحدثني عن مذلة المرض الذي يعطي لأيّ شخص الحق في أن يستبيح جسدك وينتهكحميميتك.
    قال:
    -
    هذه أول مرة أدخل فيها المستشفى مذ بترت ذراعي منذ أكثر منأربعين سنة. لا أحب مهانة المرض. ما أنقذني أنني تعودت في الحياة أن أواجه النظراتالتي تعرّي عاهتي بأن أتغابى.. فلم أفعل غير مواصلة ذلك هنا.
    ثم واصل:
    -
    التغابي هو بعض ما اكتسبته من اليتم. عندما تعيش يتيماً, تتكفل الحياة بتعليمكأشياء مختلفة عن غيرك من الصغار. تعلِّمك الدونيّة, لأن أول شيء تدركه هو أنك أقلشأناً من سواك, وأنه لا أحد يردّ عنك ضربات الآخرين, ومن بعدهم ضربات الحياة.أنت فيمهب القدر وحدك كصفصافة, وعليك أن تدافع عن نفسك بالتغابي, عندما يستقوي عليك أطفالآخرون, فتتظاهر بأنك لم تسمع.. وأنك تدري أن لهم آباء يدافعون عنهم ولا أبلك.
    صمت بعض الوقت.. ثم واصل:
    -
    كلّ اكتسب شيئاً من دونيته, سواء أكان كريماًأو بخيلاً.. عنيفاً أو مسالماً.. واثقاً في الناس أو مرتاباً.. عازباً أو ربعائلة.
    كلّ يتيم هو مريض بدونية سابقة, يتداوى منها حسب استعداداتهالنفسية.
    لكن أعلى درجات اليتم.. يتم الأعضاء. إنها دونية عارية معروضة للفرجةوالفضول, لا شفاء منها, لأنك ما رأيت أحداً إلا وذهب نظرك مباشرة إلى ما يملكه.. وينقصك أنت.. وهنا كم يلزمك من التغابي لتكذب على نفسك!

    أستعيد الآن كلامههذا.. متذكراً قولاً لمعاوية بن أبي سفيان " إن ثلث الحكمة فطنة, وثلثيهاتغافل".
    ذلك أنه ما كان لي أن أدرك ثلثي حكمته إلا وأنا أجمع أشياء موته, وأقعفجأة بين حاجاته على نسخة من كتاب "فوضى الحواس" تبدو منهكة لفرط تداولها, نسخةبدون إهداء, من الأرجح أن يكون اشتراها. ذلك أن السعر مكتوب بقلم الرصاص على صفحتهاالأولى.. بالفرنك الفرنسي. وفي الأرقام الثلاثة تلك, كانت تختصر كل فجيعة رجلأحالته حبيبته من قلب كتاب كان سيده, إلى غريب لا مكان له حتى في إهداء الصفحةالأولى. يدفع 140 فرنكاً, كي يعرف ما أخبارها مطارداً خيانتها بين السطور.
    كانيعرف إذن من أكون, وكان يواجهني بالتغابي ذاته!

    نزلت عليَّ صاعقة الاكتشاف, وسمَّرتني مكاني. رحت من دهشتي أتصفح الكتاب وأعيد قراءة صفحات منه كيفما اتفقوكأنني أكتشفه لتوّي, باحثاً عما يمكن أن يكون قد تسقطه عني.
    كيف له في محاولةلتقصِّي أخبارها, ألا يشتري كتاباً لها صدر بعد أن افترقا.
    وهي التي كالأنظمةالعربية, تحترف توثيق جرائمها, واستنطاق ضحاياها في كتاب. كيف لها ألاَّ تجعلنيمفضوحاً بالنسبة إليه, بقدر ما كان هو في " ذاكرة الجسد", وإذ بواحدنا يعرف عنالآخر كل شيء, جاهلاً فقط علم الآخر بذلك.

    كمن يحاول فكّ سرِّ كبير, بترتيبفسيفساء الأسرار الصغيرة, رحت أحاول أن أفهم, في أيّ موعد بالذات أدرك من أكون, وأيّ تفصيل بالذات جعله يتعرَّف عليّ. أمن الاسم الذي أعطته له فرانسواز, وهي تطلبلي موعداً معه؟
    ترى لو لم أقدِّم نفسي على أنني خالد بن طوبال أكان سيتعرف عليَّمثلاً من عاهة ذراعي اليسرى التي لا تتحرك بسهولة؟ أم كان سيعرفني لأنني كما فيالرواية مصوِّر...ومن قسنطينة؟ ولأفترض أنني عندما زرته في المستشفى لم أقل لهشيئاً على الإطلاق, أكان سيتعرف عليَّ بحدس المحب, وريبة الرجولة؟
    ثم, قد يكونتعرّف عليّ, وعرف من ذلك الكتاب كل شيء عن علاقتي بحياة, وهذا ليس مهماً فيالنهاية..
    لكن, أكان على علم أنني أقيم في بيته؟ وأساكن صديقته؟ وأنني التقيتبحياة واصطحبتها إلى هذا البيت؟ وأنها كانت ترقص لي لحظة كان يحتضر؟
    أيكون اختارتلك اللحظة بالذات لأن يموت فيها إمعاناً منه في التغابي؟

    ما زلت غير مصدِّقأن يكون في توقيت موته مصادفة, ولا أرى سبباً لتدهور مباغت لصحته. فلا شيء عندماالتقيت به قبل ذلك بيوم, يشي بأن حياته في خطر أو أنه يعاني من انتكاسة ما.
    بلإنني لم أره ممازحاً ومرحاً كذلك اليوم. وأعرف خبث ذلك المرض بالذات, الذي من بعضمكره, إعطاؤك قبل أن يفتك بك, إحساساً بالتعافي. والكل من حولك سيقولون لك ذلك, لأنك فعلاً ستبدو في أحسن حالاتك.
    أعرف هذا من أبي. غير أني من عمي أعرف أيضاًأن الإنسان يختار توقيت موته. وإلا كيف استطاع أن يموت في أول نوفمبر بالذات, تاريخاندلاع الثورة الجزائرية التي كان أحد رجالها؟
    وجدت تأكيداً لهذا المقال أبحاثاًقام بها متشنيكوف, وهو عالم وضع في بداية القرن العشرين نظرية في وظائف خلاياالجسم, تثبت أن الإنسان لا يموت إلا إذا أراد حقاً ذلك, وأن موته العضوي ليس سوىاستجابة لمطلب نفسي ملحّ.
    وإذا صدقت هذه النظرية تكون الثورة الجزائرية أودتبحياة عميّ برصاصة تأخر مفعولها القاتل أربعين سنة, وأكون أنا من أقنع زيان يومهابإطلاق رصاصة الرحمة على نفسه واشتهاء الموت حد استحضاره.

    هذه الفكرة لم تكنإلا لتزيد من حزني, ولذا ما كادت فرانسواز تعود إلى البيت حتى بادرتها سائلاً عمّاإذا كانت أخبرت زيان بإقامتي عندها أم لا.
    أجابت متعجبة:
    -
    طبعاً لا..
    ثمواصلت:
    -
    ما كان لي أن أنسى ذلك بعد إلحاحك عليَّ بعدمإخباره.
    تمتمت:
    -
    شكراً!
    وتنفست الصعداء. يا إلهي ما أصعب الإساءةللموتى.
    واصلت فرانسواز, وهي تتعجب لأمري قائلة:
    -
    زيّان يعرف بأنّ ليعلاقات. وهو ما كان يتدخل في حياتي. هذا الأمر كان واضحاً بيننا منذ البدء.. فلماذاأنت قلق؟
    كم كان سيطول الكلام, لو أنا شرحت لها أسباب قلقي. لكن في مثل هذهالحالات, كنت أكتشف كم هي غريبة عني وكم الكلام معها يأخذ بعداً عبثيّاً. هذا برغمتأثرها البالغ عندما وقع عليها الخبر حتى أنها انهارت على الأريكة باكية مرددة:

    -ce n'est pas possible...Oh mon Dieu..
    قبل أن تسألني وهيتستمع إلى الرسائل الهاتفية, كيف أنني لم أعرف بنداءات المستشفى.
    أجبتها وقدفاجأني سؤالها, أنني كنت ذلك المساء خارج البيت. لكنها أجابت بما فاجأني أكثر, " آهصحيح.. ربما كنت يومها تتعشَّى عند مراد".
    بقيت صامتاً للحظات, وأنا أستنتج منعبارتها أنها على اتصال دائم معه, وأنهما يتهاتفان كل يوم.


    █║S│█│Y║▌║R│║█




  • #4
    مشرف أخــبار متنوعة ( غريب جدا جرائم وحوادث طرائف ألخ) في كل أنحاء العالم
    الحالة : Don.Ayman غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2010
    رقم العضوية: 1026
    الدولة: U.A.E - DUBAI
    العمل: محاسب
    المشاركات: 3,321
    الحالة الإجتماعية: اعزب
    معدل تقييم المستوى : 260
    Array

    لم يكن الظرف مناسباًلأمعن التفكير في غدر صديق أثناء انشغالي بتفاصيل موت صديق آخر. كان جميلاً أنأتأكد من أن للموت تنوعه, فثمة موتى نواريهم التراب, وآخرون أحياء نطمرهم في وحلمخازيهم.
    كنت رجلاً بإمكانه أن يتفهم خيانة زوجة. لكنه لا يغفر خيانة صديق. فخيانة الزوجة قد تكون نزوة عابرة, أما خيانة الصديق فهي غدرٌ مع سبقالإصرار.
    وضعت تلك الجملة بيننا مسافة من جليد الجفاء. وقد تكون فرانسواز فسَّرتبرودتي تجاهها بعد ذلك بفاجعة موت زيّان, بدون أن تعرف حجم المقبرة التي أحملها فيقلبي.
    اكتفيت ليلاً بضمِّها إلى صدري, وأنا أفكِّر في اقتراب ليلة سيحتلّ فيهامراد مكاني عابراً لهذا السرير.. المقيم.

    ***

    لأنني لم أنم. غادرت البيت باكراً صباح اليومالتالي لأقضي بعض ما تأخر من مشاغلي, نظراً لمستجدات الظرف, واستعداداً لعودة وشيكةإلى الجزائر.
    عندما عدت مساءً, أخبرت فرانسواز أنني زرت مكتب الخطوط الجزائرية, وأن ثمة رحلة إلى قسنطينة بعد ثلاثة أيام. سألتها إن كان بإمكاني الاعتماد عليها فيالإجراءات الإدارية وتكفّلي أنا بالأمور الأخرى. ثم واصلت بعد شيء من الصمت:
    -
    نقل الجثمان يكلف 32 ألف فرنك.
    سألتني فرانسواز:
    -
    هل تملك هذاالمبلغ؟
    وجدتني أبتسم.. وأجبتها:
    -
    لا.. اشتريت تلك اللوحة بما كانمعي!
    قالت بتذمر:
    -
    يا للحماقة.. نصف ريع لوحاته ذهب إلى الجمعيات الخيريةوالنصف الآخر الذي يعود إليه لا نستطيع التصرف فيه. فبحكم موته, كلّ شيء بعد الآنمحجوز قانونياً ومجمَّد في انتظار حصر الورثة.
    واصلت وهي تشعل سيجارة:
    -
    ليتكما اشتريت تلك اللوحة. إنها أغلى لوحة بيعت. أصرَّ زيّان على أن تباع لوحاته بأسعارمعقولة حتى تكون في متناول الجميع. ربما وضع سعراً غالياً لها لأنها الأحبإليه.
    -
    بل أنا من وضع سعراً لها. هو لم يطلب منّي شيئاً. أردت أن أضع فيها مابقي في حوزتي من مال تلك الجائزة.. وأرتاح.
    قالت بعد شيء من الصمت:
    -
    ألا ترىمن العجيب أن يكون زيان أراد ائماً الاحتفاظ بهذه اللوحة , وأن ثمنها يساوي تقريباًتكاليف نقل جثمانه إلى قسنطينة؟.
    اقشعرَّ جسدي: يا إلهي من أين جاءت بهذهالفكرة. انتابني شعور بالذعر, كأنني بشرائي تلك اللوحة سرقت منه قبره, أو كأننياشتريت بها قبري. ذهب تفكيري في كلّ صوب, واستعدت تطيّر حياة من الجسور.
    وبدونأن أشرح لها هواجسي, وجدتني أسأل فرانسواز:
    -
    أتعتقدين أننا ستعثر في يومين علىمشترٍ لها؟
    ردَّت بدون أن يبدو عليها أسف أو عجب لقراري:
    -
    قد يكون ذلكممكناً ما دامت معروضة. يكفي أن نرفع عنها الإشارة التي تدل أنها بيعت.. كل رواقيملك قائمة بأهم الزبائن الذين يعنيهم اقتناء لوحات هذا الفنان أو ذاك. وهو يتّصلبهم في مثل هذه الحالات.

    كان بيعها كالاحتفاظ بها يحزنني. ولذا ما عدت أدريأيّ القرارين كان صائباً, خاصة أنني اشتريتها من مالي, لأنني أحببتها, ولأن لا أحدغيري يقدِّر قيمتها العاطفية.
    وكان السؤال في حالة احتفظت بها: مِمَّن أستدينالمبلغ لنقل جثمان زيّان, أم ناصر وهو أكثر نزاهة من أن يفيض حسابه بهذا المبلغ, أمن مراد ولا رغبة لي بعد الآن في التعامل معه, ولا أظنه سيساعدني سوىبالقليل.
    كان الحل الوحيد هو الاتصال بحياة. أظنها قادرة على تأمين هذاالمبلغ.وكنت سأسعد بذلك لولا أن لا مال لها سوى مال زوجها, وأن في الأمر إهانة لعمرقضاه زيان رافضاً التلوث بمال اللصوص ذوي الياقات البيض, أو الاستنجاد بدولة ليستمسؤولة سوى عن تأمين علم وطني يغطّى به جثمان مبدعيها ممّن اغتيلوا بالعشرات علىأيدي الإرهابيين. فكيف أفكّر في طلب مساعدة من السفارة؟
    كان رجل التورّعوالترفّع, كم هيأوا له من أبواب واطئة يستدعي مروره منها انحناء كبريائه, والتنازلعن ذلك الاعتداد بالذات. ألأن قامته أصبحت الآن في انبطاح تابوت, بإمكانه أ يمرّ منباب أبى المرور منه حيَّا؟
    لم يكن الأمر يتطلب الكثير من التفكير. وجدتنيمؤتمناّ على رفات هذا الرجل, فلن أتصرف إلا بما يليق بما أعرفه عنه. ولا أخالهسيسعد إن أنا تسولت ثمن نقل جثمانه من الآخرين, وقد تصدَّق حيَّا بما كان سيضمن لهموتاً كريماً.
    هو رجل الحزن المتعالي, أليس أكرم له أن يسافر على نفقة إحدىلوحاته, على أن تنقل رفاته على حساب أحد المحسنين, أو كرماً وتصدّقاً من قراصنةالأوطان المنهوبة؟
    قطعت فرانسواز تفكيري قائلة:
    -
    إن كنت تريد أن تعرض اللوحةللبيع, عليَّ أن أخبر فوراً كارول كسباً للوقت. فأحياناً لا تتم الأمرو بسرعة, خاصّة أننا في نهايات السنة,والناس في مواسم الأعياد لا يملكون مالاً لإنفاقه فيمثل هذه المشتريات عندما تكون غالية نسبياً.
    أجبتها وأنا أشعل سيجارة وأذهب صوبالشرفة:
    -
    اطلبيها..

    في الصباح التالي استيقظت متعباً من ليل كله كوابيس. قد أكون تكلمت أثناء نومي أو تقلبت كثيراً. ممّا اضطر فرانسواز للنوم على أريكةالصالون.
    وضعت قبلة على خدها, واعتذرت لها محرجاً.
    ردت بلطف:

    Ce n' est pas grave..
    ثم سألتني, لماذا كنت مضطرباً إلى ذلكالحد.
    أجبتها وأنا أتجه صوب المطبخ لأعد القهوة:
    -
    كان حلماً مزعجاً.
    منالأرجح أن تكون قصة اللوحة وحواري مع فرانسواز وأشياء زيّان التي قضيت البارحة فيفرزها, تراكمت جميعها في لا شعوري, لتولد ذلك الحلم الذي كنت أرى فيه نفسي ما هممتباجتياز جسر من جسور قسنطينة إلا وصاح بي الناس على جانبيه ألا أفعل.
    كان الناسيهرِّبون أشياءهم من بيوتهم البائسة المعلَّقة على المرتفعات, صارخين بمن لا يدريأن الأرض تنزلق وأنّ الجسور جميعها ستنهار, والجميع مذعورون لا يدرون أيّ جسريسلكون للهروب من قسنطينة.

    لأنني رجل منطقي, وجدت لهذا الحلم سبباً آخر, يعود لذلك المقال الذي قرأته عندما كنت في الجزائر ونسيته منذ ذلك الحين,وأظنه عاداليوم ليطفو على سطح الشعور.
    وكان زميل لي, أمدّني بتلك الجريدة بالفرنسية, وقالممازحاً بلهجة أبن العاصمة " إتهلكت عليكم يا خو قسمطينة راحت. كاش نهار تقومواتِلقاوْ رواحكم قاع تحت".
    عنوان المقال كان يعلن بخطِّ كبير بالفرنسية أنّ الأرضتنزلق في قسنطينة, مسبوقاً بعنوان أصغر يسأل " ماذا تنتظر الحكومة؟"
    █║S│█│Y║▌║R│║█



  • صفحة 12 من 16 الأولىالأولى ... 21011121314 ... الأخيرةالأخيرة

    معلومات الموضوع

    الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

    الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

    المواضيع المتشابهه

    1. سرير مرسيدس رومانسي
      بواسطة En.Khaled Alfaiomi في المنتدى صور طريفة مضحكة كاريكاتير
      مشاركات: 11
      آخر مشاركة: 07-26-2010, 05:34 AM
    2. أحلام مستغانمي
      بواسطة SHARIEF FATTOUH في المنتدى ملتقى الثقافة و الأدب و الشعر و القصص والروايات
      مشاركات: 1
      آخر مشاركة: 07-06-2010, 02:28 AM
    3. زوج يجعل من ابنة زوجته الطفلة ضرة لها ويعاشرهما على سرير واحد
      بواسطة روح الحلا في المنتدى ملتقى الثقافة و الأدب و الشعر و القصص والروايات
      مشاركات: 3
      آخر مشاركة: 05-31-2010, 09:28 AM
    4. جميع روايات احلام مستغانمي
      بواسطة سوسن في المنتدى ملتقى الثقافة و الأدب و الشعر و القصص والروايات
      مشاركات: 2
      آخر مشاركة: 05-01-2010, 01:44 AM
    5. مقالة للكاتبة والأدبية أحلام مستغانمي
      بواسطة SHARIEF FATTOUH في المنتدى ملتقى الحـــوار العام للمغتربين السوريينDialogue Discussion Forum
      مشاركات: 6
      آخر مشاركة: 03-13-2010, 09:24 PM

    الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

    مواقع النشر (المفضلة)

    مواقع النشر (المفضلة)

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    •  
    Untitled-1