









وكان النعمان بن مقرّن على كسكر، ولّاه سعد الخراج بها. فكتب إلى عمر: « إنّ مثلي ومثل كسكر مثل رجل شابّ إلى جنبه مؤمسة تلوّن له وتعطّر، فأنشدك الله لمّا عزلتني وبعثتني إلى جيش من جيوش المسلمين. » فلمّا كان هذا اليوم الذي خطب فيه عمر، وجرى ما جرى مما كتبته، قال عمر: « أما والله لأولّينّ أمرهم رجلا ليكوننّ أول الأسنّة إذا لقيها غدا. » فقيل: « من، يا أمير المؤمنين؟ » فقال: « النعمان بن مقرّن ». قالوا: « هو لها. »
فكتب إليه عمر أن: « ائت نهاوند، فأنت على الناس بها. » فلمّا التقوا كان أول قتيل. وسنحكى خبره في موضعه.
وردّ عمر قريب بن ظفر، وردّ معه السائب الأقرع وكان السائب يومئذ مندوبا للأمانة وقسمة الفيء، لأنّه كان كاتبا حاسبا، كما كان محمد بن مسلمة مندوبا لتتبع العمال والطواف عليهم.
وقال عمر للأقرع: « إن فتح الله عليكم فاقسم ما أفاء الله عليهم، ولا تخدعني، ولا ترفع إليّ باطلا، وإن نكب القوم، فلا تراني ولا أراك، فبطن الأرض خير لك من ظهرها. » فقدما الكوفة بكتاب عمر بالاستحثاث. وكان أسرع أهل الكوفة إلى ذلك الروادف، ليبلوا في الدين، وليدركوا حظّا.
ذكر خديعة للهرمزان لم تتم له وما جرى بعد ذلك
كان عمر بن الخطّاب استدعى الهرمزان حين آمنه، فقال: « انصح لي فقد آمنتك. » قال: « نعم. إنّ الفرس اليوم رأس وجناحان. » قال: « فأين الرأس. » قال: « بنهاوند مع بندار، ومعه أساورة كسرى وأهل إصبهان. » قال: « فأين الجناحان؟ » فذكر مكانا. قال الهرمزان: « فاقطع الجناحين يهن الرأس. »
فقال عمر: « كذبت يا عدوّ الله بل أعمد إلى الرأس، فأقطعه، فإذا قطعه الله لم يقبض عليه الجناحان. »
فكتب إلى أبي موسى أن: سر بأهل البصرة، وإلى حذيفة أن: سر بأهل الكوفة.
وبعث بعثا من المدينة فيهم ابنه عبد الله بن عمر، وفيهم المهاجرون والأنصار، وقال: « إذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرّن. » فخرج حذيفة بن اليمان بالناس ومعه نعيم بن مقرّن حتى قدموا على النعمان بالطزر وجعلوا بمرج القلعة خيلا عليها النّسير، وقد كتب عمر إلى سلمى بن القين وحرملة وزرّ بن كليب وقوّاد المسلمين الذين كانوا بين فارس والأهواز أن: « اشغلوا فارس عن إخوانكم، وحوطوا بذلك أمّتكم وأرضكم، وأقيموا على حدود ما بين الأهواز وفارس حتى يأتيكم أمري. » وبعث مجاشع بن مسعود السلميّ إلى الأهواز، وقال له: انصل منها على ماه.
فلما صار بغضي شجر ناحية مرج القلعة، أمره النعمان أن يقيم بمكانه ونصل سلميّ وحرملة وزرّ، فكانوا في تخوم إصبهان وفارس، فقطعوا بذلك عن نهاوند الأمداد من فارس.
وورد على النعمان، وهو بطزر، كتاب عمر: « إنّ معك حدّ العرب ورجالهم فاستعن بهم وبرأيهم، وسل طليحة وعمرا، ولا تولّهم شيئا ».
فبعث من بطزر طليحة وعمرا، وعمرو بن أبي سلمى ليؤاتوه بالخبر. فأما عمرو وعمرو فإنّهما رجعا من الطريق آخر الليل.
فقال طليحة: « ما الذي يرجعكما؟ »
قالا: « سرنا يوما وليلة ولم نر شيئا، وخفنا أن يؤخذ علينا بالطريق. » ولم يحفل بهما. ومضى طليحة حتى انتهى إلى نهاوند، وبينها وبين الطزر بضعة وعشرون فرسخا.
فقال الناس: « ارتدّ الثانية. » فلما علم طليحة علم القوم، رجع، حتى إذا انتهى إلى الجمهور كبّر الناس.
وقال: « ما شأن القوم؟ » فأخبروه بالذي خافوا عليه.
فقال: « والله لو لم يكن [ دين ] إلّا العربية فقط، ما كنت لأجزر هذه العرب العاربة لهذه العجم الطماطمة. » فأتى النعمان، فدخل إليه، وأخبره أن ليس بينه وبين نهاوند شيء يكرهه.
فنادى النعمان بالرحيل وعبّأهم، وجعل على المجرّدة القعقاع بن عمرو، وكذلك جعل على ميمنته وميسرته ومقدمته أهل النجدات.
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني










إرسال المغيرة بن شعبة إلى الفرس
فلما اجتمعوا بنهاوند أرسل إليهم الفرس أن: أرسلوا رجلا نكلّمه. فأرسلوا المغيرة بن شعبة.
فلما رجع سألوه عما جرى.
فقال: وجدت العلج قد استشار أصحابه: « بأى شيء تأذنون لهذا العربيّ، بالشارة والبهجة أو بتقشّف له؟ » فاجتمع رأيهم على أفضل ما يكون من الشارة والعدّة. فتهيّأوا بها. فلمّا أتيناهم كادت تلك الحراب والنيازك يلتمع منها البصر، وإذا هم على رأسه مثل الشياطين، وإذا هو على سرير من ذهب، على رأسه التاج.
قال: فمضيت كما أنا، ونكّست رأسى. فدفعت، ونهيت.
فقلت: « الرسل لا يفعل بهم هذا! » فقالوا: « إنّما أنت كلب. » فقلت: « معاذ الله، لأنا في قومي أشرف من في قومه ».
فانتهرونى وقالوا: « اجلس! ». فأجلسوني، ثم قال - وترجم لي قوله -:
« إنّكم معشر العرب أبعد الناس من كلّ خير، أطول الناس جوعا، وأشقاهم شقاء، وأقذرهم قذرا، وأبعدهم دارا، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم من النشاب بمثل شوك القنفذ، إلّا تنجّسا لجيفكم، فإنّكم أرجاس. فإن تذهبوا نخلّ عنكم، وإن تأبوا، نركم مصارعكم. »
قال: فحمدت الله وأثنيت عليه، ثم قلت:
« والله، ما أخطأت من صفتنا شيئا. إن كنّا لكذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا، فوعدنا النصر في الدنيا، والجنّة في الآخرة. فوالله ما زلنا نتعرّف من ربّنا، منذ جاء رسوله، الفتح والنصر حتى أتيناكم. وإنّا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا، حتى نغلبكم على ما في أيديكم، أو نقتل بأرضكم. » فقال: « والله لقد صدقكم الأعور ما في نفسه. »
فقمت وقد أرعبت العلج. فأرسل إلينا العلج:
« إمّا أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم. »
فقال النعمان: « اعبروا ».
وكانوا قد انتهوا إلى الإسبيذهان وهم وقوف دون وادي خرد على تعبيتهم، وأمرهم إلى الفيرزان، وقد جعل بهمن جاذويه مكان ذي الحاجب، فهو على مجنبته، وقد توافى إليه كلّ من غاب عن القادسية والأيّام من أهل الثغور، وأمرائها، وأعلامهم. وأنشب النعمان بعد ما حطّ الأثقال وضرب الفسطاط القتال، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس وهم كأنّهم جبال الحديد، وقد تواثقوا ألّا يفرّوا من العرب وألقوا حسك الحديد خلفهم وقالوا: من فرّ منّا عقره حسك الحديد.
فقال المغيرة حين رأى كثرتهم: « لم أر كاليوم فشلا، إن عدوّنا يتركون يتأهّبون لا يعجلون، أم والله لو أنّ الأمر إليّ لأعجلتهم ».
وكان النعمان رجلا ليّنا، فقال: « قد كان الله يشهدك أمثالها، فلا يخزيك. إنّه والله ما منعني من المناجزة إلّا شيء شهدته من رسول اللهإذا غزا فلم يقاتل أول النهار، ولم يعجل حتى تحضر الصلاة وتهبّ الأرواح ويطيب القتال، فما منعني إلّا ذلك. اللهمّ إني أسألك أن تقرّ عيني بفتح يكون فيه عزّ الإسلام وذلّ الكفار، ثم اقبضنى إليك على الشهادة. ائمنوا يرحمكم الله. »
فأمنّا وبكينا. ثم أقدم بعد الصلاة للقتال.
قال: ولمّا كان يوم الجمعة انجحروا في خنادقهم، وذلك لما رأوا صبرنا أنّا لا نبرح العرصة فصبروا معنا. ثم إنّهم لم يصبروا، فحصرهم المسلمون، فأقاموا عليهم ما شاء الله، والفرس بالخيار لا يخرجون إلّا إذا أرادوا. فاشتدّ ذلك على المسلمين حدّا، وخافوا أن يطول أمرهم.
ذكر آراء صح أحدها على طريق المكيدة
حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع، تجمّع أهل الرأي من المسلمين، فتكلّموا، وأتوا النعمان، وقالوا: « نراهم بالخيار والقوّة ».
وهو يروّى فيما روّوا فيه. فقال: « على رسلكم، لا تبرحوا ».
وبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأي في الحرب، فتوافوا إليه.
فتكلّم النعمان فقال:
« قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن، وأنّهم لا يخرجون إلّا إذا شاءوا، ولا يقدر المسلمون على إنغاضهم وابتعاثهم قبل مشيئتهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق الذي هم فيه وعليه من الخروج. فما الرأي الذي به نحمشهم ونستخرجهم إلى المنابذة وترك التطويل؟ »
فتكلّم عمرو بن أبي سلمى وكان أسنّ القوم، فقال: « التحصّن أشدّ عليهم من المطاولة عليكم، فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم. »
فردّوا جميعا رأيه، وقالوا: « إنّا على يقين من إنجاز ربّنا وعده لنا. »
وتكلّم عمرو بن معدى كرب، فقال: « ناهدهم ولا تخف وكاثرهم. »
فردّوا جميعا عليه رأيه، وقالوا: « إنما نناطح الجدران. »
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني










وقسم حذيفة لأهل المسالح جميعا في نهاوند، مثل الذي قسم لأهل المعركة، لأنّهم كانوا ردءا للمسلمين لئلّا يؤتوا من وجه من الوجوه، وكان خلّف قوما على قلاع يحاصرون من فيها لئلّا ينزلوا فيؤتى المسلمون من قبلهم، فقسم لهم أيضا.
وسمّى يوم نهاوند فتح الفتوح ولم تكن للفرس بعد قائمة.
ومن عجيب ما مرّ في حصار نهاوند أنّ رجلا يقال له: جعفر بن راشد، قال لطليحة: « لقد أخذتنا خلّة، فهل بقي من أعاجيبك شيء تنفعنا به؟ » فقال: « كما أنتم، حتى أنظر. » فأخذ كساء، فتقنّع به غير كثير، ثم قال: « البيان، البيان، غنم الدقّان في البستان، مكان أرونان. » فدخلوا البستان، فوجدوا الغنم مسمنة.
ثم جاء دينار إلى حذيفة، فصالحه عن ماه، فنسب إليه ماه. فكان يوافى الكوفة كل سنة. فقدم الكوفة في إمارة معاوية، فقام في الناس جميعا، فقال: « يا معشر أهل الكوفة، إنّكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس، فغبرتم بذلك زمان عمر وعثمان، ثم تغيّرتم وفشت فيكم خلال أربع: بخل، وخبّ، وغدر، وضيق، لم تكن فيكم واحدة منهنّ. فنظرت في ذلك، فإذا ذلك في مولّديكم، فعلمت من أين أتى، فإذا الخبّ من قبل النبط، والبخل من قبل فارس، والغدر من قبل خراسان، والضيق من قبل الأهواز. »
فتح الري
ثم إنّ نعيم بن مقرّن فتح همذان، وسار إلى الريّ، وكان بالريّ يومئذ سياوخش ملكا عليها وهو سياوخش بن مهران بن بهرام شوبين.
[ فاستمدّ ] أهل دنباوند، وطبرستان، وقومس، وجرجان، وقال: « قد علمتم أنّ هؤلاء إن حلّوا بالريّ إنّه لا مقام لكم. » فاحتشدوا له. فناهده سياوخش، فالتقوا في سفح جبل الريّ إلى جنب مدينتها، فاقتتلوا به. وكان الزينبي متوحّشا من سياوخش، فكاتب نعيم بن مقرّن، وصالحه وعاونه، وكان الزينبي قال لنعيم: « إنّ القوم كثير وأنت في قلّة، فابعث معي رجلا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت، فإنّهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لذلك. » فبعث معه خيلا من الليل عليها ابن أخيه المنذر بن عمرو. فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم، وبيّتهم نعيم بياتا، فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا، وصبروا حتى سمعوا التكبير من ورائهم. ثم إنّهم انهزموا فقتلوا مقتلة عظيمة، فأفاء الله على المسلمين بالريّ نحوا من فيء المدائن، وصالحه الزينبي على أهل الريّ ومرزبه عليهم. وكتب نعيم بالفتح وبعث بالأخماس إلى عمر.
توجه بكير إلى آذربيجان
وكان بكير بن عبد الله قد توجه إلى آذربيجان، فأمدّه نعيم بعد فتح الريّ بسماك بن خرشة الأنصاري.
مردانشاه يراسل نعيما في الصلح
فأما المصمغان - وهو مردانشاه صاحب دنباوند والخزر والأرز والسرو - فإنّه راسل نعيما في الصلح على شيء يفتدى منه به، من غير أن يسأله النصر والمنعة. فقبل منه، وكتب على غير نصر ولا معونة على أحد، فجرى ذلك لهم.
فتح قومس
وقدّم سويد بن مقرّن أخاه بأمر عمر إلى قومس، فلم يقم له أحد، وأخذها سلما، وكتب لهم أمانا، وقبل جزيتهم.
فتح جرجان وطبرستان وآذربيجان
ثم كاتب ملك جرجان رزبان صول. ثم صار إليها، فبادره بالصلح، وتلقّاه، فدخل معه جرجان، وعسكر بها، وجبى إليه الخراج، وسمّى له فروجها، فسدّها بترك دهستان. فرفع الجزى عمن أقام بمنعتها، وأخذ الخراج من باقى أهلها، وكتب بينهم كتابا بالأمان وقبول الجزية ما نصحوا وقروا المسلمين، وعلى أنّ من سبّ مسلما بلغ جهده، ومن ضربه حلّ دمه. وراسله الإصبهبذ في الصلح أن يتوادعا ويجعل له شيئا على غير نصر ولا معونة على أحد. فكتب له بذلك كتابا على ألّا يؤووا للمسلمين بغية، ولا يسلّوا لهم إلى عدوّ، ولا يدخل عليه إلّا بإذنه، وكذلك سبيلهم.
وكان بكير سار حين بعث إلى آذربيجان حتى إذا طلع بجبال خرشدان طلع عليهم اسفندياذ بن الفرّخزاذ مهزوما من واج رود. فكان أول قتاله لقيه بآذربيجان، فاقتتلوا، فهزمه، وأخذ بكير اسفندياذ أسيرا.
فقال له اسفندياذ: « الصلح على آذربيجان أحبّ إليك أم الحرب؟ » قال: « بل الصلح. » قال: « فأمسكنى عندك. فإنّ أهل آذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجئ لم يقيموا، وجلوا إلى الجبال التي حولها من القبج والروم. ومن كان على التحصن تحصّن إلى يوم ما. » فأمسكه عنده، فأقام وهو في يده، وصارت البلاد إليه إلّا ما كان من حصن.
وقدم عليه سماك بن خرشة، وقد صار اسفندياذ في إساره. وفتح عتبة بن فرقد من جهته ما يليه.
فقال بكير لسماك بن خرشة كالممازح: « ما الذي أصنع بك وبعتبة؟ أريد أن أمضى قدما فأخلّفكما، فإن شئت فاذهب معي، وإن شئت أتيت عتبة، فقد أذنت لك. » وكاتب عمر في ذلك. فكتب إليه في الإذن على أن يتقدم نحو الباب، وأمره أن يستخلف على عمله. فاستخلف عتبة على ما افتتح. ومضى قدما، وقدّم إسفندياذ إلى عتبة، وأقرّ عتبة سماك بن خرشة، وليس بأبي دجانة، على عمل بكير الذي كان افتتح.
وجمع عمر آذربيجان كلّها لعتبة، وقد كان بهرام بن الفرّخان أخذ بطريق عتبة بن فرقد، وأقام له في عسكره حتى قدم عليه عتبة، فهزمه عتبة وهرب بهرام.
فلما بلغ خبر هزيمته إسفندياذ وهو في الإسار عند بكير، قال: « الآن تمّ الصلح وطفئت الحرب وعادت آذربيجان سلما. » فبعث بالأخماس. وكان بكير سبق عتبة بفتح ما ولى، وتمّ الصلح بعد ما هزم عتبة بهرام. فكتب عتبة بينه وبين أهل آذربيجان كتابا - حيث جمع له عمر بكير إلى عمله - بالأمان وشروط الجزية وقرى المسلمين وغير ذلك.
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني










فتح الباب والفتوح التي كانت بعده
وأنفذ عمر سراقة بن عمرو - وكان يكنّى ذا النون - إلى الباب وجعل على مقدّمته عبد الرحمن بن ربيعة، وسمى لإحدى مجنّبتيه حذيفة بن أسد، وسمى للأخرى بكير بن عبيد الله الليثي، وهو الذي كان بإزاء الباب قبل قدوم سراقة عليه. فلمّا قدم سراقة قدّم بكيرا في أدانى الباب، فدخل بكير بلاد الباب والملك يومئذ شهربراز الذي أفسد بني إسرائيل وأعرى الشام منهم.
فكاتب عبد الرحمن شهربراز، واستأمنه على أن يأتيه. ففعل، فأتاه، فقال له:
« إني بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة لا ينسبون إلى أحساب، وليس ينبغي لذي الحسب والعقل أن يعين هؤلاء ولا يستعين بهم على ذوي الأحساب والأصول، وذو الحسب قريب ذي الحسب حيث كان، ولست من الأرمن في شيء ولا من القبق، وإنّكم قد غلبتم على بلادي وأمّتى، وأنا اليوم منكم، ويدي مع أيديكم، وصفوي معكم، وجزيتنا إليكم، والنصر لكم، والقيام بما تحبّون، فلا تذلّونا بالجزية فتوهنونا لعدوكم. »
فقال عبد الرحمن: « فوقى أمير قد أظلّك، فسر إليه. » فجوّزه فسار إلى سراقة، فلقيه بمثل ذلك.
فقال سراقة: « قد قبلت ذلك ممن كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بدّ من الجزى ممن يقيم ولا ينهض. » فقبل ذلك، وكتب سراقة إلى عمر بن الخطّاب بذلك، فأجازه، وحسّنه، وصارت سنّة فيمن يحارب العدو من المشركين وفيمن لم يكن عنده الجزى أن يستنفروا، ثم يوضع عنهم جزى تلك السنة.
ووجّه سراقة بعد ذلك بكير بن عبد الله، وحبيب بن مسلمة، وحذيفة بن أسد، وسلمان بن ربيعة إلى الجبال المطيفة بأرمينية، ووجه بكيرا إلى موقان، وحبيبا إلى تفليس، وحذيفة إلى جبال اللّان، وسلمان إلى الوجه الآخر، وكتب سراقة بالفتح وبمن وجّه من هؤلاء النفر. فأتى عمر بن الخطّاب أمر لم يكن يرى انّه يستمر بتلك السرعة بغير مؤونة. فلما استوسق الأمر بتلك الناحية واستحلوا عدل الإسلام مات سراقة واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة.
فأقرّ عمر عبد الرحمن على فرج الباب، وأمره بغزو الترك. فخرج عبد الرحمن بالناس حتى قطع الباب.
فقال له شهربراز: « ما تريد أن [ تصنع ]؟ » قال: « أريد بلنجر. » قال: إنّا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب. »
قال: « لكنّا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيهم في ديارهم. والله إنّ معنا لأقواما لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم. » قال: « وما هم؟ » قال: « قوم صحبوا رسول اللهودخلوا في هذا الأمر بنيّة، كانوا أصحاب حياء وتكرّم في الجاهلية، فازداد حياؤهم وتكرّمهم، فلا يزال هذا الأمر دائما لهم، ولا يزال النصر معهم حتى يغيّرهم أمر، أو يلفتوا عن حالهم بمن يغيّرهم. » فغزا بلنجر - غزاه في زمن عمر - لم تئم فيها امرأة، ولا يتم فيها صبيّ. وبلغت خيله البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر، ثم غزا فسلم أيضا، وغزا [ غزوات ] في زمن عثمان، وأصيب عبد الرحمن حين تبدّل أهل الكوفة في إمارة عثمان، لما استعمل من كان ارتدّ واستعان بهم، فساد من طلب الدنيا، وعضّلوا بعثمان حتى كان يتمثل:
وكنت وعمرا كالمسمّن كلبه ** فخدّشه أنيابه وأظافره
وكان عبد الرحمن بن ربيعة لما غزا الترك، قالوا:
« ما اجترأ علينا هذا الرجل إلّا ومعهم الملائكة يمنعهم من الموت ».
فتحصّنوا منه، وهربوا. فرجع بالغنم.
فلمّا كان بعد ذلك غزا تلك الغزوات الأخر على تلك العادة، حتى إذا كان في زمن عثمان بعد السنين الستّ منه، غزا غزوة. وكان من الترك طائفة في الغياض مختفين، فرمى رجل منهم مسلما على غرّة، فقتله وهرب عنه أصحابه، فتجاسروا بعد ذلك وتنادوا.
فأمّا عبد الرحمن فقتل، واشتدّ القتال، وأخذ الراية سلمان بن ربيعة، وخرج بالناس على جيلان إلى جرجان، واجترأ الترك بعدها، ولم يمنعهم ذلك من اتخاذ جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به حتى الآن.
ما جرى بين يزدجرد وآبان جاذويه في الري
ولما انتهى يزدجرد في مسيره بعد جلولاء إلى الريّ كان عليها آبان جاذويه، فوثب عليه، فأخذه فقال: « يا آبان جاذويه، تغدر بي؟ » قال: « ولكنّك تركت ملكك وصار في يد غيرك وأريد أن أكتتب على ما كان لي من شيء، وما أردت من غير ذلك. » وأخذ خاتم يزدجرد وكتب الصكاك على الأدم، وسجّل السجلّات بكل ما أعجبه، ثم ختم عليها، وردّ الخاتم. ثم أتى بعد سعدا فردّ عليه كلّ شيء في كتابه. واستوحش يزدجرد من آبان وكرهه. فخرج هاربا إلى أصبهان ومعه النار، وأراد كرمان. ثم عزم على خراسان ليستمدّ الترك والصين وهو قريب منهم. فأتى مرو، فنزلها، وبنى للنار بيتا، واطمأنّ في نفسه.
غزو خراسان وهزيمة يزدجرد في بلخ
وخرج عبد الله بن عامر من البصرة في هذه السنة، وهي سنة إحدى وثلاثين، غازيا إلى خراسان. ففتح نيسابور وطوس ونسّا، حتى بلغ سرخس، وعلى مقدّمته الأحنف بن قيس. فلقيه الهياطلة، وهم أهل هراة، فهزمهم الأحنف، فبعثه ابن عامر إلى طخارستان. فلمّا دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد نحو مرو الروذ، فنزلها، ونزل الأحنف مرو الشاهجان، وكتب يزدجرد إلى خاقان من مرو الروذ يستمدّه، وكتب إلى ملك الصغد يستمدّه. فخرج رسوله إليهما، وكتب إلى ملك الصين يستعينه.
وخرج الأحنف من مرو الشاهجان، واستخلف عليه بعد ما لحقته الأمداد من أهل الكوفة قاصدا مرو الروذ. فلمّا بلغ مسيره يزدجرد خرج إلى بلخ.
ونزل الأحنف مرو الروذ، وقدم أهل الكوفة، فساروا إلى بلخ، واتبعهم الأحنف، فالتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ، فهزم يزدجرد، وتوجّه في أهل فارس إلى النهر، فعبر، ولحق الأحنف بأهل الكوفة وقد فتحوا بلخ، وعاد الأحنف إلى مرو الروذ.
وكتب عمر إلى الأحنف:
« أمّا بعد، فلا تجوزوا النهر، واقتصروا على ما دونه. » وبلغ رسولا يزدجرد خاقان وعارك، فلم يستتبّ لهم إنجاده، حتى عبر إليهم النهر مهزوما. فأنجده خاقان، فأقبل في الترك، وحشر أهل فرغانة والصغد، حتى خرج بهم راجعا إلى خراسان. فعبر إلى بلخ، وعبر معه خاقان، فأرز أهل الكوفة إلى مرو الروذ، إلى الأحنف.
http://mgtrben.net/viewimages/e69639c596.jpg
مطلوب للأنتربول الدولي خرج تسلموني
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)